في الذكرى 35 لرحيله في «عيد أعياده»
عاصي الرحباني يوم استشرف انهيار... «جمهورية أحلامه»
- لبنان كأنه في «ناطورة المفاتيح».. يرحل الشعب فهل يستفيق الحاكِم؟
في 21 حزيران 1986، في يوم عيد الموسيقى، وفي أول أيام الصيف، وفي عيد الأب وقبل خمسة وثلاثين عاماً، رحل عاصي الرحباني، الرئيس الفخري لـ «الحلم اللبناني». جاء رحيله في «عيد أعياده» عيد الموسيقى التي مَسْرَحَها في حكايا تنشد الحرية والعدالة و... الوطن.
لم تخفت الكتابة عن عاصي الرحباني، الذي يتردد في صوت فيروز في كل صباح ومساء من كل يوم، لكنه في لبنان الآن هو الغائب الأكثر حضوراً. كأنه أرّخ في الأمس البعيد لِما سيكون اليوم، فحدث ما كان يخشاه.
لم يفعلها شاعر أو أديب أو موسيقي أو مسرحي أو كاتب، كما إستشرف عاصي الرحباني سقوطَ وطنٍ كان يشبه الأحلامَ في يدِ حكّامٍ حوّلوه دولة متهالكة يسودها الظلم والإستبداد والفساد تزدري شعبها وتلهو ببؤسهم.
صحيح ان عاصي إتُهم بإنه بنى وطناً حالماً، وبأن اللبنانيين خُدعوا بهذا الوطن الذي فتشوا عنه ولم يجدوه. لكن الواقع أنه لم يكتب للمدينة الفاضلة ولا بنى حلماً كاذباً أو سراباً، إنما كتب رؤيتَه للبنان الذي يحبه، شيّد له قامةً فكرية وموسيقية عالية. والأهمّ أنه كتب للإنسان فيه، المظلوم والفقير والمسحوق من السلطة، والراغب دائماً في التخلص من الظلم والإستبداد.
نصُّ الرحباني المسرحيّ، عبارة عن سيرة وطن، وعن سيرة الحاكم مع شعبه أياً كان زعيماً أو رئيساً أو أمبراطوراً، وسيرة الشعب الذي لا بد أن يَخْرج منه مَن يرفض الظلم. تارةً يكون فيروز البنت البسيطة «قرنفل»، أو «ديك المي»، وتارة يكون «الناطور»، و«المختار»، أو يكون الأمير فخر الدين، والملكة بترا. لكن بقدر ما يحمل النص المسرحيّ غنى الخبْرية في ذاتها، يحمل أيضاً في طياته خواتيم تعبّر تماماً عن واقع هذا الإنفصال بين الطموح إلى الحرية وبين الواقع الذي يأسر الناس في حلقات من الإستبداد الذي لا ينتهي.
في الغالب يتعامل الناس مع النصوص الرحبانية «الوطنية» على انها معدودة، كمسرحيات فخر الدين، وبترا وجبال الصوان، لكن المفهوم الوطني بمعناه الحقيقي والسياسي والشعبي حاضر في جميع المسرحيات الغنائية على إختلافها وتنوُّعها، بل إن المسرحيات الأكثر شعبية بالمفهوم الغنائي والنص السهل الممتع تحمل كمّاً من رسائل تعكس تماهياً مع الواقع السياسي في رؤية الرحباني للأنظمة الحاكمة.
يندر أن وُجدت مسرحية لا تنطوي على رسائل عن الظلم والعدالة. ففي «ميس الريم» تقول زيون «ما وقع ظلم على إنسان بآخر الأرض إلا وحسّيت أنا للي إنظلمت». وفي «لولو» السجينة ظلماً التي تفتش عن العدالة تقول في نهاية المسرحية «الطيارات رمادية متل الترغل، إنفجار القنابل فضي بلون الشمس، ناس بالخنادق ناس بالبارات، العدالة كرتون، الحرية كذبة، صار الحبس كبير وكل حكم بالأرض باطل».
قد تكون فكرة «ناطورة المفاتيح» الفكرة الأكثر غرابة في المسرح وفي الرواية. حين يقرر شعب بأكمله الرحيل عن المدينة التي يحكمها ملك ظالم. يقول النص على لسان نصري شمس الدين «قولولن ما يضل حدا، كلن لازم يرحلو، رجال نسوان، أولاد وشيوخ، كلن لازم يرحلو، خلي المدن تفضى وتتسكر البيوت». يترك الشعب بيوته ويرحل فيضطر الملك إلى إطلاق المعتقلين الذين سجنهم ظلماً، ليشكلوا رعيته فيرحلوا بدورهم ولا تبقى سوى ناطورة المفاتيح التي تقرّر أيضاً الرحيل. يترك الرحيلُ المفاجىء لشعبٍ بأكمله بسبب الظلم، رد فعل لدى الملك الذي يستيقظ من نزعته الظلامية فينادي أصحاب البيوت ليعودوا «شحدوني كلمة حلوة، جايبلكن مجد المملكة وتاج الملك، وزعوهن ع الاولاد». إستفاقة الحاكم من نزعته السلطوية، هي الحلم الحقيقي لكل لبناني. فمَن لا يفكر في الهجرة اليوم، إن لم يستفق الحاكم من غفلته.
هي الخاتمة ذاتها تقريباً التي تتحدث عن إستفاقة الحاكم إستجابةً للعدالة ولمصلحة شعبه تتكرر في «صح النوم»، التي تسرق فيها «قرنفل» ختْم الدولة بعدما كان الوالي لا يختم معاملات الناس ويذهب إلى قصره لينام. تختم المعاملات وحين تُكتشف فعلتها تنزل إلى البئر لتبحث عن الختم الذي رمتْه، وهي تغني للمستشار الذي نبهها «الختم هوي الدولة أوعى يغرق بتغرق الدولة»، فترد «ما بتغرق.. دولتنا خشب» ويرد المستشار «نشكرالله دولتنا خشب». لكن الوالي يستفيق في النهاية على مصلحة الناس ويدع الختم في يد «قرنفل».
وإذا كانت هجرة شعبٍ بكامله الفكرة الأكثر عبقرية التي تلامس الجنون الفني بكل معانيه، فإنها في مسرحية «جبال الصوان» تأخذ بُعداً آخر، الهجرة الداخلية والإنكفاء في المعنى الحقيقي للناس لسنوات طويلة ولو مصحوباً بعدم الرضوخ لظلم الطاغي«فاتك المتسلط»، بعد مقتل زعيمهم. إلى أن تعود إبنته، فتقود الثورة مجدداً ضده فيهرب قائلاً لعسكره «من خلف الصخور جايين من تحت الشجر جايين وجايين من أيام الغضب.. اهربوا ت نهرب قبل ما يوصل اللي جايين».. في المسرحية الوحيدة التي تستشهد فيها فيروز- «غربة»، على المسرح، تكون قيامة الوطن في الختام ليصرخ الأهالي للبطلة الشهيدة «مجد العروس غمر الأرض والطاغي هرب من صوتا».
لبس فخر الدين مع الرحباني مجد الأمراء والناس الذين أحبوه لأنه كان أول من بنى الإمارة ولبنان بمعنى الدولة الصغيرة التي نمت تحت حكم العثمانيين. في تلك الأيام يرحل فخر الدين إلى إسطنبول بعد خيانه أحد أفراد حاشيته العثمانية، لكن رحيله عن لبنان لا يتم إلا على صوت الوعد بالعودة فتغني له «عطر الليل» (وهي الأغنية التي صدحت يوم وداعه في ساحات مسقطه انطلياس) «راجِع بصوت البلابل، راجِع بغناني الحصادين، ساكِن ع أطراف المعاول، ساكِن بفراريع الحطابين». هو وعد العودة المظفرة لأمير أَحَبَّه شعبه، لا يشبه الحكّام الظالمين، هو الذي أحبه شعبه كما أحبوا ملك وملكة بترا.
ففي مسرحية «بترا» تدفع الملكة ثمن حرية بلادها فتضحي بإبنتها التي تخطفها روما وتقتلها، فتغني لوطنها «بيقولو زغيّر بلدي وبالغضب مسوّر بلدي، الكرامة غضب والمحبة غضب والغضب الأحلى بلدي». هذا هو الحلم بقائدٍ وحاكم عادل، لا يضحّي بشعبه من أجل عائلته.
في «الشخص» لا تبتعد المسرحية عن السياسة إلا بمفهومها المباشر. فالكلام عن بيّاعة البندورة الفقيرة في إستقبال «الشخص» ومفهوم العدالة النائمة في محاكمتها يوازيه هذا الشخص المجهول الإسم والحاضر بصمت إلا حين يروي مخاوفه في قصره ومن أن يطيح به أحد «ما بخاف إلا أنا وجايي ع أوضتي. في زاروب كبير ضوو شحيح مين بيعرف شو مخبالو بالزاروب». ختام المسرحية بياعة البندورة المظلومة تشتكي للشخص الخائف الذي لا يجد لها حلاً فتغني له «جينا لحلّال القصص ت نحل قصتنا، ولقينا فيه عندو قصة يا محلا قصتنا». فيتساوى في ذلك الظالم والمظلوم في مَخاوفهما من المجهول.
في «يعيش يعيش»، الحاكم الأمبراطور يعود إلى الحُكْم بوجه آخَر. اللاجىء من الإنقلاب، يصبح قائداً لإنقلابٍ جديد، لكنه لا يمكن أن يغفر لمَن إحتضنه عندما لجأ إليهم متخفياً، ولا لنصائح هيفا – فيروز له «تحرر، تمرد، حرية، عدالة...». حين ينجح في إنقلابه يرسل مَن يعتقل هيفا وجدّها، وكأنه يعود إلى ما كان عليه حين كان أمبراطوراً، لا هارباً أمام الإنقلابيين، وينسى كل وعوده لأهالي الدكان الذي لجأ إليه، فتغني له «طلع المنادي ينادي ما فيهاش إفادة الرعيان بوادي والقطعان بوادي».
في «المحطة»، ينسى الجميع وعودهم، لا الحاكم وحده. حملت «وردة» إليهم وعداً بمجيء القطار، وحين وصل نسوها وراءهم ولم يعطوها تذكرة سفر. لكن أملها لا ينقطع وهي تغني حين وصل القطار ورحل من دونها «إيماني ساطع يا بحر الليل.. إيماني الشمس المدى والليل». وفي «ميس الريم»، يعد الجميع بإصلاح سيارة «زينون» لكنهم نسوها حين حصل «نعمان» على عروسه. الدولة المتوقفة عن العمل كالسيارة المعطلة، تدور من حولها الوعود والتركيبات بين خلافات ومشايخ صلح. لكنها تبقى معطلة، وينسى الجميع وعودهم بالإصلاح.
في «هالة والملك»، يستفيق الملك على كذب حاشيته عليه، تزيّن له بائعة أقنعة فقيرة على أنها عروسه الأميرة. يسأل الملك هالة «شو قولك بيعمل الملك بهالناس من حواليه بيحاكمن، بيحبسن»؟ تجيبه لا «إذا حاكمن وإذا حبسن بيخلصوا وساعتها ع مين بدو يعمل ملك». ولأن الملك يجب أن يظل ملكاً، يرتضي بالكذابين من حوله والمحتالين والسماسرة، وتعود صاحبة الحق إلى فقرها وسعادتها. هي نفسها الصبية المسحورة في «جسر القمر» التي تصالح شعبين، أو أهل ضيعتين. هي المصالحة تحت شعار «صوت المعول أحلى من رنين السيف والرضى أحلى من الزعل والسلام كنز الكنوز». هي مصالحة الناس مع وطنهم وجيرانهم ليصبح الجسر بينهما «جسر الصداقة». ولعل أجمل ما كتبه في «رحيل الآلهة» أو «البعلبكية» عبارة التعلق بالأرض وبالحلم الذي رأى فيه وطنه «هون نحنا هون لوين بدنا نروح يا قلب يا مشبك بحجارة بعلبك. هون رح نبقى نسعد ونشقى نزرع السجرة وحدا الغنية».