حتى لا ننسى قبلتنا الأولى بعد ان تطوفنا بالبيت العتيق

بين مكة البلد الحرام والقدس أرض الرباط علاقة أكيدة وفريدة كونتها عبادة وعقيدة

تصغير
تكبير
|كتب عبدالله متولي|

هاهم حجاج بيت الله الحرام قد عادوا إلى ديارهم بعد أن قصدوا مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، وبعد أن عقدوا مؤتمرهم السنوي العام، عندما اجتمعوا على صعيد (عرفات) من مختلف الأجناس والألوان والألسن، تجمعهم عقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد، لمعبود واحد هو الله جل جلاله، وهدف واحد هو تلبية النداء الذي أطلقه سيدنا إبراهيم عليه السلام منذ الاف السنين، بأمر من الله سبحانه وتعالى، بعد بناء البيت الحرام حين أمره بقوله تعالى: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم...»، توافدوا لأداء مناسك الحج وهي الفريضة التي فرضها الله تعالى على عباده في العمر مرة واحدة عند الاستطاعة، كما انها تمثل الركن الخامس من أركان الإسلام.

فما الجديد في ذلك...؟ فهذا يحدث كل عام... يذهب الحجيج إلى بيت الله الحرام يؤدون مناسكهم ويعودون يحدوهم الأمل جميعا أن يكونوا من المقبولين... لكن الجديد أن مؤتمر المسلمين السنوي انعقد هذا العام والأمة مشغولة بما يحدث للمسجد الأقصى من تدمير وهدم على أيدي اليهود... فقد توالت أعمال الحفر والتخريب حول المسجد الأقصى ومن تحته حتى ظهرت تصدعات كبيرة حول محيطه، وكذلك قبة الصخرة، وقد سقطت أجزاء كبيرة من جراء الحفر في المسجدين.

فهل ذهب المسلمون إلى الحج هذا العام وعادوا كما يعودون في كل عام؟ أم انهم ذهبوا وهم مشغولون بما يحدث للأقصى من اعتداءات سافرة؟ وإذا كانوا قد انشغلوا بأمر الأقصى فهل فكروا في نصرته وإغاثته، أم ان انشغالهم بتقبيل الحجر الأسود، والدعاء والبكاء حول الكعبة، وشراء الهدايا لذويهم، واحضار أكبر قدر من المسابح وأعواد السواك لتوزيعها على الأصدقاء والمهنئين... ألهاهم عن التفكير في المسجد الأقصى وما يحدث له؟!

هل فكروا وهم يطوفون حول البيت الحرام ملبين مهللين أنهم يقفون في نقطة انطلاق رحلة الإسراء والمعراج المباركة لرسولهم صلى الله عليه وسلم، وان نقطة الوصول لهذه الرحلة وهي المسجد تئن تحت ضربات الغدر والخيانة والكذب والافتراء والتضليل؟

هل فكروا في العلاقة الأكيدة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى التي أكدها القرآن الكريم بين مكة التي تواجدوا فيها منذ أيام قلائل وبين بيت المقدس حيث ترنو القلوب والأبصار؟

يقول الله تعالى في مطلع سورة الإسراء: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير».

هذه العلاقة الفريدة التي تصورها لنا الآية الكريمة في وصف ما حول المسجد الأقصى (الذي باركنا حوله)، فهي الدائرة حول بيت المقدس مهما تتسع أقطابها تظل مباركة.

هل تذكر الحجيج أن المسجد الأقصى كان قبلة المسلمين الأولى؟ وانه - أي المسجد الأقصى - كان نقطة انطلاق رحلة المعراج إلى السماء؟ وهل تذكروا أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه سيدنا إبراهيم عليه السلام بعد بنائه للبيت الحرام بأربعين سنة، كما ورد في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه؟

ان العلاقة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى لا تحتاج إلى برهان... فهل فكر المسلمون وهم يعقدون مؤتمرهم السنوي في حل لانقاذ الأقصى السليب؟ هل اتخذوا قرارا بالتصدي لاعتداءات اليهود السافرة على الأقصى ومن حوله؟ هل عادوا من حجهم وقد عقدوا العزم على تحرير «الأقصى» من قيوده وتطهيره من دنس الصهيونية؟ هل وجد بينهم من استنهض همهم ووجد كلمتهم وجمع شملهم وجعلهم على قلب رجل واحد؟ هل عادوا وقد حققوا قول الله تعالى فيهم: «كنتم خير أمة أخرجت للناس»؟

 

في غمرة الأحداث المتلاحقة على الأمة الاسلامية والمعاناة اليومية التي تعانيها شعوبها في شتى بقاع المعمورة، ومع كثرة الجراح الغائرة والهموم الثقيلة التي تئن من حملها وتحملها خير أمة أخرجت للناس... يطفو على السطح الهم الأكبر بل والأخطر بين هموم الأمة على تباينها واختلافها... وهو قضية الأقصى المبارك «لما له من قداسة ومكانة عقدية عند المسلمين منذ ان كان القبلة الأولى لهم، فهو أولى القبلتين حيث صلى المسلمون إليه في بادئ الأمر نحو سبعة عشر شهراً قبل أن يتحولوا الى الكعبة ويتخذوها قبلتهم بعدما أنزل الله قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون) (البقرة:144).

وتوثقت مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين بحادثة الاسراء والمعراج، تلك المعجزة العقائدية التي اختص بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصاغها المولى بكلمات مجلجلة في آذان وقلوب المؤمنين الى يوم الساعة: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) (الاسراء:1).

لقد وضع الحق - تبارك وتعالى - بهذه الوثيقة الربانية مسؤولية رعاية هذا البيت وحمايته من عبث العابثين، وانحراف المنحرفين، وصارت هذه الوثيقة آية تتلى في اليوم والليلة مذكرة المسلمين بمسؤوليتهم تجاه الأقصى وما حوله فقد أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى في بيت المقدس قبل الهجرة بعام، ومن بيت المقدس صعد النبي - عليه السلام - الى السماء فكان المعراج.

وقد ربطت الرسالة المحمدية بين مكانة كل من المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة والمسجد الاقصى بالقدس المشرفة، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، متفق عليه.

كما ورد عن أبي الدرداء مرفوعاً: «الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمئة صلاة».

وهذه الأحاديث وغيرها فوق أنها تؤكد مكانة المسجد الأقصى في الاسلام، فإنها تؤصل أيضاً مسؤولية المسلمين عنه حماية ورعاية وصيانة، وأنه لا يجوز لهم شرعاً التفريط فيه، أو التهاون في حمايته واسترجاعه ممن سلبه منهم.

وعد بلفور

لقد ابتليت الأمة الاسلامية بهيمنة الاستعمار الغربي بعد سقوط الخلافة الاسلامية عام 1924 فكانت الاردن وفلسطين ومصر من نصيب المستعمر البريطاني الذي عمد الى منح اليهود وعد بلفور عام 1917 بتمكينهم من احتلال فلسطين، وقد كان لهم ما خططوا بإقامة الدولة العبرية عام 1948 على أرض المسلمين المباركة وابتلعوا القدس الشريفة.

ومنذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين والمحاولات حثيثة ودؤوبة لتدمير المسجد الأقصى وازالته واقامة الهيكل المزعوم مكانه، وهم يعملون على تحقيق ذلك بشتى الطرق والحيل والمخططات... فكان الحريق الاجرامي الشهير الذي وقع للمسجد عام 1967، وقبله وبعده العديد من الاختراقات التي قام بها متطرفون صهاينة في حماية سلطات الاحتلال، وكل عام تدعو جماعة أبناء الهيكل الى اقتحام المسجد والتمهيد لإقامة الهيكل، وربما يعد التهديد الأخطر الذي تتعرض له هذه الحفريات المستمرة تحت الاقصى بزعم البحث عن الهيكل نفسه.

هدم الأقصى

لقد انشغل المسلمون في الأونة الاخيرة بقضية الاقصى، وما يحدث له من اعتداءات وتخريب وتدمير على ايدي الصهاينة... هذه الافعال الوحشية التي لم يسبق لها مثيل من حيث التخطيط التآمري، والتزييف السافر للحقائق، والادعاءات الكاذبة والمضللة...

اثارت العديد من التساؤلات في اوساط المسلمين رصدها الدكتور راغب السرجاني، منها: هل من الممكن ان يهدم الاقصى؟ ولماذا يحدث اليهود كل هذه الضجة الاعلامية الكبيرة حول هدم الاقصى، ان كانوا بالفعل يريدون هدمه؟

وهل الوسيلة الفعالة لهدم الاقصى هي حفر الانفاق تحته، ام انه من المحتمل، ان تلقى عليه قنبلة او يقذف بدبابة؟ وما المتوقع اذا هدم الاقصى بالفعل؟

انها تساؤلات خطيرة وحرجة - كما يرى الدكتور السرجاني - ولعل الاجابة عنها تبصرنا بطبيعة المرحلة وطبيعة اليهود وكذلك بطبيعة الجيل الذي يستحق ان يحرر الاقصى.

ان هدم الاقصى عمل له اثار هائلة وضخمة، وقد تكون سلبياته على اليهود اكثر من ايجابياته، ولذلك يسير اليهود وفق هذه الخطة الخبيثة التي تهدف إلى هدمه بأقل اضرار ممكنة... فهم يحدثون هذه الضجة الاعلامية، ويتكلمون بوضوح عن انفاقهم، ويسربون إلى الجرائد الفضائيات بعض الصور، التي تؤكد وجود الانفاق بالقرب من الاقصى، كل هذا لتحقيق اهداف كثيرة لعل من اهمها هدفين:

الاول: تعويد المسلمين على مسألة هدم الاقصى، فكلما طرقت قضية هدم الاقصى مسامع المسلمين تعودوا عليها، وصارت الكلمة مألوفة وغير مستهجنة، فاذا حدث الهدم الحقيقي للاقصى لم يحرك ذلك المسلمين بالصورة المطلوبة.

الثاني: قياس رد فعل المسلمين عند اثارة القضية، فاليهود يخشون من ردة فعل المسلمين، التي من الممكن ان تطيح بالوجود اليهودي في القدس، بل وفي فلسطين، ولذلك فهم يسربون هذه الانباء المتدرجة إلى وسائل الاعلام، ويقيسون ردود الافعال الاسلامية في فلسطين والعالم العربي والاسلامي، بل والعالم اجمع، فإن شعر اليهود ان الامر سيكون خارج السيطرة اجلوا الهدم، وان رد الفعل لن يكون خطيرا قاموا بهدمه وهم آمنون.

ولذلك فإن المسلمين جميعا مطالبون باظهار رد فعل قوي وبارز، بل ومبالغ فيه، حتى يرهب اليهود ويردعهم.

الهيكل المزعوم

لكن السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين: ولماذا يريد اليهود هدم الاقصى تحديدا؟ ولماذا يهيجون عليهم امة الاسلام؟

ويجيب الدكتور راغب السرجاني عن هذا التساؤل قائلا: ان الحجة المعلنة للعالم انهم يبحثون عن هيكلهم تحت المسجد الاقصى، وانشغل العالم اجمع والمسلمون بتوقع مكان الهيكل، وهل هو موجود فعلا تحت المسجد الاقصى، ام انه موجود تحت مسجد قبة الصخرة، ام انه على جبل الهيكل، ام غير ذلك في الاماكن التي يطرحها الباحثون والمحللون؟

لكن السرجاني في تحليله لهذه القضية له رأي آخر فيقول: وواقع الامر - الذي اقتنع به تماما - هو انه ليس هناك هيكل من الاساس!! فليس هناك اي دليل علمي يثبت وجود هذه الاسطورة اليهودية، وليست التوراة المحرفة بدليل، فاليهود يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، كما انه من المعلوم ان الاقصى قديم جدا، وانه بُني بعد الكعبة بأربعين سنة، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابي ذر الغفاري انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: اي مسجد وضع في الارض اول؟ قال: «المسجد الحرام»، قال ثم اي؟ قال: «المسجد الاقصى». قال: كم بينهما؟ قال: «اربعون سنة».

راية الجيوش

ونعود للسؤال: لماذا يريد اليهود هدم الاقصى. اذا كانوا يعلمون في حقيقة الامر انه لا وجود للهيكل. لافي هذا المكان ولا في غيره؟!

- الواقع ان اليهود يعلمون ان الاقصى بالنسبة للمسلمين كالراية في الجيوش تعطى لاشجع الشجعان، واستمرار ارتفاع الراية فيه تحميس وتشجيع للجيش كله اما سقوط الراية فهو يهز الجيش كله، وليست القضية سقوط جندي من الجنود له بدائل كثيرة في الجيش، انما القضية قضية رمز كبير وقع، فلو سقط الاقصى يتوقع اليهود ان تنهار معنويات المسلمين، ومن ثم يمكن ان تسقط كل مقاومة

في فلسطين، بل وتسقط

مقاومة المسلمين للمشروع الصهيوني في كل انحاء العالم الاسلامي، ولا ننسى ان اختلال المسجد الاقصى في بداية الحروب الصليبية ادى إلى

انهيار معنويات المسلمين لعشرات السنين، وهذا ما يتوقعه اليهود ويسعون الى تحقيقه الآن.

ان تقاعس المسلمين في اواخر القرن الخامس الهجري ادى الى اصابتهم في سويداء قلوبهم، فسقط الاقصى في براثن الصليبيين، وتحول إلى اسطبل للخيول، ثم إلى مخزن للغلال، وظل في هذا الاسر اكثر من تسعين سنة متصلة.

ان الامة الاسلامية مدعوة اليوم لأن تهب لمناصرة الاقصى وحمايته من التدنيس والتدمير والعدوان المستمر، ان الامة مدعوة لان تقدم اليوم من يفتح او يحرر القدس المشرفة ويستعيد الاقصى السليب.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي