نال شهادة الهندسة في ستة أشهر واختير في 1992 رجل العام
علي زراقط عبقري من لبنان كرمته ألمانيا و«خذله» وطنه اختراعاته أذهلت العلماء ولا ينسى 16 عاماً أمضاها في الكويت
كاسحة الألغام
ساعة «وردة الزمن»
زراقط (جالساً) والنائب السابق بيار دكاش (تصوير جوزف نخلة)
| بيروت - من ريتا عقيقي |
لا جديد تحت الشمس في قصة «نوابغ من لبنان». فالرواية تعيد نفسها: شاب لبناني يترك الوطن بحثاً عن مستقبل أفضل، يقصد الغرب فيبهره بمهاراته، وحين يقرر العودة إلى ربوع الوطن الحنون ليفيده بابتكاراته يهزأ به «أسياد» الوطن وينصحوه بالسفر مجدداً. انها تماماً قصة المهندس علي زراقط، المخترع الألماني المتحدر من مدينة صور الجنوبية الذي لم يعرف الوطن فترة طويلة ورغم ذلك حمل همومه في قلبه وروحه أينما حلّ.
التقته «الراي» في منزل النائب السابق بيار دكاش فوجدته ناقماً على وطن لم يعرف يوماً كيفية تقدير ابنائه. بصوته المندفع روى لنا قصته ولم يغفل عن سرد تفاصيل معاناته في بلد لم يعرف منه في البداية إلا شوارع عريضة تاه فيها ليصبح بعد فترة من أبرز مخترعيه. ولان دولة الكويت ساهمت في تطوير ذكاء علي لم ينسها وخصّها باختراعين : ساعة تحمل اسم الأمير عبد الله السالم الصباح وتصميم لمشروع هندسي نتحدّث عنه في سياق النص.
تبنى دكاش لزراقط اثار استفهامنا، لكن شهادته عن المهندس دفعتنا أكثر الى معرفة من هو علي زراقط ولمَ كرّمه لبنان في العاشر من اكتوبر في قصر اليونيسكو؟
شأنه شأن كل من كافح لبلوغ القمة، لم تكن مسيرة زراقط خالية من المصاعب. نشأ في محافظة الجهراء الكويتية وتلقى علومه فيها طوال 16 عاماً، ثم عاد مع أهله إلى لبنان ليعمل في محل بسيط لتصليح الساعات وليفتتح في غضون ستة أشهر محلاً خاصاً به. لكن طموحه كان أكبر، فقرر بعد ثلاثة أشهر أن يتوجه الى المانيا رغم عدم رضى والده. وصل زراقط إلى «أرض المجهول» وامضى في مطارها ثلاثة أيام من دون أن يعلم أين المخرج. وحين أوضح له أحدهم كيفية الخروج، اضطر الى النوم داخل ورق الفلين في ورش البناء وداخل غرف الهواتف حتى نفد منه المال. ولا يخجل من القول انه تمنى دخول السجن من أجل الحصول على الطعام. توسل رجال الشرطة ان يحبسوه، وحين رفضوا معتبرين أنه لم يرتكب أي جنحة وفي حوزته كامل الأوراق القانونية، ركب الباص وتخلّف عن الدفع فكان له ما أراد. «يومان في النعيم»، هكذا يصف المخترع الكبير إقامته في السجن. وبعد هذه المحطة اللافتة في حياته، وجد عملاً في شركة لتصنيع الساعات فأعطاها من قلبه وأبدع فيها لتكون منطلقاً لاختراعاته.
ولكن كيف تمكن زراقط من الحصول على شهادة الهندسة من ألمانيا وهو لم ينل في الكويت ولا في لبنان شهادة التعليم الثانوي؟
انها قصة مختلفة لا تقلّ غرابة عن سابقاتها. علم زراقط بان الدولة الألمانية تعطي منحة لكل طالب يريد إتمام شهادة الماجستير في الهندسة. فبعث برسالة إلى وزير التعليم شارحا ظروفه ومقدما نبذة عن اختراعاته، فوافق الوزير على إعطائه هذه المنحة. ولم يخيّب الشاب اللبناني المندفع امل المسؤول الألماني، اذ تخرج بعد ستة أشهر من الدراسة في حين ان هذا الاختصاص يتطلب خمسة أعوام. وبعد ذلك بعامين فقط، استدعاه وزير الداخلية وأبلغه بمنحه الجنسية الألمانية فذهل لهذه المفاجأة. وكرّمه الألمان مرةً ثانية حين اختاروه في 1992 رجل العام ومرةً ثالثة العام 1996 من جانب السفير الألماني في لبنان.
ولا تنتهي القصة عند هذا الحد. فاختراعات هذا العالِم الذي لم يتجاوز 51 عاماً تحير العقل والمنطق. فإضافة إلى اصلاحه ساعات في كنائس برلين الأثرية وغيرها، اخترع زراقط شارات سير متطوّرة خاصّة بلبنان. ثمّ قرّر إيجاد حلّ لآلاف من ضحايا الالغام، واقام معرضاً في قصر اليونيسكو عرض فيه أحدث اربعة اختراعات له منها ناطحة للألغام لا مثيل لها عالمياً. فهي أشبه بدبابة مصنوعة من معدن صلب يمكن التحكم فيها من بعد وتعمل على اقتفاء أثر الألغام بهدف تدميرها. وفي استطاعتها أيضاً أن تنخر الجبال وتحول صخورها حصى تستعمل في البناء. وقد استغرق صنع الناطحة عامين كاملين.
أما اختراعه الثاني فهو ساعة «وردة الزمن» التي صنعت لتوضع بجانب ساحة الشهداء في وسط بيروت لتشهد لجمال اللحظات في حياة اللبنانيين. يبلغ قطر الساعة أكثر من 18 متراً وهي الاكبر في العالم وتعمل بواسطة الأقمار الاصطناعية. كما أنها ساعة اقتصادية توفر 20 في المئة من طاقتها بفضل حركة شلالات المياه المتساقطة على جوانبها.
ويتباهى زراقط باختراعه الثالث وهو أكبر هلال في العالم يبلغ قطره 25 متراً وارتفاعه 12 متراً. أرضيته من سيراميك الفسيفساء وتخرج من قمته نافورة مياه يصل علوها إلى عشرة أمتار وتتخذ وظيفة عقرب الساعة وتعمل بدقّة كبيرة. ورغم توقفها عن العمل مع انقطاع التيار الكهربائي فانها تضبط بعدها الوقت في طريقة أتوماتيكية. وخلف الهلال، تتساقط شلالات مياه على شكل دائري تجعل الناظر من بعيد يظن أنه أمام مجسم للكرة الأرضية.
«الساعة الخيالية» اختراع زراقط الرابع وقد أذهلت فكرتها العلماء فحاروا في أمرها. انها كناية عن ستة أنابيب تتصاعد داخلها فقاعات هوائية فيما تتألف الساعة من دائرتين منفصلتين: الأولى للساعات والدقائق والثانية للثواني. يراوح طولها بين مترين وستة أمتار بحسب الطلب ويوجه إليها 24 قمراً اصطناعياً لإعطاء الوقت بدقّة. ويختلف الوقت فيها ثانية واحدة كل مليون سنة.
أما الاختراع الذي يعمل المهندس لتقديمه تكريماً للكويتيين من دون أن يحدّد هوية المسؤول الذي قد يهديه إليه فهو ناطحات سحب تكللها ساعة يبلغ قطرها 20 متراً وداخلها سبع طبقات. وقد صمّمت في الأعلى على شكل أرزة.
واللافت انه رغم اهمية الاختراعات التي قام بها زراقط فانه لم يتلق عرضاً من أي شركة أو مسؤول لبناني لتنفيذها. أما كاسحة الألغام التي أطلق عليها اسم «لبنان» فيقول انه عندما عرفت شركات ألمانية أنه يريد استثمارها في بلده من أجل إحلال السلام فيه تمنت له التوفيق ولم تخف اسفها.
ومأخذ زراقط على الدولة اللبنانية عبرت عنه إحدى الصحف التي كانت كتبت عن إنجازاته «كرمته الدنيا ولم يكرمه وطنه». فقد التقى خلال زيارته لبنان أبرز القادة السياسيين ولم يحصل على دعم أي منهم. كما زار رئيس الجمهورية ميشال سليمان طالباً منه رعاية معرضه في اليونيسكو فوافق أولاً ثم رفض، إلى أن اتخذ قرارا بان يوفد ممثلاً له. وقد طرح زراقط مشاريع عدّة على الرئيس لحل مشاكل مثل الطاقة الكهربائية وتلوث المياه والتخلص من النفايات، ويقول «أبلغت رئيس الجمهورية أن علاقتي بلبنان باتت أشبه بعلاقة شاب أغرم بفتاة وقدم اليها كل ما يستطيع ولكنها لم تبادله الشعور نفسه، فقرّر أن يحبها إلى الأبد رغم جفائها». كما وجه عتباً الى الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي أكدّ انه سيحضر افتتاح المعرض ولكنه لم يأت ولم يرسل حتى اعتذاراً.
وبعد... زراقط في اختصار هو مخترع من لبنان خاض حروباً في الخارج بسبب اسمه وهويته العربية ونجح في حصد تصفيق دولي من دون ان يحظى بتقدير وطني.
ودّعناه على وقع كلمات دعا فيها الشعب اللبناني الى استثمار عقله والابتعاد من الجهل، «هذا الوباء الاجتماعي الذي ينبغي الحذر منه بالاعتماد على انفسنا».
لا جديد تحت الشمس في قصة «نوابغ من لبنان». فالرواية تعيد نفسها: شاب لبناني يترك الوطن بحثاً عن مستقبل أفضل، يقصد الغرب فيبهره بمهاراته، وحين يقرر العودة إلى ربوع الوطن الحنون ليفيده بابتكاراته يهزأ به «أسياد» الوطن وينصحوه بالسفر مجدداً. انها تماماً قصة المهندس علي زراقط، المخترع الألماني المتحدر من مدينة صور الجنوبية الذي لم يعرف الوطن فترة طويلة ورغم ذلك حمل همومه في قلبه وروحه أينما حلّ.
التقته «الراي» في منزل النائب السابق بيار دكاش فوجدته ناقماً على وطن لم يعرف يوماً كيفية تقدير ابنائه. بصوته المندفع روى لنا قصته ولم يغفل عن سرد تفاصيل معاناته في بلد لم يعرف منه في البداية إلا شوارع عريضة تاه فيها ليصبح بعد فترة من أبرز مخترعيه. ولان دولة الكويت ساهمت في تطوير ذكاء علي لم ينسها وخصّها باختراعين : ساعة تحمل اسم الأمير عبد الله السالم الصباح وتصميم لمشروع هندسي نتحدّث عنه في سياق النص.
تبنى دكاش لزراقط اثار استفهامنا، لكن شهادته عن المهندس دفعتنا أكثر الى معرفة من هو علي زراقط ولمَ كرّمه لبنان في العاشر من اكتوبر في قصر اليونيسكو؟
شأنه شأن كل من كافح لبلوغ القمة، لم تكن مسيرة زراقط خالية من المصاعب. نشأ في محافظة الجهراء الكويتية وتلقى علومه فيها طوال 16 عاماً، ثم عاد مع أهله إلى لبنان ليعمل في محل بسيط لتصليح الساعات وليفتتح في غضون ستة أشهر محلاً خاصاً به. لكن طموحه كان أكبر، فقرر بعد ثلاثة أشهر أن يتوجه الى المانيا رغم عدم رضى والده. وصل زراقط إلى «أرض المجهول» وامضى في مطارها ثلاثة أيام من دون أن يعلم أين المخرج. وحين أوضح له أحدهم كيفية الخروج، اضطر الى النوم داخل ورق الفلين في ورش البناء وداخل غرف الهواتف حتى نفد منه المال. ولا يخجل من القول انه تمنى دخول السجن من أجل الحصول على الطعام. توسل رجال الشرطة ان يحبسوه، وحين رفضوا معتبرين أنه لم يرتكب أي جنحة وفي حوزته كامل الأوراق القانونية، ركب الباص وتخلّف عن الدفع فكان له ما أراد. «يومان في النعيم»، هكذا يصف المخترع الكبير إقامته في السجن. وبعد هذه المحطة اللافتة في حياته، وجد عملاً في شركة لتصنيع الساعات فأعطاها من قلبه وأبدع فيها لتكون منطلقاً لاختراعاته.
ولكن كيف تمكن زراقط من الحصول على شهادة الهندسة من ألمانيا وهو لم ينل في الكويت ولا في لبنان شهادة التعليم الثانوي؟
انها قصة مختلفة لا تقلّ غرابة عن سابقاتها. علم زراقط بان الدولة الألمانية تعطي منحة لكل طالب يريد إتمام شهادة الماجستير في الهندسة. فبعث برسالة إلى وزير التعليم شارحا ظروفه ومقدما نبذة عن اختراعاته، فوافق الوزير على إعطائه هذه المنحة. ولم يخيّب الشاب اللبناني المندفع امل المسؤول الألماني، اذ تخرج بعد ستة أشهر من الدراسة في حين ان هذا الاختصاص يتطلب خمسة أعوام. وبعد ذلك بعامين فقط، استدعاه وزير الداخلية وأبلغه بمنحه الجنسية الألمانية فذهل لهذه المفاجأة. وكرّمه الألمان مرةً ثانية حين اختاروه في 1992 رجل العام ومرةً ثالثة العام 1996 من جانب السفير الألماني في لبنان.
ولا تنتهي القصة عند هذا الحد. فاختراعات هذا العالِم الذي لم يتجاوز 51 عاماً تحير العقل والمنطق. فإضافة إلى اصلاحه ساعات في كنائس برلين الأثرية وغيرها، اخترع زراقط شارات سير متطوّرة خاصّة بلبنان. ثمّ قرّر إيجاد حلّ لآلاف من ضحايا الالغام، واقام معرضاً في قصر اليونيسكو عرض فيه أحدث اربعة اختراعات له منها ناطحة للألغام لا مثيل لها عالمياً. فهي أشبه بدبابة مصنوعة من معدن صلب يمكن التحكم فيها من بعد وتعمل على اقتفاء أثر الألغام بهدف تدميرها. وفي استطاعتها أيضاً أن تنخر الجبال وتحول صخورها حصى تستعمل في البناء. وقد استغرق صنع الناطحة عامين كاملين.
أما اختراعه الثاني فهو ساعة «وردة الزمن» التي صنعت لتوضع بجانب ساحة الشهداء في وسط بيروت لتشهد لجمال اللحظات في حياة اللبنانيين. يبلغ قطر الساعة أكثر من 18 متراً وهي الاكبر في العالم وتعمل بواسطة الأقمار الاصطناعية. كما أنها ساعة اقتصادية توفر 20 في المئة من طاقتها بفضل حركة شلالات المياه المتساقطة على جوانبها.
ويتباهى زراقط باختراعه الثالث وهو أكبر هلال في العالم يبلغ قطره 25 متراً وارتفاعه 12 متراً. أرضيته من سيراميك الفسيفساء وتخرج من قمته نافورة مياه يصل علوها إلى عشرة أمتار وتتخذ وظيفة عقرب الساعة وتعمل بدقّة كبيرة. ورغم توقفها عن العمل مع انقطاع التيار الكهربائي فانها تضبط بعدها الوقت في طريقة أتوماتيكية. وخلف الهلال، تتساقط شلالات مياه على شكل دائري تجعل الناظر من بعيد يظن أنه أمام مجسم للكرة الأرضية.
«الساعة الخيالية» اختراع زراقط الرابع وقد أذهلت فكرتها العلماء فحاروا في أمرها. انها كناية عن ستة أنابيب تتصاعد داخلها فقاعات هوائية فيما تتألف الساعة من دائرتين منفصلتين: الأولى للساعات والدقائق والثانية للثواني. يراوح طولها بين مترين وستة أمتار بحسب الطلب ويوجه إليها 24 قمراً اصطناعياً لإعطاء الوقت بدقّة. ويختلف الوقت فيها ثانية واحدة كل مليون سنة.
أما الاختراع الذي يعمل المهندس لتقديمه تكريماً للكويتيين من دون أن يحدّد هوية المسؤول الذي قد يهديه إليه فهو ناطحات سحب تكللها ساعة يبلغ قطرها 20 متراً وداخلها سبع طبقات. وقد صمّمت في الأعلى على شكل أرزة.
واللافت انه رغم اهمية الاختراعات التي قام بها زراقط فانه لم يتلق عرضاً من أي شركة أو مسؤول لبناني لتنفيذها. أما كاسحة الألغام التي أطلق عليها اسم «لبنان» فيقول انه عندما عرفت شركات ألمانية أنه يريد استثمارها في بلده من أجل إحلال السلام فيه تمنت له التوفيق ولم تخف اسفها.
ومأخذ زراقط على الدولة اللبنانية عبرت عنه إحدى الصحف التي كانت كتبت عن إنجازاته «كرمته الدنيا ولم يكرمه وطنه». فقد التقى خلال زيارته لبنان أبرز القادة السياسيين ولم يحصل على دعم أي منهم. كما زار رئيس الجمهورية ميشال سليمان طالباً منه رعاية معرضه في اليونيسكو فوافق أولاً ثم رفض، إلى أن اتخذ قرارا بان يوفد ممثلاً له. وقد طرح زراقط مشاريع عدّة على الرئيس لحل مشاكل مثل الطاقة الكهربائية وتلوث المياه والتخلص من النفايات، ويقول «أبلغت رئيس الجمهورية أن علاقتي بلبنان باتت أشبه بعلاقة شاب أغرم بفتاة وقدم اليها كل ما يستطيع ولكنها لم تبادله الشعور نفسه، فقرّر أن يحبها إلى الأبد رغم جفائها». كما وجه عتباً الى الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي أكدّ انه سيحضر افتتاح المعرض ولكنه لم يأت ولم يرسل حتى اعتذاراً.
وبعد... زراقط في اختصار هو مخترع من لبنان خاض حروباً في الخارج بسبب اسمه وهويته العربية ونجح في حصد تصفيق دولي من دون ان يحظى بتقدير وطني.
ودّعناه على وقع كلمات دعا فيها الشعب اللبناني الى استثمار عقله والابتعاد من الجهل، «هذا الوباء الاجتماعي الذي ينبغي الحذر منه بالاعتماد على انفسنا».