إشراقات النقد / التناص الديني... عند أمل دنقل (2)
| سعاد العنزي |
... وهناك نص آخر للشاعر أمل دنقل يسجل فيه معنى المفارقة الساخرة، وتحول دلالة الخيل بين القصيدة العربية القديمة، والقصيدة الحديثة، وفق الراهن السياسي المحيط، في قصيدة «الخيول» في ديوان «أوراق الغرفة 8»، إذ يقول:**
« اركضي أو قفي الآن... أيتها
الخيل...
لست المغيرات صبحا
ولا العاديات- كما قيل-
ضبحا». (10)
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: « والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا». (11)
الشاعر يعرض لحالتين مغايرتين من حالات الخيول، فالحالة الأولى هي التي ينص عليها النص القرآني، إذ هي الخيل العاديات، التي تعدو وتجري في الغزو صباحا، التي تتابع في الجري، وتتابع أنفاسها، للدلالة على قوة المعركة، والروح الجهادية. أما الحالة الثانية، الراهنة في وقت القصيدة، التي ترمز لها القصيدة، فالشاعر يرى أن الخيول أصبحت للزينة واللهو، فلا تستخدم للجري في الغزو والنضال من أجل الأمة لا صباحا ولا مساء، فالخيول فقدت وظيفتها بسبب تقهقر الأمة، وأضحت مجرد مظهر من مظاهر الترف.
يجدر بنا الإشارة إلى أن الشاعر لم يكتف بتوظيف الآيات القرآنية في المتن الشعري، بل وظفها في عناوين قصائده، مثل العنوان: «قالت امرأة في المدينة»، ونصها في القرآن موجود في سورة «يوسف»، وهي : « وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه». (12)
وتوافق الباحثة رجاء النقاش في قوله إن: «التأثير القرآني واضح في شعر أمل دنقل وضوحا كبيرا والأبيات التي اخترناها هي مجرد نماذج تثبت هذا التأثير ولا تحصيه». (13)
ثانيا: التناص الموضوعي مع القرآن الكريم
مثلما انتقى أمل دنقل من النصوص القرآنية: الكلمة المفردة، الجملة ، الآية القرآنية، فهو كذلك استدعى القصة القرآنية، إما بسرد الحدث القصصي، أو الاكتفاء باستدعاء أجواء القصة.
وقد احتلت شخصيات الأنبياء المرسلين الكثير من المضمون الشعري لقصائد الشاعر، من مثل قصة : سليمان، يوسف، المسيح، نوح وابن نوح، عليهم السلام.
وفيما يلي عرض للشخصيات التي وردت في شعر أمل دنقل، ودلالتها في القصائد المختلفة
1 - شخصية سيدنا سليمان عليه السلام
اهتم الشاعر بأخذ بعض الأحداث من قصة النبي سليمان عليه السلام، التي تخدم رؤيته الشعرية، وكان هذا الاستدعاء يأتي على صور جزئية، في قصائد ثلاث له: «أيلول»، «السويس»، «حكاية المدينة الفضية».
ففي قصيدة «أيلول» في ديوان «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، يستدعي الشاعر فيها حادثة موت النبي سليمان عليه السلام، فما هو معلوم في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، إنه قد توفي ولم يعلم أحد من الإنس أو الجن بميتته إلا بعد مضي سنة كاملة، ولم تنبئ عن موته إلا دودة الأرض، فيعلق أصبع بن الفرج عن هذه الحادثة: « وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل من منسأته حتى خر، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم والله أعلم». (14)
أما النص القرآني الذي يشير إلى الحادثة، فيكمن في قوله تعالى: «فلما قضـــينا علـــيه المــــوت ما دلهــــم على موتـــه إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجــــن أن لو كــــانوا يعلمـــون الـــغيب ما لبثوا في العذاب المهين». (15)
يلتقط الشاعر هذه الحادثة، ويوظفها على النحو التالي:
« أيلول الباكي هذا العام
يخلع عنه السجن قلنسوة الإعدام
تسقط من سترته الزرقاء الأرقام!
يمشي في الأسواق: يبشر بنبوءته الدموية
ليلة وقف على درجات القصر الحجرية
ليقول لنا: إن سليمان الجالس منكفئا
فوق عصاه
قد مات! ولكنا نحسبه يغفو حين نراه! « (16)
والملاحظ ان صورة سيدنا سليمان مستعارة حرفيا من النص القرآني السابق، «لكن تحوير الشاعر لها قد تمثل في جعل نبوءة موت سليمان عليه السلام تصدر عن لسان « أيلول»، وجعل الشعب وليس الجن- هو الذي ينخدع في مظهره، ويظن انه يغفو إغفاءة قصيرة فقط». (17)
وبذا يتضح ان الشاعر حرف بعض وحدات الصورة التراثية، ولكن تحريفه لها لا يمس بجوهر الصورة، بل يتماس مع ملابسات الموقف والمحيط الخارجي، فأفاد ذلك في توضيح رؤية الشاعر الذي جعل شخصية سيدنا سليمان في هذا السياق معادلا تراثيا لشخصية جمال عبد الناصر، « الذي أثبتت نكسة الخامس من أيلول للشعب إن مظهره القوي لا يعبر عن قوته الحقيقية، و إنه لم يعد يرهب أحدا سواهم». (18)
وفي قصيدة أخرى هي قصيدة « السويس»، من نفس الديوان، يصف الشعب المصري، وعلى وجه الخصوص الطبقة الكادحة، طبقة العمال، بأنهم يعيشون في الوهم، في قوله:
«فيدخلون في كهوف الشجن العميق
وفي بحار الوهم: يصطادون أسماك سليمان الخرافية!» (19)
في النص السابق استدعى الشاعر معجزات سليمان الخارقة، ليقدم رؤيته الشعرية الخاصة، للناس عامة، ولعمال السويس خصوصا، بأن يقول لهم: إننا لسنا في زمن المعجزات والخيالات والأوهام، بل علينا معرفة الواقع جيدا، ومن ثم العمل الجاد من أجل الإصلاح، والشعارات وحدها لن تقدم انتصارات.
مما سبق يتضح أن صورة السيد سليمان عليه الصلاة والسلام، في النصوص الشعرية المعروضة، قد أتت بصورة جزئية، وليس باستدعاء كلي لها. بغية تقوية النص الشعري، والحالات التي يعرض لها بحادثة تاريخية لها حضورها في الوجدان الجمعي للتراث الإنساني.
2 - شخصية السيدة مريم عليها السلام
كانت شخصية السيدة مريم عليها السلام من أكثر الشخصيات استدعاء وحضورا لدى الشعراء العرب المعاصرين، إذ تمثل رمز الطهارة والنقاء، فهي السيدة العذراء التي لم يمسسها بشر، وكان انجابها لسيدنا عيسى عليه السلام، دليلا على عظمة الخالق عز وجل شأنه.
* كاتبة وناقدة كويتية
[email protected]
* المصادر والمراجع:
(10) «الديوان»، ص387.
(11) القرآن الكريم، (العاديات، أية: 3،2،1).
(12) القرآن الكريم، (يوسف، آية:30).
(13) النقاش، رجاء، «ثلاثون عاما من الشعر والشعراء»، دار سعاد الصباح، الكويت، الطبعة الأولى 1992م،ص243.
(14) ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل، «قصص الأنبياء»، دار الكتاب الحديث، الكويت، سنة 1998م، ص434.
(15) القرآن الكريم، (سبأ، الآية: 14).
(16) «الديوان»، ص 127.
(17) مجاهد، أحمد، «أشكال التناص الشعري»، مرجع سابق، ص215.
(18) السابق، ص215.
(19) «الديوان»، 122.
... وهناك نص آخر للشاعر أمل دنقل يسجل فيه معنى المفارقة الساخرة، وتحول دلالة الخيل بين القصيدة العربية القديمة، والقصيدة الحديثة، وفق الراهن السياسي المحيط، في قصيدة «الخيول» في ديوان «أوراق الغرفة 8»، إذ يقول:**
« اركضي أو قفي الآن... أيتها
الخيل...
لست المغيرات صبحا
ولا العاديات- كما قيل-
ضبحا». (10)
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: « والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا». (11)
الشاعر يعرض لحالتين مغايرتين من حالات الخيول، فالحالة الأولى هي التي ينص عليها النص القرآني، إذ هي الخيل العاديات، التي تعدو وتجري في الغزو صباحا، التي تتابع في الجري، وتتابع أنفاسها، للدلالة على قوة المعركة، والروح الجهادية. أما الحالة الثانية، الراهنة في وقت القصيدة، التي ترمز لها القصيدة، فالشاعر يرى أن الخيول أصبحت للزينة واللهو، فلا تستخدم للجري في الغزو والنضال من أجل الأمة لا صباحا ولا مساء، فالخيول فقدت وظيفتها بسبب تقهقر الأمة، وأضحت مجرد مظهر من مظاهر الترف.
يجدر بنا الإشارة إلى أن الشاعر لم يكتف بتوظيف الآيات القرآنية في المتن الشعري، بل وظفها في عناوين قصائده، مثل العنوان: «قالت امرأة في المدينة»، ونصها في القرآن موجود في سورة «يوسف»، وهي : « وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه». (12)
وتوافق الباحثة رجاء النقاش في قوله إن: «التأثير القرآني واضح في شعر أمل دنقل وضوحا كبيرا والأبيات التي اخترناها هي مجرد نماذج تثبت هذا التأثير ولا تحصيه». (13)
ثانيا: التناص الموضوعي مع القرآن الكريم
مثلما انتقى أمل دنقل من النصوص القرآنية: الكلمة المفردة، الجملة ، الآية القرآنية، فهو كذلك استدعى القصة القرآنية، إما بسرد الحدث القصصي، أو الاكتفاء باستدعاء أجواء القصة.
وقد احتلت شخصيات الأنبياء المرسلين الكثير من المضمون الشعري لقصائد الشاعر، من مثل قصة : سليمان، يوسف، المسيح، نوح وابن نوح، عليهم السلام.
وفيما يلي عرض للشخصيات التي وردت في شعر أمل دنقل، ودلالتها في القصائد المختلفة
1 - شخصية سيدنا سليمان عليه السلام
اهتم الشاعر بأخذ بعض الأحداث من قصة النبي سليمان عليه السلام، التي تخدم رؤيته الشعرية، وكان هذا الاستدعاء يأتي على صور جزئية، في قصائد ثلاث له: «أيلول»، «السويس»، «حكاية المدينة الفضية».
ففي قصيدة «أيلول» في ديوان «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، يستدعي الشاعر فيها حادثة موت النبي سليمان عليه السلام، فما هو معلوم في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، إنه قد توفي ولم يعلم أحد من الإنس أو الجن بميتته إلا بعد مضي سنة كاملة، ولم تنبئ عن موته إلا دودة الأرض، فيعلق أصبع بن الفرج عن هذه الحادثة: « وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل من منسأته حتى خر، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم والله أعلم». (14)
أما النص القرآني الذي يشير إلى الحادثة، فيكمن في قوله تعالى: «فلما قضـــينا علـــيه المــــوت ما دلهــــم على موتـــه إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجــــن أن لو كــــانوا يعلمـــون الـــغيب ما لبثوا في العذاب المهين». (15)
يلتقط الشاعر هذه الحادثة، ويوظفها على النحو التالي:
« أيلول الباكي هذا العام
يخلع عنه السجن قلنسوة الإعدام
تسقط من سترته الزرقاء الأرقام!
يمشي في الأسواق: يبشر بنبوءته الدموية
ليلة وقف على درجات القصر الحجرية
ليقول لنا: إن سليمان الجالس منكفئا
فوق عصاه
قد مات! ولكنا نحسبه يغفو حين نراه! « (16)
والملاحظ ان صورة سيدنا سليمان مستعارة حرفيا من النص القرآني السابق، «لكن تحوير الشاعر لها قد تمثل في جعل نبوءة موت سليمان عليه السلام تصدر عن لسان « أيلول»، وجعل الشعب وليس الجن- هو الذي ينخدع في مظهره، ويظن انه يغفو إغفاءة قصيرة فقط». (17)
وبذا يتضح ان الشاعر حرف بعض وحدات الصورة التراثية، ولكن تحريفه لها لا يمس بجوهر الصورة، بل يتماس مع ملابسات الموقف والمحيط الخارجي، فأفاد ذلك في توضيح رؤية الشاعر الذي جعل شخصية سيدنا سليمان في هذا السياق معادلا تراثيا لشخصية جمال عبد الناصر، « الذي أثبتت نكسة الخامس من أيلول للشعب إن مظهره القوي لا يعبر عن قوته الحقيقية، و إنه لم يعد يرهب أحدا سواهم». (18)
وفي قصيدة أخرى هي قصيدة « السويس»، من نفس الديوان، يصف الشعب المصري، وعلى وجه الخصوص الطبقة الكادحة، طبقة العمال، بأنهم يعيشون في الوهم، في قوله:
«فيدخلون في كهوف الشجن العميق
وفي بحار الوهم: يصطادون أسماك سليمان الخرافية!» (19)
في النص السابق استدعى الشاعر معجزات سليمان الخارقة، ليقدم رؤيته الشعرية الخاصة، للناس عامة، ولعمال السويس خصوصا، بأن يقول لهم: إننا لسنا في زمن المعجزات والخيالات والأوهام، بل علينا معرفة الواقع جيدا، ومن ثم العمل الجاد من أجل الإصلاح، والشعارات وحدها لن تقدم انتصارات.
مما سبق يتضح أن صورة السيد سليمان عليه الصلاة والسلام، في النصوص الشعرية المعروضة، قد أتت بصورة جزئية، وليس باستدعاء كلي لها. بغية تقوية النص الشعري، والحالات التي يعرض لها بحادثة تاريخية لها حضورها في الوجدان الجمعي للتراث الإنساني.
2 - شخصية السيدة مريم عليها السلام
كانت شخصية السيدة مريم عليها السلام من أكثر الشخصيات استدعاء وحضورا لدى الشعراء العرب المعاصرين، إذ تمثل رمز الطهارة والنقاء، فهي السيدة العذراء التي لم يمسسها بشر، وكان انجابها لسيدنا عيسى عليه السلام، دليلا على عظمة الخالق عز وجل شأنه.
* كاتبة وناقدة كويتية
[email protected]
* المصادر والمراجع:
(10) «الديوان»، ص387.
(11) القرآن الكريم، (العاديات، أية: 3،2،1).
(12) القرآن الكريم، (يوسف، آية:30).
(13) النقاش، رجاء، «ثلاثون عاما من الشعر والشعراء»، دار سعاد الصباح، الكويت، الطبعة الأولى 1992م،ص243.
(14) ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل، «قصص الأنبياء»، دار الكتاب الحديث، الكويت، سنة 1998م، ص434.
(15) القرآن الكريم، (سبأ، الآية: 14).
(16) «الديوان»، ص 127.
(17) مجاهد، أحمد، «أشكال التناص الشعري»، مرجع سابق، ص215.
(18) السابق، ص215.
(19) «الديوان»، 122.