pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

إيران تدفع الجميع لإعادة سورية إلى حضن المجتمع العربي - الدولي

متى تعود سورية إلى الحضن العربي والدولي؟
متى تعود سورية إلى الحضن العربي والدولي؟

سرّعت بواخر الوقود الإيرانية إلى لبنان عبر سورية، ملفات إقليمية ودولية مهمة طرحت بقوة على الطاولة، ووصلت ارتجاجاتها ليس فقط إلى لبنان بل إلى أميركا وروسيا ودول عربية، بدأت تعيد حساباتها وترفع التحفظ عن عودة سورية إلى الحضن العربي، والهدف من ذلك تشكيل واقع يفرض على الرئيس السوري بشار الأسد الأخذ في الاعتبار علاقات دولية وإقليمية أخرى، وليس فقط إيران وتفردها بالملف السوري.

أحداث كثيرة دخلت إلى منطقة غرب آسيا في الأشهر الأخيرة، بدأت بزيارتي الملك الأردني عبدالله الثاني لواشنطن وموسكو، وزيارة الأسد لروسيا ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين، بينما من المرتقب ان يزور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، موسكو وواشنطن قريباً.

كما استضافت بغداد، قمتان، واحدة جمعت العراق ومصر والأردن، وأخرى ضمت، العراق والكويت ومصر والأردن وإيران وقطر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا، بالإضافة إلى لقاءات أخرى بقيت بعيدة عن الأنظار بين دول المنطقة.

لا يمكن فصل هذا الحراك عن الانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد 20 عاماً من الاحتلال وعودة حركة «طالبان» إلى السلطة.

فهذه المباحثات متعددة الطرف، خصوصاً تلك المرتبطة بالحركة الأردنية، فتحت الباب أمام مرحلة جديدة تمهد لعودة سورية الى الكنف الإقليمي والدولي.

والتطور الأبرز كان إعلان عبدالله الثاني من واشنطن ان «الرئيس بشار الأسد باقٍ ويجب إيجاد طريقة للحوار معه».

هذا لا يعني ان الأردن لم يفتح الباب مع سورية قبل ذلك.

فالسفارة الأردنية في دمشق لم تقفل يوماً - وكذلك السفارة السورية في عمان - رغم استضافة الأردن لـ «غرفة الموك»، التي كانت تقود العمليات داخل سورية.

ولم تتوقف الاتصالات الأمنية والسياسية بين دمشق وعمان، وآخرها اتصال وزير الداخلية الأردني مازن الفرّاية مع نظيره السوري محمد الرحمون، لتنسيق عبور الشاحنات بين البلدين ما يعني أن أميركا قد تكون استثنت الأردن من عقوبات «قانون قيصر» على سورية.

وتبع ذلك زيارة وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء السوري علي أيوب إلى عمان ولقائه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية اللواء الركن يوسف الحنيطي، وهو اللقاء الرسمي الأول بعد عشرة أعوام من الحرب السورية.

وكانت أميركا فتحت الباب على مصرعيه لعودة سورية إلى لبنان والأردن لجر الغاز المصري عبر ما يعرف بـ«الخط العربي» إلى لبنان، في محاولة للحد من تدفق مادة الديزل والبنزين الإيراني إلى لبنان عن طريق «حزب الله».

إلا أن النفط الإيراني ليس المشكلة الوحيدة التي تخشاها أميركا وبعض الدول العربية، بل تخشى بقاء سورية في الحضن الإيراني. فالإدارات الأميركية الأخيرة منعت أي تقارب مع سورية.

لكن يبدو أن إدارة الرئيس جو بايدن قيمت الأمور في شكل أكثر واقعية، وهو ما عبر عنه ملك الأردن - بعد لقائه بايدن - حين تحدث عن ضرورة عودة سورية والتعامل مع الأسد.

وهذا لا يعني ان واشنطن ستفتح بابها هي أمام عودة الحرارة إلى العلاقة مع دمشق، بل إنها تحتاج إلى عودة الدول العربية والغربية أولاً، قبل تعبيد الطريق أمام الرأي العام للالتحاق بها.

وكان الأسد قال أمام زواره إن «أميركا لم تقطع يوماً علاقتها مع سورية أمنياً، إلا أننا في دمشق نرفض أي حوار سياسي قبل الانسحاب الأميركي من شرق البلاد».

ولم تقطع يوماً أوروبا علاقتها الأمنية مع سورية (فرنسا، إيطاليا، المانيا وغيرها)، إلا أن دمشق كانت اشترطت على جميع الوفود التي زارتها فتح سفاراتها قبل عودة العلاقات السياسية.

وفي الأسابيع الأخيرة، حررت سورية، مدينة درعا وطفس، لتؤمن أكثر من 215 كيلومتراً تحت سيطرتها من البادية إلى السويداء فدرعا، وبقيت بعض مناطق حوران التي من المتوقع أن تشملها الإتفاقات الأمنية وعودة الجيش السوري إليها قريباً، بمساعدة روسيا التي كانت رعت الاتفاق لوقف الحرب مع مسلحي الجنوب عام 2018.

إلا أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان أعلن ان «روسيا لن تقبل أن تستخدم سورية كمنطلق عمليات ضد إسرائيل».

هذا الكلام اعتبر رسالة روسية ضمنية لأميركا وإسرائيل، مفادها بان وجود القوات الروسية ضامن لحماية إسرائيل من سورية، ورسالة إلى إيران بان موسكو تريد لجبهة الجولان المحتلة، ان تبقى باردة.

لا شك أن النفوذ، كما الانتشار الإيراني، سببه الاستدعاء السوري لطهران لدعمها ضد «الحرب الكونية» التي شنت عليها. إضافة إلى ذلك، فإن منع أميركا، العديد من الدول من إعادة العلاقات مع سورية - التي أبدت استعدادها لفتح صفحة جديدة مع الدول الغربية والعربية - ترك الساحة في بلاد الشام لإيران.

وتحاول أميركا الآن تدارك هذا الواقع عبر مراجعة موقفها وخرقها لـ«قانون قيصر» لإحداث توازنات جديدة في المنطقة والسماح للجامعة العربية باستقبال سورية مجدداً، وهذا ما وعد به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، خلال قمة بغداد الأخيرة، والتي أطلع الكاظمي، الأسد على مضمونها في محادثة هاتفية مباشرة بعد انتهائها.

إن هدف عودة العلاقة الرسمية الأردنية - السورية، ليس فقط أمن الحدود ومنع التهريب القديم - الجديد، ولا مكافحة الإرهاب وأمن المعابر فقط، بل ان الأردن هو الباب الذي يفتح أمام دول المنطقة للدخول واحدة تلو الآخرى مقدمة لتغيير الولايات المتحدة موقفها إيذاناً بالسماح لعودة سورية إلى الحضن الإقليمي والدولي.

إنها ملفات عدة تبدأ من الملف النووي الإيراني، الذي إذا ما عادت إليه واشنطن برفعها كل العقوبات عن طهران، سيعطي قوة اقتصادية ومالية لا سابقة لها لإيران وسيستفيد منها أيضاً حلفاؤها أكثر من أي وقت مضى.

وتالياً سيصعب على سورية المعاقبة اقتصادياً أن تنفتح أكثر على دول أخرى.

إنها ناقلات النفط الإيرانية التي يجب ان تمر - في هذه المرحلة فقط - عن طريق سورية إلى لبنان، كما يمر سلاح «حزب الله» الكاسر للتوازن.

أنه الوجود الإيراني في القنيطرة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.

بالإضافة إلى شبه انتهاء الحرب السورية وبقاء قوات أميركية - تركية تحتل الشمال فقط هي التي تفرض نفسها على الدول العربية والغربية لإعادة سورية إلى مسارها الطبيعي.

وإذا ما حصل ذلك وخرجت أميركا، تبسط سورية سلطتها على أكثرية الجغرافيا السورية لتبقى القوات التركية فقط.

لقد قال ممثل مجلس «سورية الديموقراطية» في الولايات المتحدة بسام صقر، انه «ينبغي على أميركا تحذير الكرد السوريين إذا ما اتخذت قرار الانسحاب وتنفيذ الانسحاب خطوة - خطوة».

هذا يدل على التغيير المتوقع في سورية الذي يفتح الباب أمام تعديل المواقف وإعادة النظر بالسياسات العربية - الدولية تجاه دمشق.

كل هذا لأن إيران أصبحت قوة إقليمية أقوى بكثير مما كانت عليه يوم اندلاع الحرب عام 2011.

وهذا يعني أيضاً أنه حان وقت الاعتراف بفشل الأهداف الأميركية والسماح لسورية باستعادة عافيتها.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي