نادراً جداً أن يمر يوم أو أسبوع دون أن ترى فضائح مالية مجلجلة، فقد أصبح التعدي على المال العام أمراً طبيعياً لدى من باع دينه وآخرته، فما يشغل باله هو زيادة الرصيد البنكي، دون أن يردعه رادع أو يوقفه أحد، وقديماً قيل من أمن العقوبة أساء الأدب، فلولا الأمان الذي يشعر به السارق من رؤسائه لما تجرأت يده على السرقة، ولكن، غاب الوازع والضمير، فأصبحت الأيدي ترتع دون خوف أو وجل! فالبعض هنا لم يعد لديه هم سوى تكديس الأموال إما عن طريق النفوذ وما يمهده ذلك من نيل المناقصات بطرق ملتوية، ومخالفة القوانين، وإما وكما أسلفنا بمد اليد إلى المال الحرام مباشرة!
أعجبتني قصيدة رائعة جداً، وذات معان سامية لسيدنا الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، مليئة بالحكم والمواعظ، وتدعو إلى ترك زخارف الدنيا ومتاعها الزائل:
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت
أن السعادة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكُنها
إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنُه
وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها
ودورنا لخراب الدهر نبنيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة
حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
فكم مدائنٍ في الآفاق قد بنيت
أمست خرابا وأفنى الموت أهليها
لا تركنن إلى الدنيا وما فيها
فالموت لا شك يُفنينا ويُفنيها
لكل نفس وإن كانت على وجلٍ
من المنية آمالٌ تقويها
المرء يبسطها والدهر يقبضُها
والنفس تنشرها والموت يطويها
إنما المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ
الدين أولها والعقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها
والجود خامسها والفضل سادسها
والبر سابعها والشكر ثامنها
والصبر تاسعها واللين باقيها
والنفس تعلم أني لا أصادقها
ولست أرشدُ إلا حين أعصيها
واعمل لدار غدا رضوانُ خازنها
والجار أحمد والرحمن ناشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها
والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها
أنهارها لبنٌ محضٌ ومن عسل
والخمر يجري رحيقاً في مجاريها
والطير تجري على الأغصان عاكفة
تسبح الله جهراً في مغانيها
من يشتري الدار في الفردوس يعمرها
بركعةٍ في ظلام الليل يحييها
دعوة صادقة تدعو إلى إحياء النفوس قبل الممات، وتزكيتها بطاعة الخالق وترك المعاصي، فلا يغرنك أيها السارق الأمل، فلا تعلم متى يحين الأجل، ولك في الأولين عبرة، فتدارك نفسك وأرجع الحقوق إلى أهلها، فقد تحين ساعتك بغتة!
مبارك محمد الهاجري
كاتب كويتي
[email protected]