pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بلا حدود

وطنيات الشاعر خليفة الوقيان

مر بنا في ما مضى من مقالات كيف كان الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، يوبّخ الجار الذي غدر بنا في منتصف الليل توبيخا مباشرا بعدة لوحات فنية مؤلمة ومأساوية، يندى لها جبين الشرفاء منهم الذين اعترضوا على هذه الخيانة التي لا تليق بسمعتهم ومكانتهم وعروبتهم وشرفهم ورجولتهم، وينتقل الشاعر خليفة الوقيان بتوبيخه من الخاص إلى العام بلوحات فنية هي الأكثر إيلاما وقسوة وقهرا؛ حينما يفتش في ثنايا الضمير العربي عن مظلمة كان قد أودعها بين ضلوع عروبتهم وقوميتهم التي لطالما تغنوا بها وغرسوها في قلوب أطفالنا؛ فأصبحت نشيدا يتلا مع تباشير كل صباح؛ حيث يقول:

- ماذا جنت زهرة يانعة

- تضوع في كل صبح


- بعطر العروبة

- في ساحة المدرسة

- " تحيا الأمة العربية "

- تردد الزهيرات في صيحة حاشدة

- " تحيا الأمة العربية، تحيا الأمة العربية، تحيا الأمة العربية "

آه .. العروبة تلك الأغنية الساحرة، كانت على لسان كل كويتي، العروبة تلك القصيدة المخملية، كانت في ضمير كل شاعر كويتي، العروبة تلك القصة الخالدة، كانت مداد قلب كل مثقف كويتي، هكذا اشرأبت بها قلوبنا مذ كنا تلاميذ في المدرسة، كبروا وأينعوا وهم يحملون تلك الكلمة الرنانة في ثناياهم وبين فرائصهم، إنهم يحفظون في صدورهم ( سأحمل روحي على راحتي .. وألقي بها في مهاوي الردى – فإما حياة تسر الصديق .. وإما ممات يغيظ العدا – ونفس الشريف لها غايتنا .. ورود المنايا ونيل المنى )، إنهم يحملون على أكتافهم عروبة جمال عبد الناصر قائد الأمة العربية.

قدر هذه الطفلة الكويتية البريئة أن تقتل باسم العروبة التي ترددها كل صباح بنشوة الفلاح، باسم " تحيا الأمة العربية " نكـّل بها البعثيون ومثلوا بجثتها؛ فلنشرب معا كأسا مقلوبا باسم " تحيا الأمة العربية ".

وهنا وفي خضم آلامه، وقسوة أيامه، وبعثرة عظامه، يتوجه الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، بخطابه إلى ضمير الأمة العربية الإسلامية قائلا:

- قل للرفاق

- النائمين عن المظالم

- السارحين كما السوائم

- يهنيكم شرب الدماء

- النازفات من المحارم

يتوجه بخطابه إلى ضمير الأمة العربية الإسلامية، باحثا عن مظلمته التي أودعها في قلوبهم الغليظة، ووضعها في عقولهم المتحجرة، وفي إحساساتهم المتبلدة، وفي مشاعرهم الرخيصة، ماذا فعلتم بها؟! لماذا أدرتم ظهوركم عن الحق؟! لماذا تواريتم عن الأنظار؟! واختبأتم تحت الدثار؟! لماذا تداريتم خلف القطعان؟! هل أنتم سعداء بانتهاك حرمة الكويت؟! هل هذا ما كنتم تريدونه؟!

في الوقت الذي كانت الكويت يقظة ومستيقظة لمظالمكم في جميع المحافل الدولية، تنافح وتدافع عن حقوقكم، وتذود عن حماكم، تألم لألمكم، وتأسى لمآسيكم، تبكي معكم، تشجب وتندد من أجلكم، في الوقت الذي كان أطفال الكويت يرددون في طابور الصباح ( فلسطين الحبيبة كيف أحيا * بعيدا عن سهولك والهضاب . تناديني السفوح مخضبات * وفي الآفاق آثار الخضاب )، اليوم تنامون بسبات عن مظالمنا، وأنتم ترون بأم أعينكم كيف غدر بنا جارنا في منتصف الليل، وأراق دماء الأبرياء، وانتهك الحرمات، وكأنكم تتشفون بنا، عجبا من أمركم.

يقوم الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، بعرض صورة لفظاعة المشهد لما قام به أزلام صدام من البعثيين، صورة لا يقبلها العقل ولا تتقبلها كل أديان العالم، وكما عودنا دائما بأسلوب التوبيخ ساخرا من انتصاراتهم السخيفة، وأساليبهم الحقيرة، إنهم أشاوس صدام البعث يسترجلون على صبية:

- ها هم السادة الظافرون الأباة

- يجيئون بابنة جاري الصبية

- مشطورة الوجه

- مثقوبة الرأس

- مقطوعة الكف

- يرمون بالجسد

- المستحم ببحر الدماء

- يديرون أكتافهم

- والنجوم المضيئة

- في حلبات النزال

- وأسأل

- ماذا جنت زهرة يانعة

- بعطر العروبة

- في ساحة المدرسة

- " تحيا الأمة العربية "

" ها هم " يؤكد الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، في هذه اللوحة الفنية فظاعة أفعال الغزاة، وهو يشير إليهم وكأنهم أبطال في مسرح الجريمة، إن أقصى نشوة نصرهم كانت على صبية بريئة، أذاقوها كل أنواع التعذيب، نكلوا بها وقتلوها ومثلوا بجثتها ( ها هم ) حماة البوابة الشرقية زيفا، " ها هم " أبطال القادسية خداعا، " ها هم " أحفاد صلاح الدين سفاحا، " ها هم " الرعاع الغوغائيين الهمجيين " في حلبات النزال، تركوا حلبة العدو الصهيوني المغتصب لأرض عربية، إلى حلبة نزال مع طفلة صغيرة لا تملك من أمر نفسها شيئا تفعله، " ها هم " وصمة العار التي التصقت بجبين العروبة، إنها صبية طفلة بريئة ابنة جاره الكويتي العربي المسلم، وليست طيارا حربيا إسرائيليا محتلا لأرض عربية.

ويتألق الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، حينما يربط الطفولة ببعضها في عدة لوحات تعانق بعضها بعضا وتؤازر اللوحة أختها اللوحة الأخرى ببراءة، لا حظ الشاعر كيف ملك ناصية اللغة بقوة واقتدار في بداية اللواحات مثلما مر بنا حينما قال ( أيها القادمون من الليل ) وقال في لوحة أخرى ( أيها القادمون مع الليل )، وهنا يقول ( تسائلني طفلتي ) وفي لوحة أخرى يقول ( وتسألني طفلتي) :

- تسائلني طفلتي

- وأنا صامت لا أجيب

- أجول بطرفي

- في الطرقات المباحة

- للقتل .. للذعر .. للحزن ..

- للقهر

- للشاحنات

- التي تحمل العلم العربي الشقيق !!

- تجيء خفافا مع الليل

- ترجع مثقلة بالغنائم

- عند الشروق ..

في هذه اللوحة المخيبة للآمال العربية لم يقل الشاعر ( تسألني )، لأن تسألني يعني أنها تبحث عن شيء ما، أما ( تسائلني )؛ التساؤل هو تفاعل مع الحدث هو استهجان واستغراب، هو خوف وذعر من المجهول، هو البحث عن المصير، التساؤل هو مجموعة أسئلة متلاحقة، فضفاضة الإجابة لا حصر لها ولا نهاية لها، التساؤل هو إلحاح وتكرار وإصرار على معرفة الإجابة جملة وتفصيلا، التساؤل يقدم للقريب الذي تشعر بقربه بالأمن والأمان، أما السؤال فهو لمعرفة شيء ما، حتى المارة من الممكن يسألون عن الطريق أو عن جهة أو معلم، فتكون الإجابة على سؤالهم تقريرية جافة ومختصرة دونما شرح واف، أما التساؤل فيحتاج إلى وجدانيات وعواطف للإجابة على هذه الحيرة التي تملكت هذه الطفلة البريئة، ولأنها محتارة ومستغربة مما تراه، فهي تريد أن تفهم ماذا يجري في بلدها الجريح، ماذا سوف يكون مصير بيتها وحضنها الدافيء، أسئلة كثيرة ومتراكمة بإلحاح وسؤال تلو الآخر، ووالدها في تيه أو قل في صدمة، لم يكن يتوقعها من أخ عربي يدعي الرجولة والشهامة وحماية البوابة الشرقية، وإذا به هو أول من يغزو البوابة الشرقية، ويستبيح حرماتها وينهب خيراتها، لا يوجد شيء مشرّف لما قام به الأخ العربي الشقيق والجار بالجنب ليحدث به طفلته أو يجيب عن تساؤلاتها تلك، هل يحدثها عن الخيبة أم عن الغدر أم عن الخيانة أم عن النذالة أم عن الوضاعة؟ هل ستستوعب كل هذه المصطلحات؟ وهل ينبغي عليها معرفة ماذا تعني هذه الكلمات وهي في هذه السن الغضة اللينة؟ هل يصارحها ويقول لها بنيتي إن حياتك الوردية قلبها جارنا البعثي إلى حياة سوداوية ومأساوية، وحتى لو افترضنا أنها حرب ومعركة وبطولة فهل تصدق وهي ترى الشاحنات محملة بمسروقات منازل الأسر الكويتية، ونهب مكاتب وأثاث وأجهزة الوزارات، والسطو على الأسواق، أيقول لها يا ابنتي والله ليس هذا هو العراق مهد الحضارات والرسل والأنبياء، بلد العدالة الاجتماعية بقانون ( حمورابي ) العادل. لا والله يا ابنتي إنما هؤلاء شرذمة من الناس عصابة من اللصوص لا تمت للشعب العراقي العظيم بصلة.

ومازال الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان يوبخ هذه الحفنة الضالة، ويأتي التوبيخ هذه المرة وكأنه وخز لحصان بليد، وكشة لبوم بغيض، حيث يقول:

- يا جحافل الظلام والدمار

- يا من يروع الطير في أوكارها

- ويسرق الطعام من منقارها

- هل كنت تدري أي معنى للوطن؟!

نعم هكذا صورهم الشاعر بمثل رائع ( جحافل ظلام، وسراق، وخونة ) إنهم مرتزقة، جياع، عطشى، مشردون، يعيشون في وطن ليس لديهم أي انتماء له، هذا المستهتر البعثي جردهم من وطنيتهم، جعل منهم لصوصا، ورجال كهف، وصنع منهم أداة للدمار والخراب، أبدان دون عقول، حتى الطيور في أعشاشها لم تسلم من بطشهم وجشعهم.

في الختام يصل الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، إلى حقيقة لا مراء فيها، أو قل نتيجة حتمية لا تقبل النقاش والقسمة، أن الكويت هي توأم روحه، فإن قال ( أنا شاعر ) فالكويت قصيدته، وإن قال ( حضن بيتي ) فهو حضن الكويت، وإن قال ( نبض قلبي ) فالكويت هي قلبه وشرايينه وأوردته، وإن قال ( صدر طفلي ) فهو الطفل المدلل في حضن أمه الكويت، إنه يتحدث بلسان كل كويتي، ففي لحظة توهان المصير، وفقدان الهوية، وخذلان الضمير العربي، يحاول الشاعر إعادة نسق نفسه العربية الأصيلة قائلا:

- ترى من أكون؟

- أنا شاعر

- أختبئ في حضن بيتي

- في نبض قلبي

- في صدر طفلي

- غير العروبة عشقا قديما

- وهما مقيما

ومثلما كان الشاعر الوطني الكويتي خليفة الوقيان، شاعر الإحساسات المرهفة، والعواطف الجياشة المتدفقة، ومثلما كان شاعر البلاغة والفصاحة والبيان الذي وظف المبنى لخدمة المعنى باقتدار، أيضا هو شاعر اللغة بقوتها وجزالتها، لا حظ كيف يقدم الخبر على المبتدأ ليركز على الوصف والتصوير، ولكي يظهر جماليات لغته الشاعرية، حيث يقول:

- للفجر في الكويت نكهة

- تعرفها زغب العصافير

- وللندى على براعم الزهور نفحة

- شدى يعطر المدى

- تلثمه خضر المناقير

- والشمس في الكويت

- تحوك من شعاعها الفضي

- حين يعصف الشتاء

- بردة رحيبة

- يذوب في شعاعها

- برد المقادير

يصف الشاعر الكويت بروح العاشق المتيم، نعم، هذه هي كويت الشاعر خليفة الوقيان، إنها رسالة واضحة مفادها: أيها البعثيون: تربتنا تختلف عن تربتكم، طقسنا يختلف عن طقسكم، حرنا يختلف عن حركم، بردنا يختلف عن بردكم، رطوبتنا تختلف عن رطوبتكم، لهجتنا تختلف عن لهجتكم، عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا تختلف عنكم، أكلنا يختلف عن أكلكم، تراثنا يختلف عن تراثكم، طربنا يختلف عن طربكم، ملابسنا تختلف عن ملابسكم؛ ألم تعوا ذلك جيدا؟!

* هذا المقال إهداء خاص للشاعر خليفة الوقيان

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي