pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

«أمرُ عملياتِ» نصر الله بإزاحة القاضي بيطار وَضَعَ لبنان في مأزق كبير

حكومة ميقاتي وقعتْ في «حفرة بيروتشيما»

 ميقاتي مع وفد من البنك الدولي في السرايا الحكومية أمس
ميقاتي مع وفد من البنك الدولي في السرايا الحكومية أمس

- إرجاء جلسة الحكومة في انتظار حلٍّ صعب و... مُكْلِف

وَقَعَتْ حكومةُ الرئيس نجيب ميقاتي في «حفرة بيروتشيما» والتحقيقات في ملفٍّ بات «برميل بارود» متعدّد الفتائل، السياسية والقضائية والطائفية وُضعت معه تشكيلةُ «معاً للإنقاذ» أمام معادلةٍ «قاتلة»، فإما تُنْقِذُ نفسها من «الموت السريري» وإما تنفّذ «إعداماً سياسياً» بحق المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار بعدما أصدر «حزب الله» وشريكه في الثنائية الشيعية الرئيس نبيه بري عليه حُكْمَ «كش بَرا».

وعاشت بيروت، أمس، يوماً عصيباً، تراجعتْ فيه عناوين الأزمة الشاملة التي تعصف بلبنان والتي وُلدت الحكومة تحت شعار التصدي لها ومنْع الارتطام الكبير، على وهج ملامح «انهيار» الحكومة في ذاتها من داخلها بعدما ارتفعت «المتاريس» داخل تشكيلة ما سُوِّق على أنه حكومة غير حزبيين، وبـ «يافطات حزبية» فاقعة، انشطر معها مجلس الوزراء بين «جبهة إسقاط» كبير المحققين في «بيروتشيما» وتَقَدّمها «حزب الله» وبري وحليفهما تيار «المردة» (بقيادة سليمان فرنجية) وجبهةِ رفْض إسقاط مبدأ فصل السلطات بالضربة القاضية والإطاحة بالتحقيق العدلي والتي تَصدّرها رئيس الجمهورية ميشال عون ووزراؤه.

ولم يأتِ قرار إرجاء «تتمة» جلسة مجلس الوزراء (كانت عُلّقت مساء الثلاثاء) التي كانت مقررة عصر، أمس، إلا ليعكس حجم المأزق الذي وجدت الحكومة نفسها في «شِباكه» والذي ارتسم بوضوح مع الجلسة المتفجّرة أول من، أمس، والتي سادتها مشاحناتٌ ساخنة بعدما أطلق وزراء «حزب الله» و«أمل» مسار تنفيذ أمر العمليات الذي أعلنه السيد حسن نصر الله بإزاحة بيطار اعتراضاً على «عمله الاستنسابي والمسيَّس» وإصراره على ملاحقة رئيس حكومة سابق (حسان دياب) و 4 وزراء سابقين بينهم 3 نواب حاليون (بينهم 2 من كتلة بري) أمام القضاء العدلي وليس المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وصولاً لإصداره مذكرة توقيف غيابية بحق المعاون السياسي لبري النائب علي حسن خليل.

ومنذ ساعات الصباح، تَكَثَّفَتْ الاتصالاتُ في محاولةٍ لتعطيل هذا «الصاعق» الذي عرّى من جهةٍ حكومةَ التناقضات التي «طفت» عند أول امتحانٍ، وعكس من جهة أخرى وطأة قضية المرفأ على مجمل الواقع اللبناني ومجلس الوزراء الذي بات واقعياً «أسير» إصرار الثنائي الشيعي على رفْض المشاركة في أي جلسة وزارية لا يتصدّر جدول أعمالها ملف بيطار مع تلويح بالاعتكاف بالحد الأدنى عن حضور أي جلسات أخرى واعتماد التصعيد السياسي وغير السياسي المتدرّج ما لم يُصر إلى «التصرف» مع المحقق العدلي وفق «مضبطة الاتهام» التي وجّهها نصر الله إليه.

وعلى وقع وضْع هذا الثنائي «الإصبع على زناد» الشارع مهدّداً بتحريكه اليوم للضغط «الميداني» لـ «قبْع» بيطار، حاول وزيرُ العدل هنري خوري (من حصة عون) تدوير الزوايا بترْك معالجة الملف للآليات القضائية سواء عبر التفتيش القضائي أو هيئة تحكيمية يتم إنشاؤها، وذلك في ظل رفْض مزدوج: الأول لاقتراح «حزب الله» و«أمل» بإزاحة المحقق العدلي بمرسوم في مجلس الوزراء، على قاعدة أن تعيينه يحصل عبر مجلس القضاء الأعلى وبالتنسيق مع وزير العدل وهذا أمر ليس من اختصاص الحكومة.

والثاني لطلب سحْب الجريمة من المجلس العدلي باعتبار أن هذا سيشكّل سابقة لا أحد يتحمّل تبعاتها الداخلية ولا الخارجية. وبعدما لم يتوافر قبول لاقتراح خوري معالجة الموضوع ضمن البيت القضائي، تَقَرَّر في «ربع الساعة الأخير» إرجاء جلسة مجلس الوزراء أمس لمزيد من الاتصالات وسط تقارير عن تعليق تحركات الشارع، في ظلّ أسئلة كبرى حول كيفية الفكاك من هذا «اللغم» وتأمين «حبل نجاة» للحكومة منه، ولا سيما وسط انطباعٍ بأن الضرر البالغ «وَقَع» مهما تكن مآلات مساعي الحلّ، باعتبار أنه إلى جانب الانكشاف المبكّر لكون الحكومة أشبه بـ «وكر دبابير» سيتناتش تضامُنها عند أي مفترق خلافي، وما أكثرها، فإن أي مَخْرج إذا جرى التوصل إليه لن يكون إلا على حساب استقلالية القضاء التي تشكّل مرتكزاً في دفتر الشروط الإصلاحي الذي يفرضه المجتمع الدولي لمدّ لبنان بالدعم المالي، في حين أن عدم بلوغ تسوية يعني تطيير الحكومة.

ولم يكن عابراً في غمرة تَطايُر تشظياتِ هذا الملف بروزُ قراءتين لخلفياتِ ما يجري:

•الأولى أشاعتْ أن هذه معركة «بين الحلفاء»، وأن «حزب الله» يأخذ بصدره التصدي لمحاولة جعْل المسار الذي يعتمده بيطار «سلاحاً» يستهدف الرئيس بري وزعيم «المردة» من ضمن عملية تصفية حسابات يستكملها رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل (صهر عون) معهما لحساباتٍ عدة وبعضها يدخل فيه الانتخابيّ النيابي والرئاسي، وأن الحزب يعاود ترسيم خطوط حمر أمام أي جرعات زائدة في التعرض لحليفيْه الآخَريْن (بري وفرنجية) لاعتباراتٍ لدى باسيل قد يكون في صلبها الأخذ والعطاء مع الأميركيين لرفْع العقوبات عنه أو تعزيز حظوظه الرئاسية.

•والثانية أن «حزب الله»، الذي روّجت مصادر قريبة منه أن المحقق العدلي يتجّه لاتهامه في جريمة المرفأ، يبني خطوط دفاع هجومية على وقع إعلان قياديين فيه وإعلام قريب منه أن قضية المرفأ تُستخدم منصة لاستهدافه ربْطاً بدوره في لبنان والإقليم، وفي سياق محاولة «ماكينة عمل إقليمية وداخلية لتغيير التوازنات الداخلية» وفق ما عبّر عنه أيضاً النائب علي حسن خليل.

وفي حين برز، أمس، وصْفُ إعلام قريب من «حزب الله» القاضي بيطار بـ «ديتليف ميليس آخر» في إشارة إلى الرئيس الأول للجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، استخدم نائب الحزب حسن فضل الله إعراب الخارجية الأميركية مجدداً عن «رفض ترهيب» المحقق العدلي واعتبارها أنّ ‏‏«إرهاب (حزب الله) يقوّض السيادة اللبنانية» وأنه «مهتم بمصالح إيران أكثر من مصلحة ‏لبنان»، ليعلن أن «تدخل وزارة الخارجية الأميركية مجدداً في التحقيق بكارثة انفجار المرفأ من خلال تصريحاتها المناهضة لرافضي التسييس والداعمة للسياسات المعتمدة من المحقق العدلي، محاولة مكشوفة لترهيب المسؤولين اللبنانيين بهدف منعهم من إعادة التحقيقات إلى مسارها القانوني».

وإذ اعتبر «أن هذا هو الجزء الظاهر من حجم التدخل الأميركي المباشر في التحقيقات لحرفها عن مسارها الصحيح، بغية إبقائها ضمن جدول التوظيف السياسي الأميركي لتصفية الحسابات مع المقاومة وحلفائها في لبنان»، قال: «نحن أمام انتهاك أميركي جديد للسيادة اللبنانية، وانكشاف مستوى التدخل للتحكم والسيطرة على التحقيقات لمصلحة التوظيف السياسي ضد فئات من الشعب اللبناني تناصبها الإدارة الأميركية العداء، وتحاول النيل منها بشتى السبل بما فيها الحصار الاقتصادي والعقوبات وتشويه السمعة، وأضيف إليها قضية انفجار المرفأ، وهو ما سيتصاعد على أبواب الانتخابات النيابية التي تسخر لها هذه الإدارة وسائلها الكثيرة لفرض وصايتها على اللبنانيين».

واستحضرت أوساط سياسية بإزاء هذا «التدافع الخشن» ما رافق التحقيقات في جرائم الاغتيال المتسلسلة التي بلغت ذروتها في 2005 و2006 والمسار التأسيسي لإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان واللذين كان «حزب الله» عمد بإزائهما لاعتكاف وزرائه كما وزراء «أمل» في ديسمبر 2005 (عقب اغتيال النائب جبران تويني) عن المشاركة في جلسات حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك قبل تقديم استقالتهم في نوفمبر 2006 (بعد اغتيال الوزير بيار الجميل)، متسائلة إذا كان ملف بيروتشيما يمكن أن يستعيد مثل هذه السيناريوات التي لن تكون إلا «قاصمة» لقطرة الأمل بإمكان انتشال لبنان من قعر الجحيم.

وفي موازاة ذلك، وفيما بقي كف اليد التلقائي والموقت للقاضي بيطار بانتظار بت الغرفة الأولى المدنية في محكمة التمييز طلبيْ ردّه الجديديْن اللذين تقدّم بهما كل من خليل والنائب غازي زعيتر، أكدت الأمانة العامة لمجلس النواب، أمس، أن «المجلس باشر السير بالإجراءات ‏اللازمة بما يتعلق بجريمة انفجار مرفأ بيروت»، معتبرة أن «أي إجراء من القضاء العدلي بحق الرؤساء والوزراء والنواب يعتبر تجاوزاً لصلاحيته لأن هذا الأمر ليس من اختصاصه».

وعُلم أن الأمانة العامة لمجلس النواب أرسلت كتاباً لوزارة الداخلية حول تبليغ النيابة العامة التمييزية ‏الموقف من ملاحقة الرؤساء والنواب، وسط شبه تسليم بأن مذكرة التوقيف بحق خليل لن تُنفَّذ.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي