pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

عبّر عن الرغبة بالمساعدة على تقوية قطاعيْ التعليم العالي والصحة في الكويت «صَدانا الأول»

فضلو خوري لـ «الراي»: «الأميركية» راسخة في بيروت... لكننا نخطّط لإقامة «توأمات» لها في العالم العربي

فضلو خوري
فضلو خوري

- لبنان سينجو لكن استقراره يرتبط بقيام اقتصاد مستدام وإلغاء النظام الطائفي وتكريس الانفتاح على عالمه العربي
- أخطر ما نواجهه اليوم هجرة أدمغتنا إلى غربةٍ دائمة ودَوْرُنا إبقاء شعلة الأمل متّقدة وعدم الاستسلام
- سنمضي بتأمين فرص التعليم للطلبة من جميع الفئات والبلدان، وفي العمل أكثر على الدراسات العلمية الإبداعية
- لبنان أهدر فرصاً بأن يستمر جامعة ومستشفى الشرق... وعليه أن يدرك أنه لم يعد وحده في موقع متقدّم كما كان قبل 50 عاماً
- لا أحد من المسؤولين استمع إلى صرخة الشباب اللبناني ولم ينجح المنتفضون في إيصال رسالة واضحة
- الطلبة الـ400 الذين تركوا «الأميركية» تركوا لبنان أيضاً... هجّرهم فقدانُ الأمل
- مواجهة التحديات تتجاوز قدرة الجامعة ورابطة الجامعات... نحتاج لأصدقاء الشعب اللبناني وليس بالضرورة أصدقاء النظام
- جامعتنا أنجزتْ 54 في المئة من الدراسات العلمية في لبنان حول «كورونا»
- في عالَم ما بعد «كورونا» ينبغي تعزيز المراكز الصحية – الاجتماعية ووضْع ضوابط لـ«التعليم عن بُعد» تَجَنُّباً للفوضى
- الانهيار المالي في لبنان كان وقْعُه قاسياً علينا... فرواتب الأساتذة والموظفين خسرت 85 في المئة من قيمتها
- نعمل على مشروع استثمار لكل أهل الجامعة لتأمين ما بين 15 و25 في المئة من الرواتب بالدولار الطازج
- الحملات المتوالية على الجامعة هدفها تحجيمها كمشروع تعليم أميركي عالي المستوى
- المتفوّقون العرب من الطلبة يهاجرون وغالبيتهم لا يعودون لحرمانهم فرص إثبات ريادتهم في أوطانهم

تَرَكَ الجامعةَ خرّيجاً وعادَ إليها رئيساً. دَرَسَ على مقاعدها إبان الحرب ويرعاها الآن في زمنٍ أدهى. أَدْرَكَ معنى أن يكون حارساً لإرثٍ زهّر على مدى 155 عاماً، فأطلق خططاً طموحةً تليقُ بالمستقبل.

إنه الدكتور فضلو خوري، ابنُ الجامعة الأميركية أباً عن جَدّ ورئيسُها السادس عشر وأول لبناني يؤتمن على إدارتها ويقود مشوارَها لولايتيْن متتاليتيْن (عشر سنوات) ويُبْحِرُ بها بِعِنادٍ في محيطها الهائج.

لم تمرّ على الجامعة الأميركية في بيروت أيام أكثر قسْوة.

فرغم ما مرّ عليها على مدار عمرها المديد من حروبٍ وأزمات، تجد نفسَها اليوم أمام «تحدّ وجودي» تُكافِحُ لعبوره من دون أن تَرْفَعَ الرايةَ البيضاء.

فالجامعةُ التي تَكَوْكَبَتْ بيروت التاريخية حَوْلَها وكانت قبل لبنان الكبير وساهمتْ بولادته، لن تغادره بعدما غَدَرَ به الزمن، وتُعانِدُ لخلاصهما معاً.

فمن الصعب تَصَوُّر لبنان بلا «الأميركية» وتَصَوُّر «الأميركية» خارج لبنان.

في هذه اللحظة التي تشبه المنعطفات الخطِرة، وضعتْ «الراي» على الطاولة شؤونَ لبنان والجامعة وشجونهما في حوارٍ مع رئيس «الأميركية» في بيروت الدكتور فضلو خوري، وفي ما يأتي نصه:

• نشرنا في جريدة «الراي» في 13 فبراير تقريراً من بيروت، بالتزامن مع الذكرى 46 لحرب الـ15 عاماً، عنوانه «لبنان نجا من البوسطة فهل يفلت من التايتانيك؟»... بماذا يجيب الدكتور فضلو خوري، الذي عاش الحربَ يوم كان طالباً ويعايش الآن ربما الأزمة الأسوأ، وهو على رأس أكبر الصروح العلمية وأكثرها عراقة في لبنان والمنطقة؟

- أعتقد أن لبنان سينجو من التايتانيك، من كارثة انفجار المرفأ والكوارث الأخرى، لكن ينبغي أن يؤول الوضع إلى تغيير جذري لم يحصل في أعقاب الحرب للأسف.

فالإصلاحات التي كان يفترض إجراؤها في ضوء اتفاق الطائف لم ترَ النور ولم يُبْنَ اقتصاد مستدام، والمسؤولية هنا لا تقتصر على السياسيين، بل على قطاعات الأعمال والمصارف وسواهما.

لذا حان الوقت لترسيخ الأسس الحضارية للبنان المنفتح وإلغاء النظام الطائفي – الزعماتي الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه الآن.

الحرب كانت خطراً مباشراً على حياة الناس، أما أزمات اليوم فهي تشكل خطراً على الاستقرار الاجتماعي والنفسي وعلى آمال الناس وأحلامهم ومستقبلهم، وخصوصاً أن لبنان لم يفْقد خلال الحرب صداقاته مع الدول، ولا سيما الكويت والسعودية وأميركا وفرنسا، على عكس ما هو سائد اليوم.

ورغم حرص هذه الدول على الشعب اللبناني والتضامن معه فهي لن تساعدنا إلا إذا أقرّت القوى السياسية وزعاماتها الإصلاحات التي لم يَعُدْ من مفرّ منها.

• رغم إيمانكم بأن لبنان سينهض من جديد، تتوالى التحذيرات في الداخل ومن الخارج من خطر زوال هذا الـ«لبنان».

هل تعتقدون أن القلق هو على لبنان، الكيان أو النظام أو المكانة أو الدور أو الهوية، وخصوصاً أن «البيت بمنازل كثيرة» يتحوّل بيتاً برؤوس كثيرة وأجندات أكثر؟

- غالباً ما كان لبنان متلازماً مع الأمل، حتى إبان الأزمات الماضية وما رافقها من هجرات إلى الخارج. المشكلة الآن تكمن في تضاؤل الأمل لدى الناس.

ما نشهده حالياً من هجرةٍ للأدمغة مُشابِهٌ لهجرةِ تلك الأدمغة إبان الحرب، لكن المفارقةَ المؤلمةَ هي أن غالبية مَن هاجر في الماضي كان يحنّ للعودة إلى وطنه على عكس ما نشعر به اليوم مع المغادرين الذين لا يرغبون في العودة أو حتى التذكّر. وهذا يعني أننا أمام خطرٍ أدهى يهدّدُ الذاكرةَ اللبنانية، ما يدفعنا تالياً لإبقاء شعلة الأمل متقدة وتبديد حال الغموض التي تكتنف مصيرَ اللبنانيين ومقاومة نزْعة هدم لبنان الإبداع والانفتاح، ومعاودة التأكيد دائماً أن لبنان جزء من العالم العربي.

• ثمة انطباع أن الجامعة الأميركية في بيروت التي مرّت عليها الحرب العالمية الأولى والثانية ولم تَسقط «شهيدة» وهي الشاهدة على الحُكْم العثماني والانتداب الفرنسي والعدوان الإسرائيلي والوجود الفلسطيني وحرب الـ15 عاماً والوصاية السورية، تواجه الآن ما اعتيد على وصفه بـ«التحدي الوجودي»، لماذا؟

- تواجه الجامعة تحدياً وجودياً لأن دورَها يتجاوز التحصيلَ العلمي، ولأنها وُجدت من أجل جمْع الناس ومساعدتهم على الانفتاح والابتعاد عن الكراهية والخوف من الآخَر. ما يحدث الآن في لبنان أن الزعماء الذين ينتحلون صفةَ الدفاع عن الطوائف، يعتمدون خطاباً تحريضياً ضد الغير، أما نحن فرسالتنا علمية منفتحة تحضّ على الحوار والاعتراف بالآخَر، وهو ما مكّننا من جذْب طلبة من 96 دولة في الوقت الذي اقتصر جهد هارفرد، على سبيل المثال، على جمع طلبة من 85 دولة.

السؤال الوجودي الذي يواجهنا هو هل سنضطر في ظلّ انهيارِ الاقتصاد اللبناني إلى تعليم مَن في إمكانهم الدفع بالدولار فقط، وأن تقتصرَ أبحاثُنا العلمية على تلك التي يتم تمويلها بمنْح؟... جوابنا الآن لا. نحن سنمضي في تأمين الفرص للطلبة من جميع فئات المجتمع ومن جميع البلدان، وفي العمل على الدراسات العلمية التي يمكن ان نُبْدِعَ فيها، لا أن يقتصر اهتمامُنا على الدراسات غير المُكْلِفة أو التي تتأمّن مِنَحٌ لها.

• الجامعة الأميركية في بيروت (1866) سابقة لولادة لبنان الكبير (1920) وكانت بمثابة مدماك في تأسيس هويته الحضارية ومكانته في المنطقة، وتالياً عندما يقال إن لبنان خسر خاصيته كـ«جامعة ومستشفى» للعرب هل في الأمر إقرار بـ«تَجَرُّع» هذا الواقع؟

- لبنان أهدر فرصاً لأن يكون ويستمرّ كجامعة ومستشفى الشرق، لكن أعتقد أنه لم يخسر هذه الخاصية نهائياً.

المؤسف أنه بعد الحرب اقتصر التركيز في ميدان الأبحاث العلمية على الجامعة الأميركية وبنسبةٍ أقلّ على الجامعة اليسوعية وربما الجامعة اللبنانية.

ولم يكن الاهتمام كافياً، على عكس ما كان عليه الأمر قبل الحرب.

لكن الطب استعاد مستواه بدليل أنه في العام 2016، أي بعد 25 عاماً على انتهاء الحرب، بيّنتْ الدراساتُ أن معدّل طول العمر عند اللبنانيين أصبح يوازي ما هو عليه في أميركا، ما يؤكد أن الدراسات في الطب والصحة كانت على مستوى عالٍ جداً.

الخطر ليس حصراً على الجامعات، بل هو يحوم فوق المدارس على نحو يشغل البال بسبب تَراجُع المستوى، وتضاؤل اهتمام الحكومات التي تَعاقَبَتْ بعد الحرب بالهوية اللبنانية للتعليم والدراسة.

فالنجاح في الشهادات أصبح تلقائياً إلى حدّ بعيد، وجرى تشريع جامعات أقرب ما تكون إلى «دكاكين» ما ينمّ عن التعاطي مع التعليم بـ«سخرية وقلة احترام وقلة مسؤولية».

لذا، ينبغي التركيز على التعليم في المدارس أولاً قبل الجامعة التي يفترض أيضاً تحسين مستواها وإعادة الاعتبار للشهادة.

ولا بد من العمل على استرداد الأطباء والممرّضين والممرّضات الذين هاجروا بسبب الأحوال الاقتصادية والسياسية والأمنية، وبذلك يستردّ لبنان مَوْقِعَه كمركزٍ مهمّ للعلم والطب في المنطقة، خصوصاً أنه لم يَعُد وحده في موقع متقدم كما كان قبل نحو 50 عاماً.

فالتعليم في هذه الميادين أصبح متقدّماً أكثر في عدد من الدول العربية في الوقت الذي كان لبنان يمعن في تضييع الفرص.

• انضمامُ لبنان إلى الدول المأزومة في المنطقة التي تنام على شيء وتستيقظ على شيء آخَر، لا بد من أن يفرض تحدياتٍ جديدةً أمام الجامعة الأميركية في ضوء تجربتها التاريخية التي أثّرتْ وتَأثّرت بما هو عليه العالم العربي.

هل يمكن استشراف هذا النوع من التحديات الجديدة؟

- ينبغي أن نكون أكثر ريادية في ضوء التحديات المتعاظمة في المنطقة كارتفاع منسوب التطرف وانفلاشه وتَزايُد حالات الفقر في العالم العربي وتَراجُع مستوى التضامن بين دوله وانكفاء الشعور بالحاجة إلى التكاتف بينها، في الوقت الذي تحتاج بعض الدول العربية إلى عناية فائقة لما تعانيه من أوضاع صعبة كاليمن ولبنان وسورية والعراق.

والأكثر إيلاماً في هذا الواقع هو هذا الالتقاء بين التشرذم والفقر، لأنه يحرم العالم العربي من مجاراة الركب الحضاري ويؤدي إلى فقدان الأمل بمستقبل أفضل.

دورنا في الجامعة ليس الكلام عن الأمل وأهميته، بل تقديم البرهان على وجود أمل فعلي بمستقبل أفضل، وإلا لَما كان شعارنا «ليكن لهم حياة أفضل».

وهذا ما نعمل على ترجمته، فنحن لا نخرّج طلاباً متفوّقين وندفْع بهم إلى سوق العمل فحسب، إنما نعمل على إتاحة الفرصة أمام الأجيال الصاعدة لتكون مشروعاً واعداً برسم المستقبل، نضع يدنا بيد الخريجين ونسعى لمساعدتهم على تأمين فرص العمل ليكونوا رواداً للعالم العربي عبر مفاهيم مشتركة من شأنها الحدّ من كل أشكال التطرف والتخلف والفقر.

• أطلقتم أكثر من نداء وتَحَرُّك للحض على سماع صوت الشباب اللبناني المُنْتَفِض في ما بات يُعرف بـ«ثورة 17 تشرين»... لماذا خَفَتَ، في تقديركم هذا الصوت؟ هل هو «كورونا» أم الإحباط أم أنه الغضب خلْف أسوار البيوت؟

- عندما أطلقنا النداء - الصرخة والتقينا كبار المسؤولين وتوجّهْنا إلى المجتمع السياسي، أردْنا تذكير الجميع بأن الجامعتين الأميركية واليسوعية ساهمتا في تأسيس لبنان الكبير، بعلْمنا وريادتنا وطلابنا وقِيَمِنا... أطلقنا صرخةً صريحة ووجدانية، طالبْنا بالاستماع إلى الشباب والشابات وحمايتهم.

وفي الحقيقة أن أحداً لم يستمع إليهم، ولا أدري إذا كان الثوار نجحوا في إيصال رسالتهم على نحو واضح. فبمعزل عن أنهم شكّلوا بارقةَ أملٍ، فإن مطلبهم كان تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة، فاستجابت المنظومة السياسية بتقديمها حكومة تكنوقراط، لكن لم تكن مستقلّة وأعتقد أنها كانت عاجزة، حاولتْ القيام بإصلاح مالي وفشلت مما زاد من مستوى الإحباط لدى اللبنانيين.

بين هذا الواقع السياسي و«كورونا» وإلزام اللبنانيين بالبقاء في منازلهم بسبب الجائحة خَفَتَ صوتُ الشباب، ثم جاء انفجار 4 أغسطس في مرفأ بيروت ليرفع منسوب اليأس الذي دبّ في المجتمع اللبناني عموماً لا في أوساط الحركة الاحتجاجية فقط. فلم يكن أحد يتصور أن انفجاراً بهذا الحجم سيحدث في بيروت في القرن الواحد والعشرين، وهو الذي تسبب بخراب 300 ألف منزل وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وجرْح نحو 7000 آخَرين.

وبَدَلَ أن يولّد فشلُ الدولة والحكومة في معالجة هذا الملف غضباً، أقلّه مُشابِهاً لِما حدث في أعقاب حرائق 2019، فإنه سبّب يأساً وهجرةً واستسلاماً، وهذا أمرٌ غير مقبول لأن من غير الجائز أن يتخلى المرء عن حلمه ومستقبله وعن بلده.

ورغم أن مَن يهاجر «عذره معه»، فإنني على يقين أن لبنان سيصحو من جديد وسينفض عنه الغبار ويعاد بناؤه على نحو يعطي أملاً وفخراً.

• كنتم تخططون لرفع مستوى اجتذاب الطلاب العرب والأجانب إلى معدّل 30 في المئة بعدما كان قبل الحرب نحو 55 في المئة، مع ما تعنيه هذه الأرقام من حيوية في المساهمة بتشكيل جيل جديد أكثر كفاية علمياً وفكرياً، فإذ بالنتيجة تأتي مُعاكِسَةً عبر مغادرة نحو 400 طالب غير لبناني الجامعة... كيف ستقاربون هذا الملف الحيوي؟

- الجامعة الأميركية هي في بيروت ولبيروت.

وتالياً، فإن انهيار الأوضاع في لبنان ومعها الأمل، ولا سيما بعد 4 أغسطس وفشل الدولة في فعل أي شيء واقتصار الجهود التي بُذلت على أهل الجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، كَشَفَ عن حجم الأزمة العميقة التي تعانيها البلاد.

والطلاب الـ400 الذين تركوا الجامعة الأميركية هم لبنانيون وليسوا أجانب.

الطلاب الآتون من خارج لبنان تابعوا دراستهم حيث هم عبر الـ«أون لاين».

وتالياً ألا يكمل 400 طالب لبناني دراستهم يؤشر إلى فقدانهم الأمل بوطنهم، وخصوصاً إذا تبيّن أنهم تركوا لبنان وليس الجامعة فحسب، وهو الأمر الذي لا يمكننا التسليم به.

وبمعزل عن هذه الظاهرة المعروفة الأسباب، كنا ننتظر تَراجُع عدد الطلاب نتيجة الأوضاع المستجدة بفعل جائحة كورونا، أسوةً بما يحصل في دول العالم وجامعاتها، حيث يفضّل البعض انتظارَ سنةٍ أملاً بعيش حياة جامعية طبيعية.

وما لم نكن نتوقّعه هو تَعاظُم هجرة اللبنانيين بمَن فيهم الطلاب جراء اليأس، ولذا الأمر يتجاوز قدرتَنا كجامعة أو رابطة جامعات.

نحن نحتاج أصدقاء الشعب اللبناني، وليس بالضرورة أصدقاء النظام، للوقوف إلى جانبنا لإعادة الاعتبار لـ «الأمل» عبر المساعدات أو تأمين فرص العمل لطلابنا المميّزين.

ويهمّني أن ألفت إلى أنه رغم المصائب التي نواجهها، فنحن الجامعة الوحيدة في لبنان التي يشكل الطلاب غير اللبنانيين فيها نسبة تراوح بين 20 و25 في المئة.

• رغم أن الجامعة الأميركية في بيروت احتلت الرقم 50 في سجلّ الجامعات الأهمّ في العالم، ثمة انطباع بأن تعاطيها مع جائحة «كورونا» جاء باهتاً، إذ بدت متلقّيةً أكثر مما هي مُبادِرة... ما الذي يحول دون لعبها دوراً كجامعاتٍ ومراكز علمية أخرى في العالم انخرطتْ في أبحاث عن اللقاح أو الدواء لهذا الفيروس الماكر الذي غزا الكوكب؟

- أعتقد أن هذا الانطباع خاطئ.

فنحو 54 في المئة من الدراسات العلمية التي أُنجزت حول «كورونا» في لبنان صدرت عن الجامعة الأميركية التي حلّت الأولى في اقتباس الآخَرين عن دراساتها، وفي المرتبة الرابعة بين جامعات العالم العربي من حيث الدراسات في شأن الجائحة رغم أن جامعات عربية كثيرة تملك إمكانات مالية أكبر.

ونحن في طليعة المستشفيات في عملية التلقيح، ونعمل مع وزارة الصحة لضمان تلقيح أكبر نسبة من اللبنانيين، وهو ما كنا أعلناه في مؤتمر صحافي بحضور الوزير حمد حسن، إذ ينبغي تلقيح 80 في المئة من سكان لبنان قبل نهاية السنة الجارية، وتالياً فإن الجامعة تلعب دوراً أساسياً في هذا المجال من دون أن ننسى أن المستشار الصحي الأهم للوزير حسن أستاذ في جامعتنا، ورئيس اللجنة الوطنية للتلقيح أستاذ في جامعتنا أيضاً.

وفي 16 أبريل الجاري قادت الجامعة ائتلافاً يضم أربعة مراكز طبية جامعية في بيروت في توقيع اتفاق مع وزارة الصحة العامة، بحضور ممثل شركة فايزر، للحصول على 320 ألف جرعة لقاح كوفيد-19 ستُعطى للطلاب وأعضاء هيئة التعليم وموظفي الجامعات ومراكزها الطبية.

ويعني هذا الاتفاق أن الحياة الأكاديمية مع تواجد الأفراد في حرم الجامعة الأميركية في بيروت هي في طريقها إلى الاستئناف في بداية فصل الخريف 2021.

• كون الجامعة الأميركية تُمْسِكُ المَجْدَ من طرفيْه (الطب والتعليم) أيّ عالَمٍ سنكون عليه بعد «كورونا»؟ في الأنظمة الصحية التي أظهرت هشاشة؟ وفي التحصيل الأكاديمي الذي بدا وكأنه أمام مغامرةٍ في التعليم عن بُعد؟

- ما من تجربة في الحياة إلا ويجب التعلم منها... بالنسبة إلى «كورونا»، تأكد بوضوح أهمية وجود شبكات صحية - اجتماعية وعدم اقتصار الاهتمام على المستشفيات ومستواها.

الولايات المتحدة تملك أفضل نظام طبي تخصّصي في العالم، لكنها تفتقر إلى مثل هذه الشبكات، ما يجعل المواطنين في أسوج وألمانيا واليابان وربما في فرنسا يعيشيون حياةً أطول.

وكذلك هو الأمر في لبنان الذي اهتمّ كثيراً بنظام المستشفيات وبمستوى أقلّ بالمراكز الصحية - الاجتماعية ما شكل نقطة ضعف.

لذا، لا بد من إعادة النظر بالنظام الصحي بعد أن تهدأ الأوضاع في البلاد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدول العربية ناهيك عن الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وسائر الدول التي «أركعها» كورونا حين وجدتْ نفسها في لحظةٍ ما أمام تحدي تأمين أسرّة في غرفة عناية وأجهزة تنفّس، وهو ما أظهر تفككاً في النظام الصحي الذي ينبغي تعزيز العام منه وربْطه بالخاص.

وها نحن نعمل بجدّ مع مستشفى رفيق الحريري الجامعي (عام).

أما بالنسبة إلى التعليم عن بُعد، فهو بلا شك له دور، لكن لا يمكن أن يكون بديلاً عن التعليم وجهاً لوجه في إطار العلاقة التفاعلية بين الأستاذ وطلابه والقائمة على الأخذ والردّ... في تقديري يجب الحفاظ على هذا الجانب من التعليم بأسلوبه المعتمَد منذ الآف السنين وإجراء تعديلات على نواحٍ منه تتيح وضْع بعض المواد «أون لاين» لتصبح في متناول الطلاب عن بُعد، وتالياً فإنه لا بد من وضع ضوابط لـ«التعليم عن بُعْد» لأن ترْكه على هواه سيتيح لـ«الدكاكين» إغراق التعليم بالفوضى.

• الثابت والأكيد أن التحدي الأهم والأخطر الذي باغَتَ جامعتَكم هو العامل المالي الذي اضطُر الإدارةَ للجوء إلى إجراءات تقشفية تطيل أمد المرحلة الانتقالية... إذا أردنا إجراء «جردة حساب» مع الواقع المالي فماذا يمكن القول؟

- التحدي المالي بدأتْ مؤشراتُه بالنسبة إلينا قبل نحو ثلاثة أعوام حين بدأنا نلاحظ منذ أواخر العام 2018 ازدياد نسبة طلب المساعدات المالية من طلابنا، وتكوّنتْ لدينا دلائل تشي ببداية انهيارٍ للنظام المالي – الاقتصادي في لبنان، إذ إن تقديم 80 في المئة من طلاب الطب طلب مساعدات مالية كان أمراً غير مسبوق في وقتٍ تراجعتْ فرص العمل.

ثم ظهر الانهيار على نحو أكثر وضوحاً في صيف الـ2019 مع مغادرة رساميل كبار المستثمرين والنافذين إلى الخارج، وبعدها جاء «كورونا» وانهارت الليرة وتعرّضتْ قطاعاتٌ برمّتها لانتكاسة حقيقية (المطاعم، الفنادق المحال التجارية وسواهما).

وقْعُ هذا الانهيار كان قاسياً علينا. تَراجَعَ مدخولُنا في شكلٍ دراماتيكي (المستشفى، العيادات، الأقساط). الأساتذة والموظفون خسروا نحو 85 في المئة من قيمة رواتبهم، ولم يكن عادياً أن يصف البنك الدولي ما يحدث في لبنان بأنه «انهيار متعمّد».

لذا اعتمدنا خطةً تقشف قاسية قابلتْها زيادة المساعدات للطلاب وكذلك للأساتذة والموظفين.

العام الماضي سعينا إلى احتواء ما أمكن من تداعيات هذا الواقع المستجد عبر إعطاء الأساتذة بين 15 ألف و20 ألف دولار في السنة. ونعمل الآن على مشروع استثمار لكل أهل الجامعة بغية تأمين ما بين 15 و25 في المئة من رواتبهم بالدولار الطازج بدءاً من يوليو وسبتمبر، علماً أننا بادرنا في الأول من هذا الشهر إلى إعطاء الموظفين 35 في المئة من رواتبهم بالدولار المحلي.

لماذا كل هذا الجهد لإنصاف الأساتذة والموظفين؟... لأنه وبصراحة لدينا نخبة العمال والموظفين والأساتذة في لبنان والشرق الأوسط ومن غير الجائز خسارتهم.

لذا نحاول وبكل تصميمٍ تقديم ما يمكن لمساعدة مَن اختار البقاء في الجامعة وفي لبنان.

أما الذين يختارون مغادرتنا لاعتقادهم أن مستقبلهم أكثر أماناً في الخارج أو لأسباب مادية أو لأنهم غير قادرين على تحمل الأوضاع، فهم أحرار. ونحن لا نحاسب أحداً.

• هل من خريطة طريق واضحة لضمان استمرارية الجامعة أولاً وللحفاظ على مستواها الأكاديمي، وعلى الأداء الريادي للمركز الطبي ووقف نزيف الهجرة للأطباء والأساتذة؟

- من الطبيعي وجود خريطة طريق وهي تنطوي على مجموعة قرارات علينا اتخاذها خلال هذه السنة، وبينها الوقوف إلى جانب الأساتذة والموظفين الأوفياء للجامعة والذين قرروا البقاء، وذلك عبر تأمين مصادر تمويل من الخارج لضمان مستقبلهم وتعليم أولادهم وتوفير الرعاية الصحية لهم.

وهذا يستلزم حصولنا على منح تعليمية ودراسات علمية أكثر، وعلى مساعدات إضافية من الدول التي تعوّدنا وقوفها إلى جانب الجامعة كالولايات المتحدة التي زادت المساعدات ضعفين ونصف ضعف، أي من 12 مليون ونصف المليون دولار إلى نحو 30 مليون ونصف المليون دولار، أما الحكومة اللبنانية فعاجزة عن دفْع ما عليها ولا تقدّم أي مساعدة.

نحن لسنا جامعة فقط للبنان، نحن أعظم جامعة أميركية خارج الولايات المتحدة، ودورنا يشمل العوالم العربية والأفريقية والأوروبية وعلينا تالياً أن نجذب النخبةَ من الأساتذة ونوفّر الفرصَ للطلاب وربما العمل أيضاً على الإتيان بالمرضى إلى مستشفانا.

وما من مانع، إذا احتاج الأمر، القيام بمشاريع تعليم خارج لبنان. وفتْح مؤسسات على شكل توأمة مع الجامعة الأميركية فتكون مرآة لها في العالم العربي وفي أفريقيا وأوروبا. ما يهمنا هو غنى التنوع الذي شكّل السمةَ الأساسية في تجربة «الأميركية».

فإذا كان الإبقاء على القدرة على الانفتاح سيجبرنا على التطلع إلى خارج لبنان، لن نتردّد لأن من شأن ذلك مساعدة الجامعة ومساعدة لبنان، لكن ستبقى جامعتنا وقبل أي شيء آخر راسخةً في بيروت.

لدينا الطاقة والسمعة التي استحققناها على مدى 155 عاماً، ما قد يدفعنا إلى إقامة مشاريع طبية وصحية وتعليمية وهنْدسية مع جامعات أخرى ودول أخرى وهذا توجه طموح لم نستطع تحقيقه من قبل لكنني على ثقة أننا سننجح في تحقيقه مستقبلاً.

• من المؤشرات الإيجابية هو أن 90 في المئة من الطلاب عاودوا التسجيل للسنة المقبلة وأن موازنة المساعدات المالية للطلاب ارتفعت من 40 مليون دولار إلى 90 مليوناً... هل من حوار مع مجموعة الطلاب التي ما زالت منخرطة في دعاوى قضائية في شأن الأقساط؟

- الحوار قائم وسبق أن قلتُ لهم إن اللجوء إلى المحاكم يعني أن الكلام سيصبح بين محامي الجامعة ومحاميكم، لذا دعونا نتحاور معاً، وهم في حقيقة الأمر قلة صغيرة لا تشكل 1 في المئة من عدد طلابنا، لكن ورغم ذلك فإنهم من طلابنا ونفتخر بهم، والجامعة على استعداد دائم للاستماع إليهم... وإذا لم يقتنعوا ما من مشكلة في عدم الاتفاق.

في نهاية المطاف شهادتنا درجة أولى وعلى الطالب أن يستحقّها، ورغم أننا نتفهّم روح الثورة ومناخها الرحب في الجامعة، إلا أن هذا الأمر لا ينفي أن ثمة جهات تستغلّ بعض الطلاب لأجندات سياسية.

• رغم حال الطوارئ التي تعيشها إدارة «الأميركية» لإمرار هذه المرحلة الخطرة، فإنها ما زالت عرضةً لحملاتٍ إعلامية وذات طبيعة سياسية أحياناً، ما القصد من ذلك؟... تهشيل الجامعة من بيروت أو ترويضها؟ ولماذا؟

- أعتقد أن تَمادي الحملات وتَواليها الهدف منه تحجيم الجامعة. لم تكن الجامعة يوماً في منأى عن حملات النقد التي تنطوي على جانب إيجابي كون «الأميركية» في الصدارة وتتمتع بمستوى عالٍ وتالياً تُحاسَب، وهذا الأمر مدعاة للفخر وعلينا أن نكون عرضةً للمحاسبة في حال ارتكاب أخطاء لأن «غلطة الشاطر بألف» ولأنّ «جل مَن لا يخطئ».

أما ما يجري من حملات اليوم، فأظن أنه وليد أجندة سياسية هدفها تحجيم الجامعة. وربما يعود السبب لأنها أهمّ جامعة أميركية، وتالياً فإن الاستهداف لا يطالني شخصياً بقدر ما هو يستهدف مشروعَ تعليمٍ عالٍ أميركياً مهماً.

وربما يظنون أنه بهذا الأسلوب يمكنهم الحد من قدرة أميركا على استقطاب روح اللبنانيين والعرب، وهذا تقدير خاطئ لأن أبواب الجامعة مفتوحة للجميع مهما كانت مشاربهم السياسية، ولأننا لا نخضع لتوجهات السياسة الأميركية.

• الجامعة الأميركية «التاريخية» حاضرة في وجدان المجتمعات العربية انطلاقاً من دور «مَقاعدها» في تخريج النخب والقيادات في ميدان العلم والثقافة.

ما الدور الذي تأمله الجامعة من هذه المجتمعات لمؤازرتها على التغلّب على محنتها؟

- عندما أزور الكويت، السعودية، الإمارات، مصر، الأردن، العراق، المغرب، السودان وسواها من دول عربية لا أذهب بهدف جمع مساعدات للجامعة، بل لأذكّر نخب هذه المجتمعات بدور الجامعة الرائد وأهمية مؤازرتها في هذه المحنة التي بدأتْ قبل «الربيع العربي» ولن تكون قصيرة بطبيعة الحال.

ثمة مَن لم ينتبه إلى أنه قبل «الربيع العربي» كنا أمام ظاهرة مقلقة تمثّلت بهجرة المتفوّقين من العالم العربي وسط نسبة ضئيلة لاحتمال عودتهم.

دعكَ من الكويت والإمارات والسعودية، فإن مَن يعود من المتفوّقين العرب إلى بلادهم لا تتجاوز نسبتُهم 5 في المئة، في حين تسجّل هذه النسبة بين الأفارقة 10 في المئة.

سبب هذه الظاهرة يعود إلى أن المتفوّقين غالباً ما تتاح لهم في الخارج فرصة إثبات ريادتهم في تلك المجتمعات. فالمتفوّق، إن في العمل أو في الوطن، شغوف بتحقيق ريادته، وهو الأمر الذي غالباً ما يُحرم منه في بلده... ولذا علينا في العالم العربي أن نوفّر مناخاً ملائماً يلبّي طموحَهم الريادي، ولا سيما على المستوى الفكري.

• ثمة علاقة مميّزة للجامعة ورئاستها مع دولة الكويت التي لم تنقطعوا عن زيارتها، فهل من رسالة ما... في الزمن الصعب؟

- إذا كان من دولةٍ في العالم لنا «صدى» فيها فهي الكويت، من أول طبيب كويتي إلى الصناعيين والمفكّرين وشخصيات الشأن العام.

فالجامعة الأميركية قريبة من الشعب الكويتي وسبق أن زرتُ الكويت قبل «كورونا» مرة واحدة كل سنة على الأقل. ونتمنى أن تتاح لنا فرصة للمساعدة في تقوية قطاعيْ التعليم العالي والصحي بالشراكة مع الإخوة الكويتيين والحكومة الكويتية.

نفهم تحفّظ الكويت وجميع الدول العربية حيال التعامل مع السياسيين اللبنانيين، لكن نحن لسنا جزءاً منهم، نحن شيء آخر أكبر. نتمنى أن نقدّم ما نطمح إليه من خدمةٍ ونحظى بوجودٍ لتقوية القطاعين الصحي والتعليم العالي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي