أشقاء... من الطفولة إلى الشهرة
عزالدين وصلاح ذو الفقار... أشهر شقيقين في السينما المصرية / 14
بوستر فيلم «امرأة في الطريق»
عزالدين ذو الفقار
صلاح ذو الفقار
|القاهرةـ - من مختار محمود|
أي أسرة في أي مكان... تجتاحها السعادة، عندما يحقق أحد أفرادها نجاحا، يجلب عليه الشهرة، ويضعه تحت الأضواء، نجما متوهجا، يشار إليه بالبنان في مجاله أو مجتمعه وحتى خارجه، وتتهافت على نشر أخباره الصحف والمجلات، ومن ثمَّ يكون مثار فخر لها واعتزازا ليس لأسرته أو مجتمعه الصغير وفقط، ولكن قد يكون لدولته وأمته.
ولكن تلك السعادة سوف تتضاعف... عندما ينجح شقيقان، ويتألقان في مجال عملهما، ويغدوان نجمين في سماء الشهرة والذيوع، وهناك نماذج عربية وغربية من هنا أو من هناك. حققت تلك المعادلة الصعبة، تغلبت على العقبات، وحفرت في الصخر، ووصلت إلى قمة النجومية، وذروة التوهج، حتى انها ظلت باقية في الذاكرة، بالرغم من مرور عقود عدة على رحيلها.
النماذج التي نرصدها لأشقاء أو إخوة مشاهير، تتوزع بين العلم والسياسة والرياضة، والفن، ويجسد كل نموذج منها نبراسا للتحدي والإصرار على النجاح والتميز، ولاسيما أن معظم تلك النماذج، ولدت في أجواء صعبة لا تعرف رفاهية العيش، ولا لذة الحياة، وهو ما دفعها في البداية إلى تحقيق المستحيل، ثم ضاعف سعادتها، عندما وصلت إلى ما وصلت إليه.
ونعرض في تلك الحلقات لأشهر الأشقاء والإخوة... الذين حققوا الشهرة سواء في مجال واحد، أو مجالين مختلفين، فهناك من تألق فنيا «الأخوان رحباني» و«الشقيقان الأطرش»، وهناك من توهج رياضيا مثل «التوأم حسن».
كما أن هناك أشقاء... شقَّ كل منهم طريقه في الحياة في مجال مختلف، ووصل إلى قمة النجاح والتألق «الشقيقان الباز مثال حي»، كما نرصد بدايات كل منهما، وكيف كانت دافعا لهما للإبحار ضد الصعاب والعقبات وتجاوزها، وتحقيق النجاح والشهرة والخلود في ذاكرة البشر، باعتبارهما دليلا حيا على الإصرار والتحدي.
وفي السطور حكايات... تعرفنا عليها... ومواقف توقفنا عندها... وصور نادرة تحكي مسيرة الأشقاء.
صلاح ذوالفقار وعزالدين ذوالفقار... اسمان من الأسماء اللامعة في تاريخ السينما المصرية وهما شقيقان أولهما ممثل رائع قدم أهم الأدوار وأروعها وكان واحدا من نجوم السينما العربية في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
والثاني مخرج مبدع أخرج عددا من الأفلام التي لا تنسى وستظل أفلامه من العلامات المضيئة في تاريخ السينما المصرية والعربية.... لأنه كان يملك إحساسا فنيا راقيا كان يظهر على الشاشة في جميع أفلامه التي قدمها.
عز الدين ذو الفقار من مواليد العام 1919، وهو العام الذي شهد حدوث أول ثورة شعبية في تاريخ مصر... نشأ عز الدين في أسرة فنية عريقة، وكان 3 من الأسرة يعملون في المجال الفني بفروعه المختلفة.
من البداية اختار عز الدين طريقه وحدد هدفه واختار أن يكون مخرجا سينمائيا... يقود الفنانين مثل قائد الأوركسترا لتعزف فرقته أجمل الألحان وبالفعل نجح عزالدين في أن يمتع المشاهد المصري والعربي بمجموعة من الأفلام الرائعة.
كان عز الدين قبل أن يسلك طريق الفن يعمل ضابطا، لكن طبيعته الرومانسية وحبه للفن جعلاه يقدم استقالته من عمله وكان وصل إلى رتبة «نقيب» ليتجه للعمل بالسينما في المجال الذي أحبه من صغره ويفهم فيه عن غيره من المجالات.
مخرج مبدع
بدأ عز الدين ذوالفقار مشواره الفني - حسب قاعدة بيانات الأفلام العربية - بالعمل مساعدا للمخرج محمد عبد الجواد... إلا أنه وبعد فترة قصيرة جدا أصبح واحدا من المخرجين القلائل الذين تتهافت عليهم شركات الإنتاج ليخرجوا أفلامها.
بالرغم من أن فارق السن بين صلاح ذوالفقار وعزالدين لا يتجاوز 7 سنوات... إلا أن البدايات بينهما تكاد تكون متطابقة بشكل كبير... فصلاح المولود بمدينة المحلة بمحافظة الغربية في يناير من العام 1926 عمل في بداية حياته العملية مدرسا في كلية الشرطة بعد تخرجه منها مباشرة.
إلا أنه قرر هو الآخر ترك عمله واتجه لمجال الفن وجسد ببطولة عددا كبيرا من الأفلام السينمائية بعضها من العلامات المضيئة في تاريخ السينما المصرية... ولم يكتف صلاح بالتمثيل فقط وإنما قرر أن يخوض مجال الإنتاج الفني وبالفعل استطاع أن ينتج مجموعة من الأفلام المميزة وحصل على جائزة «أفضل منتج» عن فيلمه «أريد حلا».
القواسم المشتركة بين صلاح وعزالدين كثيرة... ومنها أن كلا منهما تزوج أكثر من مرة فصلاح تزوج 4 مرات اثنتان منهما من الوسط الفني هما الفنانة المعتزلة شادية والفنانة الراحلة زهرة العلا، بالإضافة لزوجتين أخريين من خارج الوسط الفني... بينما تزوج عزالدين ذوالفقار من سيدة الشاشة العربية الفنانة فاتن حمامة التي عمل معها في أكثر من فيلم وكذلك كان لعز الدين زوجات من خارج الوسط الفني.
وعز الدين ذوالفقار بدأ مسيرته الاخراجية في أول أفلامه العام 1947 بفيلم «أسير الظلام» الذي حقق نجاحا كبيرا، وأعلن عن ميلاد مخرج جديد ينتظره مستقبل باهر... بعد نجاح هذا الفيلم تزوج عزالدين من فاتن حمامة التي عملت معه في مجموعة كبيرة من الأفلام بدأت بفيلم «أبوزيد الهلالي» العام 1947 الذي أتي بعده عدة أفلام سينمائية متميزة أهمها «أنا الماضي» العام 1951، و«سلوا قلبي» العام 1952، و«موعد مع الحياة» العام 1953، و«موعد مع السعادة» العام 1954، و«طريق الأمل» العام 1957، و«بين الأطلال» العام 1959، و«نهر الحب» العام 1960، وهو آخر أفلامهما معا قبل انفصالهما وزواج فاتن حمامة الشهير بعد ذلك من عمر الشريف وأخيرا «الشموع السوداء» العام 1962.
نشأة سياسية
مولد عز الدين ذوالفقار كان العام 1919 بالتحديد في 28 أكتوبر في مرحلة حرجة من تاريخ مصر تزامن اندلاع ثورة سعد زغلول... وقد ساهمت هذه النشأة في الإحساس العالي بالوطنية عند عز الدين... الذي صادفت الاقدار أن يولد ومعه إحساس فياض بالوطنية... بعد أن تجاوز مرحلة الصبا المبكرة والمراهقة... قرر أن يصارع المستعمر الأجنبي بالأيدي وشارك في أكثر من معركة دفاعا عن أبناء بلده قتل وأصاب عددا لا بأس به من الجنود الإنكليز.
كان ذلك في الثلاثينات من القرن الماضي... وكان «عز» لا يزال طالبا في المدرسة الثانوية... ورغم قلة ساعات المذاكرة إلا انه كان طالبا متفوقا... وبسبب تفوقه حصل على مجانية التعليم «كان نظاما معمولا به قبل الثورة يسمح لأبناء الطبقة المتوسطة بالحصول على التعليم مجانا من دون دفع المصاريف التي كانت مقررة في ذلك الوقت» وقرر والده أن يكافئه على تفوقه هذا فأعطاه الأموال التي كان سيدفعها لو لم يكن عز متفوقا.
ولأن عز ومنذ صغره كان يملك عقلا ناضجا - كما نشرت مجلة أخبار النجوم المصرية - ويعرف كيف يحسب الأمور بشكل صحيح فإنه قرر أن ينفق هذه الأموال على شراء الكتب ومشاهدة الأفلام السينمائية... ومن خلال قراءته لهذه الكتب أحب علوم الفلك والروحانيات وكان - كما حكت الفنانة فاتن حمامة في أحد حواراتها عنه - يجد متعة كبيرة في قراءة العلوم الإنسانية التي تحاول كشف المجهول في النفس البشرية.
لم يكن «عز الدين ذوالفقار» يدرك أن حبه لقراءة علوم الفلك والروحانيات مع الشعر والقصة سوف يمنحه عمقا في مراحل تكوينه الأولى يظل بعدها قادرا على الإشعاع الفني، كان يقرأ لأنه فقط يعشق القراءة ويحبها.
كانت الروح الوطنية التي اكتسبها منذ فترة مبكرة في حياته هي التي دفعته للالتحاق بالجيش ليتخرج في الكلية الحربية ضابطا مشهودا له بالكفاءة والانضباط... ويصل إلى رتبة «نقيب» وتختاره الأقدار للسينما ليغير مصير حياته وليصبح واحدا من أفضل وأهم المخرجين على مدار تاريخ السينما المصرية.
ارتبط عز الدين ذوالفقار بالمخرج الراحل «كمال سليم» رائد الأفلام الواقعية المصرية وكانت بينهما حوارات في الفكر والأدب، وقال له كمال سليم: إن تكوينك الأدبي والفكري هو تكوين مخرج سينمائي ولكن لم يتحمس عز لدعوة كمال سليم له بأن يبدأ بالتعرف عن قرب على مفردات السينما، وظلت علاقته بالسينما علاقة هاوٍ يشاهد بعض الأفلام لكنه لايزال يفضل القراءة في علوم الفلك والقصة ويحب السينما.
في العام 1945رحل كمال سليم وفي العام نفسه رحل أيضا والد عزالدين ذوالفقار وهو ما أثر فيه كثيرا لارتباطه بهما.
كان كمال سليم هو الصديق الأقرب له، وجاء رحيل الوالد بمثابة رحيل الصديق الأكبر... فقد الاثنين معا، صديقا قريبا من قلبه «والده» وصديقا قريبا من عقله «كمال سليم».
تغيير مسار
كان السؤال الذي يلح على عزالدين ذو الفقار... هو كيف لرجل دخل الجيش وأصبح ضابطا ورهن نفسه للدفاع عن الوطن أن يغير مسار حياته... وأن يتحول إلى الفن بالرغم من اقتناعه بنبل رسالة الفنان واهميتها التي لاتقل عن رسالة المحارب في ميدان القتال... إلا أن المخرج «محمد عبد الجواد»... مساعد الراحل كمال سليم.
والذي كان هو الآخر عضوا في جلسات عز وكمال... استطاع أن يقنعه بترك عمله والاتجاه إلى السينما... وبدأ عز العمل كمساعد مخرج مع «محمد عبد الجواد» والغريب أن «محمد عبد الجواد» أصبح بعد ذلك مساعدا لعز في العديد من الأفلام.
لم تكن السينما بعيدة عن عائلة «عزالدين ذوالفقار» وذلك لأن شقيقه الأكبر «محمود» كان قد سبقه للسينما ككاتب سيناريو منذ مطلع الأربعينات من القرن الماضي... والغريب أن الشقيقين بدآ في نفس العام 1947 مشوار الإخراج... حيث أخرج «عز» فيلم «أسير الظلام» بينما أخرج «محمود» فيلم «هدية»، واشتركا أيضا في هواية التمثيل ولكن أي منهما لم يحقق نجاحا يذكر في هذا المجال حيث كان النجاح من نصيب الشقيق الثالث الأصغر «صلاح ذوالفقار».
بدأ الإخراج في نفس العام الذي بدأ فيه «عز» كل من «صلاح أبو سيف» في العام 1946 و«حسن الإمام» 1947، وبعد ذلك ببضع سنوات انضم لهم «فطين عبد الوهاب» و«يوسف شاهين» و«عاطف سالم» و«كمال الشيح»... وكان هؤلاء هم المخرجون اللامعون في سينما الخمسينات والذين أطلق عليهم اسم «شباب السينما» الذين قدموا للسينما أفلاما نافست الجيل الأسبق مثل «أحمد بدرخان» و«محمد كريم» و«نيازي مصطفى» و«هنري بركات».
أفضل مخرج
في نهاية الخمسينات أجرت مجموعة فنية متخصصة في استفتاء عن أفضل المخرجين ومن بين 2000 صوت حصل «عز الدين ذوالفقار» على 1140 صوت بنسبة 57 في المئة وتتابعت الأسماء بعد ذلك بفروق كبيرة.
أفلام «عز الدين ذوالفقار» حطمت عدد أسابيع العرض ففيلم مثل «رد قلبي» العام 1957، استمر عرضه 6 أسابيع في القاهرة و5 في الإسكندرية، وكان الحد الأقصى لعرض الأفلام في تلك السنوات 4 أسابيع في القاهرة و3 في الإسكندرية.
وعندما قامت ثورة يوليو ارتبط بها عز الدين ذوالفقار على الرغم من أنه لم يكن من بين رجال الثورة حيث إنه استقال من الجيش في منتصف الأربعينات لكنه كان قريبا منهم يعرفهم بحكم رفقة السلاح الأولى.
رحيل مبكر
مات عزالدين ذو الفقار في سن صغيرة قبل أن يكمل عامه الرابع والأربعين، ولكنه قدم 33 فيلما روائيا منحها إحساسه وعمره القصير ومنحته هذه الأفلام سنوات عديدة تعيش بعده لتخلد ذكراه... هذه الأفلام ستظل ذكرى جميلة تذكرنا دائما بمخرج رائع كان يحاول تقديم أكبر قدر من الأفلام كل عام... وكأنه كان يعرف أن عمره قصير فأراد أن يمتع جمهوره بكل مايملكه من موهبة، وعُرف بصانع الحب وفارس الرومانسية حسب صحيفة «الشرق الأوسط».
شراكة عائلية
أما صلاح ذو الفقار فولد في المحلة الكبرى «وسط دلتا مصر» وتخرج في كلية الشرطة العام 1946. وعمل لفترة قصيرة ضابطا للشرطة بشبين الكوم بمحافظة المنوفية «شمال دلتا مصر» ثم عمل بسجن طرة.إلى أن تم تعيينه للعمل مدرسا بكلية الشرطة العام 1949 إلا أنه قدم استقالته من الخدمة في عام1957.
وفي العام 1947 حصل على بطولة الجمهورية في الملاكمة «وزن الريشة»... وفي عام 1951 اشترك متطوعًا ضد الاحتلال الإنكليزي في معركة الإسماعيلية وكان أحد أبطالها... وحصل على نوط الواجب تقديرًا لدوره الوطني في معارك العدوان الثلاثي العام1956... وكان والده ضابط شرطة برتبة أميرالاي «عميد» وكان ترتيبه الرابع بين إخوته الخمسة «محمود ذو الفقار» و«عز الدين ذو الفقار» و«كمال ذو الفقار» و«ممدوح ذو الفقار».
بدأ صلاح مشواره الفني العام 1957 بمساعدة أخيه المخرج «عز الدين ذو الفقار» - بحسب سينما العرب وكان أول أفلامه «عيون سهرانة» مع شادية وعبد الوارث عسر. ثم فيلم «رد قلبي» مع شكري سرحان ومريم فخر الدين، وهما من إخراج أخيه عز الدين ذو الفقار.
ثم كون شركة إنتاج مع شقيقه «عز الدين ذو الفقار» وقدما من خلالها العديد من الأفلام الناجحة مثل «بين الأطلال» و«الرجل الثاني» وبعد وفاة عز الدين ذو الفقار العام 1963 واصل هو الإنتاج ليقدم العديد من الأفلام منها «شيء من الخوف»، و«أغلي من حياتي»، و«مراتي مدير عام» و«أريد حلا».
وقدم خلال رحلته الفنية 250 فيلما سينمائيا. اشترك صلاح ذو الفقار العام1964 في فيلم إيطالي - ألماني مشترك وقدم للمسرح نحو 8 مسرحيات منها«رصاصة في القلب» ومسرحية «روبابكيا» مع فرقة تحية كاريوكا، و«زوجة واحدة تكفي» و«مجنون عاقل جدا» و«جوازة بمليون جنيه».
وكانت آخر مسرحياته «انتبهوا أيها الأزواج» مع ليلى طاهر. وقدم للتلفزيون عددا كبيرا من المسلسلات والأفلام التلفزيونية من أشهر أعماله في التلفزيون: مسلسل «عودة الروح» و«النساء يعترفن سرًّا»، و«الرجل يصارع القمر»، و«عائلة شلش» و«الجزء الثاني من مسلسل رأفت الهجان، ومحمد رسول الله» و«غاضبون وغاضبات» وقدم الفيلم التلفزيوني «الطريق إلى إيلات».
وحصل صلاح على العديد من جوائز التمثيل كأحسن ممثل عن أفلامه «أغلى من حياتي» و«الأيدي الناعمة» و«كرامة زوجتي» و«زيارة سرية» و«الطاووس» وحصل على جائزة الإنتاج عن فيلم «أريد حلا». كان وكيل أول نقابة الممثلين العام 1968. تزوج الفنان صلاح ذو الفقار 4 مرات. كانت أولى زوجاته... السيدة «ببة» أم أولاده: المهندس مراد والمحامية منى. ثم تزوج الفنانة «زهرة العلا» وبعدها «شادية»، وأخيرًا السيدة: بهيجة مقبل، وتوفي الفنان الكبير في العام 1993 تاركا وراءه سجلا حافلا من الإبداع سوف يخلده التاريخ، مثلما خلد إبداعات شقيقه محمود.
أي أسرة في أي مكان... تجتاحها السعادة، عندما يحقق أحد أفرادها نجاحا، يجلب عليه الشهرة، ويضعه تحت الأضواء، نجما متوهجا، يشار إليه بالبنان في مجاله أو مجتمعه وحتى خارجه، وتتهافت على نشر أخباره الصحف والمجلات، ومن ثمَّ يكون مثار فخر لها واعتزازا ليس لأسرته أو مجتمعه الصغير وفقط، ولكن قد يكون لدولته وأمته.
ولكن تلك السعادة سوف تتضاعف... عندما ينجح شقيقان، ويتألقان في مجال عملهما، ويغدوان نجمين في سماء الشهرة والذيوع، وهناك نماذج عربية وغربية من هنا أو من هناك. حققت تلك المعادلة الصعبة، تغلبت على العقبات، وحفرت في الصخر، ووصلت إلى قمة النجومية، وذروة التوهج، حتى انها ظلت باقية في الذاكرة، بالرغم من مرور عقود عدة على رحيلها.
النماذج التي نرصدها لأشقاء أو إخوة مشاهير، تتوزع بين العلم والسياسة والرياضة، والفن، ويجسد كل نموذج منها نبراسا للتحدي والإصرار على النجاح والتميز، ولاسيما أن معظم تلك النماذج، ولدت في أجواء صعبة لا تعرف رفاهية العيش، ولا لذة الحياة، وهو ما دفعها في البداية إلى تحقيق المستحيل، ثم ضاعف سعادتها، عندما وصلت إلى ما وصلت إليه.
ونعرض في تلك الحلقات لأشهر الأشقاء والإخوة... الذين حققوا الشهرة سواء في مجال واحد، أو مجالين مختلفين، فهناك من تألق فنيا «الأخوان رحباني» و«الشقيقان الأطرش»، وهناك من توهج رياضيا مثل «التوأم حسن».
كما أن هناك أشقاء... شقَّ كل منهم طريقه في الحياة في مجال مختلف، ووصل إلى قمة النجاح والتألق «الشقيقان الباز مثال حي»، كما نرصد بدايات كل منهما، وكيف كانت دافعا لهما للإبحار ضد الصعاب والعقبات وتجاوزها، وتحقيق النجاح والشهرة والخلود في ذاكرة البشر، باعتبارهما دليلا حيا على الإصرار والتحدي.
وفي السطور حكايات... تعرفنا عليها... ومواقف توقفنا عندها... وصور نادرة تحكي مسيرة الأشقاء.
صلاح ذوالفقار وعزالدين ذوالفقار... اسمان من الأسماء اللامعة في تاريخ السينما المصرية وهما شقيقان أولهما ممثل رائع قدم أهم الأدوار وأروعها وكان واحدا من نجوم السينما العربية في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
والثاني مخرج مبدع أخرج عددا من الأفلام التي لا تنسى وستظل أفلامه من العلامات المضيئة في تاريخ السينما المصرية والعربية.... لأنه كان يملك إحساسا فنيا راقيا كان يظهر على الشاشة في جميع أفلامه التي قدمها.
عز الدين ذو الفقار من مواليد العام 1919، وهو العام الذي شهد حدوث أول ثورة شعبية في تاريخ مصر... نشأ عز الدين في أسرة فنية عريقة، وكان 3 من الأسرة يعملون في المجال الفني بفروعه المختلفة.
من البداية اختار عز الدين طريقه وحدد هدفه واختار أن يكون مخرجا سينمائيا... يقود الفنانين مثل قائد الأوركسترا لتعزف فرقته أجمل الألحان وبالفعل نجح عزالدين في أن يمتع المشاهد المصري والعربي بمجموعة من الأفلام الرائعة.
كان عز الدين قبل أن يسلك طريق الفن يعمل ضابطا، لكن طبيعته الرومانسية وحبه للفن جعلاه يقدم استقالته من عمله وكان وصل إلى رتبة «نقيب» ليتجه للعمل بالسينما في المجال الذي أحبه من صغره ويفهم فيه عن غيره من المجالات.
مخرج مبدع
بدأ عز الدين ذوالفقار مشواره الفني - حسب قاعدة بيانات الأفلام العربية - بالعمل مساعدا للمخرج محمد عبد الجواد... إلا أنه وبعد فترة قصيرة جدا أصبح واحدا من المخرجين القلائل الذين تتهافت عليهم شركات الإنتاج ليخرجوا أفلامها.
بالرغم من أن فارق السن بين صلاح ذوالفقار وعزالدين لا يتجاوز 7 سنوات... إلا أن البدايات بينهما تكاد تكون متطابقة بشكل كبير... فصلاح المولود بمدينة المحلة بمحافظة الغربية في يناير من العام 1926 عمل في بداية حياته العملية مدرسا في كلية الشرطة بعد تخرجه منها مباشرة.
إلا أنه قرر هو الآخر ترك عمله واتجه لمجال الفن وجسد ببطولة عددا كبيرا من الأفلام السينمائية بعضها من العلامات المضيئة في تاريخ السينما المصرية... ولم يكتف صلاح بالتمثيل فقط وإنما قرر أن يخوض مجال الإنتاج الفني وبالفعل استطاع أن ينتج مجموعة من الأفلام المميزة وحصل على جائزة «أفضل منتج» عن فيلمه «أريد حلا».
القواسم المشتركة بين صلاح وعزالدين كثيرة... ومنها أن كلا منهما تزوج أكثر من مرة فصلاح تزوج 4 مرات اثنتان منهما من الوسط الفني هما الفنانة المعتزلة شادية والفنانة الراحلة زهرة العلا، بالإضافة لزوجتين أخريين من خارج الوسط الفني... بينما تزوج عزالدين ذوالفقار من سيدة الشاشة العربية الفنانة فاتن حمامة التي عمل معها في أكثر من فيلم وكذلك كان لعز الدين زوجات من خارج الوسط الفني.
وعز الدين ذوالفقار بدأ مسيرته الاخراجية في أول أفلامه العام 1947 بفيلم «أسير الظلام» الذي حقق نجاحا كبيرا، وأعلن عن ميلاد مخرج جديد ينتظره مستقبل باهر... بعد نجاح هذا الفيلم تزوج عزالدين من فاتن حمامة التي عملت معه في مجموعة كبيرة من الأفلام بدأت بفيلم «أبوزيد الهلالي» العام 1947 الذي أتي بعده عدة أفلام سينمائية متميزة أهمها «أنا الماضي» العام 1951، و«سلوا قلبي» العام 1952، و«موعد مع الحياة» العام 1953، و«موعد مع السعادة» العام 1954، و«طريق الأمل» العام 1957، و«بين الأطلال» العام 1959، و«نهر الحب» العام 1960، وهو آخر أفلامهما معا قبل انفصالهما وزواج فاتن حمامة الشهير بعد ذلك من عمر الشريف وأخيرا «الشموع السوداء» العام 1962.
نشأة سياسية
مولد عز الدين ذوالفقار كان العام 1919 بالتحديد في 28 أكتوبر في مرحلة حرجة من تاريخ مصر تزامن اندلاع ثورة سعد زغلول... وقد ساهمت هذه النشأة في الإحساس العالي بالوطنية عند عز الدين... الذي صادفت الاقدار أن يولد ومعه إحساس فياض بالوطنية... بعد أن تجاوز مرحلة الصبا المبكرة والمراهقة... قرر أن يصارع المستعمر الأجنبي بالأيدي وشارك في أكثر من معركة دفاعا عن أبناء بلده قتل وأصاب عددا لا بأس به من الجنود الإنكليز.
كان ذلك في الثلاثينات من القرن الماضي... وكان «عز» لا يزال طالبا في المدرسة الثانوية... ورغم قلة ساعات المذاكرة إلا انه كان طالبا متفوقا... وبسبب تفوقه حصل على مجانية التعليم «كان نظاما معمولا به قبل الثورة يسمح لأبناء الطبقة المتوسطة بالحصول على التعليم مجانا من دون دفع المصاريف التي كانت مقررة في ذلك الوقت» وقرر والده أن يكافئه على تفوقه هذا فأعطاه الأموال التي كان سيدفعها لو لم يكن عز متفوقا.
ولأن عز ومنذ صغره كان يملك عقلا ناضجا - كما نشرت مجلة أخبار النجوم المصرية - ويعرف كيف يحسب الأمور بشكل صحيح فإنه قرر أن ينفق هذه الأموال على شراء الكتب ومشاهدة الأفلام السينمائية... ومن خلال قراءته لهذه الكتب أحب علوم الفلك والروحانيات وكان - كما حكت الفنانة فاتن حمامة في أحد حواراتها عنه - يجد متعة كبيرة في قراءة العلوم الإنسانية التي تحاول كشف المجهول في النفس البشرية.
لم يكن «عز الدين ذوالفقار» يدرك أن حبه لقراءة علوم الفلك والروحانيات مع الشعر والقصة سوف يمنحه عمقا في مراحل تكوينه الأولى يظل بعدها قادرا على الإشعاع الفني، كان يقرأ لأنه فقط يعشق القراءة ويحبها.
كانت الروح الوطنية التي اكتسبها منذ فترة مبكرة في حياته هي التي دفعته للالتحاق بالجيش ليتخرج في الكلية الحربية ضابطا مشهودا له بالكفاءة والانضباط... ويصل إلى رتبة «نقيب» وتختاره الأقدار للسينما ليغير مصير حياته وليصبح واحدا من أفضل وأهم المخرجين على مدار تاريخ السينما المصرية.
ارتبط عز الدين ذوالفقار بالمخرج الراحل «كمال سليم» رائد الأفلام الواقعية المصرية وكانت بينهما حوارات في الفكر والأدب، وقال له كمال سليم: إن تكوينك الأدبي والفكري هو تكوين مخرج سينمائي ولكن لم يتحمس عز لدعوة كمال سليم له بأن يبدأ بالتعرف عن قرب على مفردات السينما، وظلت علاقته بالسينما علاقة هاوٍ يشاهد بعض الأفلام لكنه لايزال يفضل القراءة في علوم الفلك والقصة ويحب السينما.
في العام 1945رحل كمال سليم وفي العام نفسه رحل أيضا والد عزالدين ذوالفقار وهو ما أثر فيه كثيرا لارتباطه بهما.
كان كمال سليم هو الصديق الأقرب له، وجاء رحيل الوالد بمثابة رحيل الصديق الأكبر... فقد الاثنين معا، صديقا قريبا من قلبه «والده» وصديقا قريبا من عقله «كمال سليم».
تغيير مسار
كان السؤال الذي يلح على عزالدين ذو الفقار... هو كيف لرجل دخل الجيش وأصبح ضابطا ورهن نفسه للدفاع عن الوطن أن يغير مسار حياته... وأن يتحول إلى الفن بالرغم من اقتناعه بنبل رسالة الفنان واهميتها التي لاتقل عن رسالة المحارب في ميدان القتال... إلا أن المخرج «محمد عبد الجواد»... مساعد الراحل كمال سليم.
والذي كان هو الآخر عضوا في جلسات عز وكمال... استطاع أن يقنعه بترك عمله والاتجاه إلى السينما... وبدأ عز العمل كمساعد مخرج مع «محمد عبد الجواد» والغريب أن «محمد عبد الجواد» أصبح بعد ذلك مساعدا لعز في العديد من الأفلام.
لم تكن السينما بعيدة عن عائلة «عزالدين ذوالفقار» وذلك لأن شقيقه الأكبر «محمود» كان قد سبقه للسينما ككاتب سيناريو منذ مطلع الأربعينات من القرن الماضي... والغريب أن الشقيقين بدآ في نفس العام 1947 مشوار الإخراج... حيث أخرج «عز» فيلم «أسير الظلام» بينما أخرج «محمود» فيلم «هدية»، واشتركا أيضا في هواية التمثيل ولكن أي منهما لم يحقق نجاحا يذكر في هذا المجال حيث كان النجاح من نصيب الشقيق الثالث الأصغر «صلاح ذوالفقار».
بدأ الإخراج في نفس العام الذي بدأ فيه «عز» كل من «صلاح أبو سيف» في العام 1946 و«حسن الإمام» 1947، وبعد ذلك ببضع سنوات انضم لهم «فطين عبد الوهاب» و«يوسف شاهين» و«عاطف سالم» و«كمال الشيح»... وكان هؤلاء هم المخرجون اللامعون في سينما الخمسينات والذين أطلق عليهم اسم «شباب السينما» الذين قدموا للسينما أفلاما نافست الجيل الأسبق مثل «أحمد بدرخان» و«محمد كريم» و«نيازي مصطفى» و«هنري بركات».
أفضل مخرج
في نهاية الخمسينات أجرت مجموعة فنية متخصصة في استفتاء عن أفضل المخرجين ومن بين 2000 صوت حصل «عز الدين ذوالفقار» على 1140 صوت بنسبة 57 في المئة وتتابعت الأسماء بعد ذلك بفروق كبيرة.
أفلام «عز الدين ذوالفقار» حطمت عدد أسابيع العرض ففيلم مثل «رد قلبي» العام 1957، استمر عرضه 6 أسابيع في القاهرة و5 في الإسكندرية، وكان الحد الأقصى لعرض الأفلام في تلك السنوات 4 أسابيع في القاهرة و3 في الإسكندرية.
وعندما قامت ثورة يوليو ارتبط بها عز الدين ذوالفقار على الرغم من أنه لم يكن من بين رجال الثورة حيث إنه استقال من الجيش في منتصف الأربعينات لكنه كان قريبا منهم يعرفهم بحكم رفقة السلاح الأولى.
رحيل مبكر
مات عزالدين ذو الفقار في سن صغيرة قبل أن يكمل عامه الرابع والأربعين، ولكنه قدم 33 فيلما روائيا منحها إحساسه وعمره القصير ومنحته هذه الأفلام سنوات عديدة تعيش بعده لتخلد ذكراه... هذه الأفلام ستظل ذكرى جميلة تذكرنا دائما بمخرج رائع كان يحاول تقديم أكبر قدر من الأفلام كل عام... وكأنه كان يعرف أن عمره قصير فأراد أن يمتع جمهوره بكل مايملكه من موهبة، وعُرف بصانع الحب وفارس الرومانسية حسب صحيفة «الشرق الأوسط».
شراكة عائلية
أما صلاح ذو الفقار فولد في المحلة الكبرى «وسط دلتا مصر» وتخرج في كلية الشرطة العام 1946. وعمل لفترة قصيرة ضابطا للشرطة بشبين الكوم بمحافظة المنوفية «شمال دلتا مصر» ثم عمل بسجن طرة.إلى أن تم تعيينه للعمل مدرسا بكلية الشرطة العام 1949 إلا أنه قدم استقالته من الخدمة في عام1957.
وفي العام 1947 حصل على بطولة الجمهورية في الملاكمة «وزن الريشة»... وفي عام 1951 اشترك متطوعًا ضد الاحتلال الإنكليزي في معركة الإسماعيلية وكان أحد أبطالها... وحصل على نوط الواجب تقديرًا لدوره الوطني في معارك العدوان الثلاثي العام1956... وكان والده ضابط شرطة برتبة أميرالاي «عميد» وكان ترتيبه الرابع بين إخوته الخمسة «محمود ذو الفقار» و«عز الدين ذو الفقار» و«كمال ذو الفقار» و«ممدوح ذو الفقار».
بدأ صلاح مشواره الفني العام 1957 بمساعدة أخيه المخرج «عز الدين ذو الفقار» - بحسب سينما العرب وكان أول أفلامه «عيون سهرانة» مع شادية وعبد الوارث عسر. ثم فيلم «رد قلبي» مع شكري سرحان ومريم فخر الدين، وهما من إخراج أخيه عز الدين ذو الفقار.
ثم كون شركة إنتاج مع شقيقه «عز الدين ذو الفقار» وقدما من خلالها العديد من الأفلام الناجحة مثل «بين الأطلال» و«الرجل الثاني» وبعد وفاة عز الدين ذو الفقار العام 1963 واصل هو الإنتاج ليقدم العديد من الأفلام منها «شيء من الخوف»، و«أغلي من حياتي»، و«مراتي مدير عام» و«أريد حلا».
وقدم خلال رحلته الفنية 250 فيلما سينمائيا. اشترك صلاح ذو الفقار العام1964 في فيلم إيطالي - ألماني مشترك وقدم للمسرح نحو 8 مسرحيات منها«رصاصة في القلب» ومسرحية «روبابكيا» مع فرقة تحية كاريوكا، و«زوجة واحدة تكفي» و«مجنون عاقل جدا» و«جوازة بمليون جنيه».
وكانت آخر مسرحياته «انتبهوا أيها الأزواج» مع ليلى طاهر. وقدم للتلفزيون عددا كبيرا من المسلسلات والأفلام التلفزيونية من أشهر أعماله في التلفزيون: مسلسل «عودة الروح» و«النساء يعترفن سرًّا»، و«الرجل يصارع القمر»، و«عائلة شلش» و«الجزء الثاني من مسلسل رأفت الهجان، ومحمد رسول الله» و«غاضبون وغاضبات» وقدم الفيلم التلفزيوني «الطريق إلى إيلات».
وحصل صلاح على العديد من جوائز التمثيل كأحسن ممثل عن أفلامه «أغلى من حياتي» و«الأيدي الناعمة» و«كرامة زوجتي» و«زيارة سرية» و«الطاووس» وحصل على جائزة الإنتاج عن فيلم «أريد حلا». كان وكيل أول نقابة الممثلين العام 1968. تزوج الفنان صلاح ذو الفقار 4 مرات. كانت أولى زوجاته... السيدة «ببة» أم أولاده: المهندس مراد والمحامية منى. ثم تزوج الفنانة «زهرة العلا» وبعدها «شادية»، وأخيرًا السيدة: بهيجة مقبل، وتوفي الفنان الكبير في العام 1993 تاركا وراءه سجلا حافلا من الإبداع سوف يخلده التاريخ، مثلما خلد إبداعات شقيقه محمود.