pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

من الخميس إلى الخميس

الثمنُ المُؤَجّل

في السياسة، كما في الاقتصاد، أنظمة التأجيل جزء من قواعده.

حين سيطر الفكر الماركسي واليساري على جزء من عقلية شباب أمتنا العربية في حقبة قديمة، ونجحت تلك العقليات في التخطيط لانقلابات عسكرية لم يكن يتصوّر أحد أن مخالفة عقيدة الأمة وقيمها، والسير وراء أفكار مستوردة لزراعتها في أرضنا، لم يكن أحد يتصور أن تلك الأفعال لها عواقب وخيمة، عواقب سيأتي موعد دفعها بعد عقود، سيأتي على هذه المجتمعات، التي سمحت لتلك القيم الشاذة في أن تعشعش في أراضيهم، سيأتي عليها يوم تنهار فيها دولها ويحرم شعبها من الحياة الكريمة، وتتمزّق روابطهم ويصبح الاقتتال الداخلي بينهم قاعدة، بينما السلّم الاجتماعي شذوذ لا تكاد تراه، لقد كان كل ذلك ثمناً مؤجّلاً، ثمناً لم يكن مستحيلاً قراءته على دارسي التاريخ وخبراء علم الاجتماع.

اليوم نحن في الكويت لدينا في وطننا خيارات قادمة، والتدقيق في خياراتنا واجب وطني خطير، لأن الخيارات العبثية قد تنهي مسيرة دول، وتخرج مجتمعات من السعادة إلى الحزن، ومن النعيم إلى الشقاء، كما أشرنا له في مقدمة المقال.

في الصراعات السياسية، النجاح لا يعني الانتصار، والخسارة لا تعني الهزيمة، في العمل السياسي حين يفقد المنتصر إرادة الأمة الممثلة بتيار الأغلبية، حتى لو التحف بتأييد أهل النفوذ فيها، إذا فقد إرادة الأمة فهذا يعني الفشل الذريع لكنه فشل مؤجل.

نحن جميعا في هذا البلد العزيز، منّ الله علينا بعقليات ناضجة لم تتقوقع بل استمرت في العطاء والنصح والتوجيه، إنهم من خبراء التاريخ وقارئي علم الاجتماع والسياسة والمثقفين الحقيقيين، هؤلاء الخبراء يُنبّهون بأصواتهم العاقلة إلى ضرورة الاستماع إلى نبض الشارع والاحتكام إلى ثقافة المجتمع القائمة على قيم دينه وتراثه، قيم لا تجعل للفرد حقوقاً فوق الأمة ولا للعدالة أكثر من ميزان ولا تبني بلادها بإصبع واحد.

ولعل المسلك الأفضل، الذي يجعل من حروف هذا المقال الإنشائية واقعاً ملموساً هو التواصل مع قادة العلم والفكر المحايد، والاستماع إلى ما يقولون بعيداً عن همسات الشياطين وأصوات رنين الذهب، ما يَضُرُ المسؤول لو يشرب الشاي كل يوم مع واحد أو أكثر، لينصح ويسمع، فالاستماع لا يعني أبداً أن أحد الأطراف يُملي قواعده، هناك عشرات من النقاط في مجتمعنا هي فتن مؤجلة.

لا يتسع المقال لذكر بعض تلك النقاط، وأيضاً ذكرها لن يُصلح شيئاً، فالإصلاح ليس حواراً في ديوانية ولا مقالاً في جريدة، الإصلاح مُركّب مُعقّد يحتاج إلى دراسة كل جوانبه وتوفير عناصر النجاح له، وأهمها الإرادة السياسية بالإصلاح.

هذا المُركب المُعقد يحتاج إلى خبراء لتحليله وفك طلاسمه، البداية إذاً بالحوار، فكل المجتمعات الناجحة يكون الحوار المتنوع والمتجدد هو أدواته للتطوير والنجاح.

أتمنّى ألّا تكون إرادة الإصلاح في بلدي إرادة مؤجلة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي