pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

قيم ومبادئ

كم مُريد للخير لم يبلغه!

اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى اختبار الناس بالخير والشر، وكلاهما بلاء، والحكمة في ذلك لينظر الله كيف شكرهم في ما يحبون وكيف صبرهم في ما يكرهون.

وتنوّع البلاء ليُلائم طبائع البشر لاستخراج مكنون النفوس ويترتب الجزاء على الأعمال، فالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية.

وهذا الابتلاء جاء في القرآن بعد تقرير الحقيقة الكبرى وهي: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، أي أنَّ كأس المنية غَصَصٌ، الكل سيتجرعه حتى يُدرك البشر الحقيقة الأخرى وهي: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ).

والناس في حبهم للخير مذاهب ومشارب، والشيطان له في كلّ أمر من أوامر الشرع نزعتان: الأولى نحو الإفراط، والثانية نحو التفريط، وينظر في حال الإنسان، فإذا وجد الشيطان من الإنسان شدّة في دينه، نزعه إلى جهة الإفراط، وإذا وجد في دينه ليونة نزعه إلى جهة التفريط.

فمثلاً الخوارج أرادوا الخير وأخلصوا في طلبهم الجنان ورضا الرحمن، وتشددوا في ذلك فنزعهم الشيطان إلى جهة (قتال الصحابة وتكفير المسلمين)، كل ذلك تحت دعوى حب الخير والإسلام ! وفريق آخر (عاهد الله وأعطاه عهده وميثاقه)، إذا بسطت لنا في رزقنا ووسعت علينا في المال سنتصدق ونصل الرحم ونعين على نوائب الحق، ولما آتاهم الله من فضله لم يفوا بما قالوا بل بخلوا وتولوا عن الطاعة والانقياد وهم معرضون، أي غير ملتفتين إلى الخير فعاقبهم الله تعالى بأنواع من العقوبات ومن أخطرها استقرار النفاق في قلوبهم إلى يوم لقائهم الله.

وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف).

فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده لَئِن أعطاه الله من فضله، لَيَصّدّقَنَّ ولَيَكونَنَّ من الصالحين، (حدّث فكذب وعاهد فَغَدَر ووعدَ فأخلف).

فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد الله ربه إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلنّ كذا وكذا، ثمّ لا يفي بذلك، فإنّه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء.

بل حتى العمل الخيري اليوم نجد هناك البعض ممن يستغله لابتغاء الرئاسة أو الشرف أو العلو على الناس، وجاء في الحديث (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال أو الشرف لدينه)، فأخبر في الحديث أنّ حرص المرء على المال وجمعه والرئاسة يُفسد دينه مثلما يفسد الذئب الجائع الغنم، فالذئب يأكل حتى يشبع ثم يقتل بقية الغنم.

يقول العلّامة ابن عثيمين: (كثير من الناس ليس همّهم إلا أن يحصلوا على المال، أو يحصل الشرف ويكون ممن يُشار إليه بالأصابع وهذا يُفسد الدين) !

لماذا؟ لأنّ النفس تميل إلى هذا، تميل إلى المال وتميل إلى الشرف وتنسى ما هو أهم وهو مسألة الدين.

وهذا القسم من الناس يريد العلو بلا فساد في الأرض، وهؤلاء يكون عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس، ولكن إرادة العلو على الخلق فيها ظلم، لأن الناس من جنس واحد، وإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم وإفراط، ومع أنه ظلم فالناس يبغضون مَن يكون كذلك، ويعادونه، وتجدهم يجاملونه أحياناً !

وكل إنسان عادل لا يحب أن يكون مقهوراً لنظيره وغير العادل منهم يؤثر ان يكون هو القاهر لغيره، ولهذا نعلم الحكمة في الشريعة حيث جاءت بصرف السلطان والمال في سبيل الله، فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإقامة دينه وإنفاق ذلك في سبيله، كان ذلك صلاح الدين والدنيا، وإن انفرد السلطان عن الدين أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس.

الخُلاصة: قال ابن مسعود رضي الله عنه لما رأى الخوارج بعد الصلاة يُسَبِّحون في المسجد بطريقة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم، فقالوا: يا أبا عبدالله؟ ما أردنا إلا خيراً.

فقال: كم من مُريد للخير لم يبلغه.