محمود فرج لـ «الراي»: الصفقة الأميركية - الإيرانية آتية لا محالة
ثمَّن رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية السابق في طهران السفير محمود فرج ما قامت به دول الخليج من دعوة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمشاركة في أعمال قمة مجلس التعاون الخليجي الأخيرة التي انعقدت في الدوحة. كما ثمن دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لـنجاد لأداء فريضة الحج هذا العام.
فرج، الذي رأس البعثة الديبلوماسية لبلاده في إيران خلال الفترة من 1991 إلى 1995، قال في حوار مع «الراي» : «لابد أن يجلس العرب وإيران ويناقشوا جميع المسائل والأمور التي تمس مستقبلنا معا والتوصل إلى تفاهمات حولها، معربا عن اعتقاده بأن التوصل إلى مثل هذه التفاهمات أمر ممكن».
وشدد على أن الصفقة (الأميركية - الإيرانية) آتية لا محالة إن عاجلا أو آجلا، وأنه على العرب أن يدركوا ذلك، واعتبر فرج أن زيارة مبعوث وزير الخارجية المصري حسين ضرار إلى إيران أخيرا ومباحثات رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في القاهرة قبل أيام مجرد خطوة إيجابية، مستبعدا أن تكون هذه الزيارات قد استهدفت إعادة العلاقات الديبلوماسية المقطوعة بين البلدين منذ العام 1979.
وأضاف: «إن هناك تيارا داخل البلدين يعمل في اتجاه عدم عودة العلاقات بينهما إضافة إلى أطراف إقليمية ودولية». مشيرا إلى أن هناك ملفات عدة شائكة في مقدمتها الملف الأمني لا تزال تعرقل عودة العلاقات، ودعا بلاده ألا تنتظر أن تشهد العلاقات (الأميركية - الإيرانية) صفقة لتسوية الخلاف النووي. وقال: «سيكون من الخطأ أن تنتظر مصر هذه المفاجأة لأنها ستجلب المرارة لدى الإيرانيين وبالتالي سيصبح ثمن عودة العلاقات باهظا».
وهذا نص ما دار مع الديبلوماسي المصري السابق من حوار:
• بداية... ما تقييمكم لمهمة مبعوث وزير الخارجية المصري إلى طهران، وما دلالات هذه الخطوة؟
- يمكن القول ان زيارة المبعوث المصري الموفد من قبل وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى إيران في النصف الأول من شهر ديسمبر الماضي خطوة إيجابية ومهمة لكن بصورة نسبية. وهي بالمناسبة جاءت ردا على زيارة وكيل الخارجية الإيرانية عباس عراق جي التي قام بها الصيف الماضي إلى القاهرة، وسبب قولي انها نسبية أنني لا أرى فيها تحولا مثيرا أو أنها ستحدث اختراقا في العلاقات (المصرية - الإيرانية) المقطوعة منذ العام 1979، لأن الإرادة السياسية لا تزال غير متواجدة بصورة كاملة، علاوة على وجود معوقات وأطراف عديدة تعمل ضد أي عودة كاملة لهذه العلاقات.
• لكن ثمة تقارير عديدة تكهنت بأن تكون زيارة المبعوث المصري إلى طهران قد استهدفت الترتيب لإعادة العلاقات الديبلوماسية المقطوعة بين البلدين منذ أكثر من 28 عاما، فما تقديركم؟
- لا أعتقد ذلك، وكما ذكرت هناك قضايا لا تزال تحول دون هذه الخطوة، على رأسها الملف الأمني، كما أن هناك نوعا من انعدام الثقة لا يزال قائما مع وجود تيار ليس هينا داخل البلدين يعمل لتقويض أي خطوة بهذا الاتجاه، خاصة داخل إيران.
• حتى رغما عن تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول استعداده لزيارة القاهرة وإعادة العلاقات الديبلوماسية؟
- نعم، رغم كل ما صدر عن الرئيس الإيراني.
• من خلال عملكم في طهران، في وقت سابق، ما الجهات التي تعتقد أنها تعمل ضد عودة العلاقات (المصرية - الإيرانية)؟ وهل ترى أن هناك دورا خارجيا في تعويق هذه الخطوة، وتحديدا من جانب إسرائيل وأميركا؟
- هناك أطراف عدة إقليمية وخارجية تعمل للحيلولة دون عودة العلاقات بين القاهرة وطهران. فهناك الساسانيون داخل إيران، وهم تيار متشدد للغاية، لا يريد أن ترتبط إيران بالدول العربية والعالم الإسلامي، وهناك دول عربية لا تريد عودة هذه العلاقات أو أن يكون لمصر دور فاعل بالخليج، وهناك مصلحة لأطراف شرق أوسطية باستمرار حالة الشقاق بالعلاقات (المصرية -الإيرانية).
• وماذا عن الدور (الأميركي - الإسرائيلي) تحديدا؟
ـ هذا الدور ليس خافيا، وهناك ضغوط مورست وتمارس للحيلولة دون ذلك، وهي أحد العوامل التي عطلت عودة هذه العلاقات على مدى الأعوام الماضية، لأنه ليس من مصلحة أميركا أو إسرائيل عودة هذه العلاقات، وذلك لما لمصر وإيران من ثقل على المستويين الإقليمي والإسلامي.
• تعتقدون أن هناك صفقة ستتم بين الولايات المتحدة وإيران، كيف يتسنى ذلك في ظل الخلافات والتصعيد والتهديد؟ وما هي برأيك طبيعة تلك الصفقة؟
- أؤكد أن هذه الصفقة آتية لا محالة آجلا أم عاجلا، وعلى العرب وفي مقدمتهم مصر أن يدركوا ذلك، وقد أحسنت دول الخليج بحوارها مع إيران ودعوة رئيسها إلى قمة مجلس التعاون الأخيرة التي عقدت بالدوحة، ثم دعوة خادم الحرمين الشريفين للرئيس الإيراني لأداء فريضة الحج هذا العام. ورغم جميع مظاهر الشد والجذب الظاهر بين أميركا وإيران لكن هناك حوارا قائما لم ينقطع، تحت المنضدة، وسوف يفضي إلى هذه الصفقة بتسوية جميع الخلافات، وما يؤكد ما أقول التهدئة التي نشهدها حاليا في العراق والترتيب لجولة الحوار (الأميركي -الإيراني) الثالثة بشأن العراق.
ولكل ذلك أقول إن مصر ينبغي ألا تنتظر أو تتردد في إعادة علاقتها بإيران إلى حين تتوصل واشنطن وطهران إلى هذه الصفقة، لأن إيران التي تستشعر أنها مدت يدها مرارا إلى مصر، وأبدت رغبتها لإعادة العلاقات مرات عدة، سوف تستشعر المرارة وستكون شروطها لإعادة العلاقات بعد ذلك باهظة التكلفة.
ولابد من أن يجلس العرب وإيران معا ويناقشوا جميع المسائل والأمور التي تمس مستقبلهما معا والتوصل إلى تفاهمات حولها جميعا، وأعتقد أن هذا ممكن لأن دول الخليج تريد الاستقرار ولا ترغب بأي مشاكل أو قلاقل
• لكن وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس أعلن أخيرا عن أن الدرع الصاروخية التي تسعى أميركا إلى نشرها في أوروبا موجهة ضد إيران التي اعتبرها وبرنامجها النووي مصدر التهديد الحقيقي للشرق الأوسط والخليج؟
ـ هذه التصريحات مجرد حرب في الهواء لا قيمة لها، وهي تخفي الحوار الذي قلت إنه قائم بين الجانبين، سواء الحوار بشأن العراق، والذي يجري ترتيب الجولة الثالثة منه، أو الذي يجري بصورة غير معلنة منذ أعوام.
• هذا يعني أنكم ترون أن الولايات المتحدة لن تقدم على توجيه ضربة عسكرية إلى إيران؟
- بالتأكيد، لأن واشنطن تدرك أن أي عمل عسكري ضد إيران سيكون مكلفا لها وسوف يحملها ثمنا غاليا بعد الهزائم والخسائر الضخمة التي منيت بها قواتها في العراق وأفغانستان، وذلك أدى إلى تراجع بمواقفها لمصلحة إيران وسورية، اللتين أوصى تقرير لجنة (بترايوس ـ هاملتون) عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة بالعراق، على أهمية الحوار مع دمشق وطهران. ويتعين ألا ننسى أن إيران عضو بمعاهدة حظر الانتشار النووي، ووقعت البروتوكول الإضافي وسمحت بالتفتيش المفاجئ على منشآتها بما في ذلك منطقة لوسان، ما يعني أنها تبدي مرونة كبيرة في التعامل مع هذه المشكلة.
• في تصوركم هل تأخر إعادة العلاقات مسؤولية مصرية أم إيرانية؟
ـ مسؤولية مشتركة للبلدين معا، وكما ذكرت لا تزال الإرادة السياسية الكاملة غائبة وغير متوافرة رغم كل ما هو معلن، ورغم اللقاءات التي تتم والزيارات المتبادلة من آن لآخر.
• هل تعتقد أن المشكلة تكمن في عدم وجود قرار استراتيجي لأي من البلدين في شأن إعادة العلاقات؟
ـ أرى أن هذا الأمر لا يشكل أولوية للبلدين، ولكل منهما حساباته وأولوياته، ورغم أن هناك حديثا متبادلا عن احترام كل منهما للآخر وخاصة بين القيادات، لكن اللقاءات وحتى الحوارات ليست كافية من دون أن تكون مقرونة برغبة لاتخاذ قرار استراتيجي يعيد هذه العلاقات إلى طبيعتها.
• أخيرا ماذا عن مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين ؟
للأسف هي علاقات ضيقة، فالتعاون التجاري بين مصر وإيران محدود للغاية، وهو يقتصر على التفاح الإيراني الذي يأتي إلى مصر مهربا من بعض التجار عبر دبي، ومصانع السكر التي أقامتها مصر لمبادلتها بالديون الإيرانية. هذا مع أن هناك إمكانيات ضخمة تؤهل لقيام تعاون كبير يخدم مصلحة الطرفين من خلال المشروعات المشتركة بالمناطق الاستثمارية الحرة في البلدين.