قبل عقد وزيادة من الزمن، قررت في لحظة عابرة، أن ادخل غمار سوق الأسهم... خصوصاً أنه لا يحتاج سوى لرأسمال بسيط وولد ألمعي مثلي، فليس هناك عمالة، ولا مفتش شؤون، ولا بلدية، ولا رخصة تجارية، ولا حصبة، ولا جدري، ولا يحزنون. وكان المبلغ المقسوم الذي دخلت به هو 6000 دينار، ودينار ينطح دينار، وبالنسبة لمن يقولون ان هذا المبلغ زهيد اقول لهم أنه أصلاً كان قرضاً وليس راسمال، ويشكل 300 في المئة من كامل ثروتي في تلك الحقبة السحيقة أو (المحيقة)، المهم أنني استعنت بالله واسترجعت ما درسته في علم الاقتصاد، فأنا خريج كلية الاقتصاد العريقة في الكويت ولا شخر ولا فخر، ووسعت قراءاتي فتناولت كتاب «كيف تصبح مليونيراً» وكتاب «وداعاً للفقر»، وموسوعة «البورصات العالمية بين يديك»، وقصة «ليلى والذئب» وبعض السير المفيدة كسيرة حياة بيل جيبس، وسيرة عنترة، وسيرة الزير(مدحت)، للكاتب المصري حنفي أبو الفلوس.
حانت ساعة الصفر وذهبت إلي البورصة متلثماً خوفاً من التعرف عليّ من قبل المتداولين في السوق فيكون أثر ذلك سلبياً على أدائها! وضعت المبلغ في البورصة وسط تهليل المتداولين وتكبيراتهم فقد صعد المؤشر واخضرت الدنيا في عيونهم، كان ذلك في يوم الاثنين الموافق العاشر من سبتمبر لعام 2001، لم أنم تلك الليلة فقد قضيتها في حساب الأرباح وكيفية توزيعها بعدالة على شؤوني الخاصة، ولكن القدر كان لي بالمرصاد فقد هدمت أبراج التجارة العالمية على رؤؤس أصحابها في اليوم التالي مباشرة فانهارت البورصة وبكل مَنْ فيها. هرعت كما هرع الجميع لبيع ما يمكن بيعه، ولكن عبثاً، فالكل في ذلك اليوم باعة متجولون، فاحمرت الدنيا في عيون المتداولين واستعاذوا بالله من هذا اليوم الرجيم. تركت البورصة فلا أمل في الربح ولا حتى في البيع، فعادت للارتفاع خلسة، وببطء السلحفاة وخبث الثعلب المتمرس، ولم تصل الأسعار حتى إلى نصف مستوياتها السابقة.
ما كادت البورصة ترتفع حتى تعرض أحد الكبار المهمين في الدولة إلى وعكة صحية مفاجئة، فتوعكت البورصة أيضاً، ورحنا نلاحق الأسعار المتهاوية، ولكنها كانت أسرع من الجميع، فتحير الناس في هذه البورصة المأثومة التي تبيعك ولا تشتري منك!
كان يوم دخولي يوماً أغبر عليّ، وعلى الرعيل الأول، فقد خرجنا من البورصة غير آسفين بعد أن خسرنا المعركة بروح رياضية عالية، ونفسية هابطة.
تذكرت قول تشرشل سامحه الله... لقد خسرنا معركة ولم نخسر الحرب فعدت بعد عام تقريباً بمبلغ يضاهي المبلغ الأول وزيادة دينار ولكني هذه المرة قرأت التحليل الفني، والتحليل المالي، والتحليل العيالي، والتحليل النفسي، والتحليل الطبي حتى لقبت بالأستاذ (الحل عندي)! فالدرس السابق كان قاسياً بدرجة متوحشة... وضعت المقسوم في البورصة ولم أستطع إخراجه حتى هذه اللحظة!
لم يهدأ لي بال ولم يستقم لي حال بعد ذلك اليوم، ورحت أردد قصيدة كليب بن ربيعة «لا تصالح لا تصالح... وخصوصاً على المصالح»، فعدت أقلب الكتب والمراجع وشمل بحثي هذه المرة كتب التراث، وكتب الحيوان، وكتب الهزائم العربية المجيدة فرجعت الى هزيمة ثمان وأربعين، وهزيمة ستة وخمسين، وسبعة وستين، والهزائم المتوقعة في الفين وخمسة عشر والفين وعشرين، والفين وكذا (إيين) فلم أجد فيها شيئاً منكراً، فأكملت البحث المرير، مرة واقفاً، ومرة على السرير، حتى وجدتها أخيراً في كتاب التنجيم للعلامة المتين ابن قمر الدين، ووجدت أسس البورصة في كتب الأطفال! فما يحدث في البورصة هو مأخوذ من لعبة الأطفال الشهيرة (الغميضة) أي تلعب مغمضاً عينيك لتصل الى هدفك أو الحفرة التي أعدت لك. ويا سبحان الله يضع سره في أضعف خلقه فقد اتفقت كتب الأطفال مع رأي المنجمين الاقتصاديين حين اعترفوا مكرهين على أن سوق الأسهم هو عبارة عن مقامرة بكل المقاييس، يصعب التنبؤ بنتائجها، حيث لا يوجد منطق اقتصادي يستند عليه، خصوصاً في الكويت، ولا أي معلومات حقيقة عن الشركات المدرجة، ومن يفكر في دخول سوق الأسهم في الكويت عليه أن يقبل بأهم شروطه وهي اللعب معصوب العينيين!
فهيد البصيري
Albus.fahad @hotmail.com