أصبوحة / عندما شاخت المدينة!

تصغير
تكبير
| وليد الرجيب |

يصدف في كثير من الأحيان، أن أجلس أمام شاشة اللاب توب، ولا أعرف عن ماذا أكتب، رغم رغبتي في الكتابة، وأحياناً حاجتي لها، ولم اعرف حتى الآن كيف أحلل هذا الشعور، وهذا الموقف، وكأن هذه الحاجة للكتابة لم تترجم الى كلمات في عقلي، ولكنها حتماً موجودة، وتحتاج إما الى بحث أو تلقائية بالتعامل مع الصفحة البيضاء وأزرار الأحرف.

أنا موجود في بيروت، وهي تحوي غنى في الموضوعات، يرجع الى غنى في الثقافة، لكني قررت أن أحتك بالناس العاديين، وأتداول معهم في شؤون حياتهم اليومية، وقد كان أبرز ما لمست عند جميع اللبنانيين باختلاف طوائفهم وتوجهاتهم السياسية، هو الاستقرار النفسي بعد تشكيل الحكومة الجديدة، برئاسة الحريري الابن، وهذا الاستقرار النفسي جعلهم يلتفتون الى الأمور التي افتقدوها، مثل الحديث عن جمال مدينة بيروت، وقد أخذني سائق تاكسي محدود التعليم الى نصب تذكاري عبارة عن كتب متراكمة على بعضها، وقال لي كلما مررت بهذا النصب أتذكر بيروت القديمة التي أعرفها، قبل أن يغزوها التخلف، كان السائق مسلماً، وقال سأريك مظهراً لم يكن يوجد في بيروت في سنوات الستينات والسبعينات، وبعد قليل أشار لي على امرأة منقبة، يغطيها السواد الى أخمص قدميها، ولأننا تحدثنا عن بيروت قبل ثلاثة عقود، سألني: هل كنت ترى هذا المظهر في الزمانات؟

وأكمل: لم أعد أعرف بيروت التي ألفتها، صمت متفكراً، وكلمت نفسي قائلاً بالفعل هذه مظاهر جديدة على مدينة النور، وتذكرت أنني قبل ثلاثة أسابيع كنت في القاهرة، ورأيت مظاهر جديدة على مدينة التنوير والأزهر الشريف، كان لباس الرجال لباساً على الطريقة الوهابية، أي دشداشة قصيرة ولحية طويلة، وكانت النساء يلبسن نقاباً وملابس تشبه الملابس الأفغانية، وقد كان بالفعل مظهراً يدعو الى الاستغراب والدهشة، كيف؟! هل يعقل أن تتحول عاصمة التنوير العربي الى الفكر الطالباني؟ والمظهر الموغل في اللا تحضر.

لكنني انتبهت الى حقيقة مفادها أن جميع بلداننا التي خرجت بجدارة من قبضة الاستعمار، وقادت شعوبها الى التحرر، والسير باتجاه المدنية، كل هذه البلدان ساد فيها التجهيل والتخلف، ولعب قادتها دوراً حاسماً في انكفائها، كما لعبت قوى التحرر الوطني لدينا دوراً متخاذلاً، وابتعدت عن آمال شعوبها في التقدم والسير على طرق التنمية.

هل نحكي عن مظاهر ضد المدنية؟ لنتكلم عن مساجد الصفيح بالكويت، لنتكلم عن فئة لا تؤمن بالديموقراطية، لكنها تستخدمها لتدمير المدنية والتحضر، لنتكلم عن السلوك المتخلف، وسرقة الشعب الكويتي ومحاولة تقييد حرياته باسم الدين، لنتكلم عن استهداف مشروع التحضر داخلياً وخارجياً.

هل شاخت مدينة بيروت؟ وهل شاخت الكويت؟ هل شاخت كلمة أمير الكويت الأسبق الشيخ عبدالله السالم؟ وهو يقود بلاده على خطوات العالم المتقدم، هل شاخت روح الشخصية الكويتية، روح البحار المنفتح على ثقافات العالم؟ بالتأكيد لا، لكني متيقن أن هناك مؤامرة على الشخصية الكويتية المتحضرة، مؤامرة تريد أن تنشر الفساد والتخلف، تريد امتصاص دم الكويتيين، وتريد حرمانه حتى من الموسيقى، وهي اللغة الأولية للبشرية.

الآن عرفت لِمَ لَمْ أعرف ماذا أكتب، أعرف جيداً أنني غاضب جداً على ما يحدث في بلدي، غاضب على سلب أبنائي وأحفادي حقهم بالفرح والسعادة، على أملهم ببناء وطن سعيد، غاضب على الجميع حكومة ومجلس وقوى وطنية، على سلبنا حقنا بالحرية والسعادة، على سلبنا فخرنا بكوننا شعبا مميزا، غاضبا على التخلف والغباء والتفاهة، غاضبا على عقود الفرص الضائعة.

السؤال الذي لم أجبه هو سؤال سائق التاكسي عندما قال، «وين الكويتيين اللي كنا نشوفهم بالزمانات»؟



[email protected]

www.alrujaibcenter.com

www.osboha.blogspot.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي