العمل ومكانته في الإسلام / 5

u0627u0644u062au062cu0627u0631u0629 u0627u062du062f u0637u0631u0642 u0627u0644u0643u0633u0628 u0627u0644u0645u0634u0631u0648u0639
التجارة احد طرق الكسب المشروع
تصغير
تكبير
رأينا آنفا موقف الإسلام من العمل، والعمل في جوهره هو اساس الكسب المشروع، سواء اكان العمل يدويا، ام فنيا، ام عقليا... في زراعة، ام في صناعة، ام في تجارة، وقد اشار الاسلام إلى شرف هذه الاعمال بشتى صورها، وحث عليها، وجعلها في بعض حالاتها فرض عين، فضلا عن فروض الكفاية.
والكسب المشروع الذي امر به الاسلام طيب مبارك، فيه نفع للمسلمين، ودفع للمضرة، وهناك طرق للكسب حرمها الاسلام لانها لا تحقق الغاية التي ينشدها الاسلام لبنيه، بل توقع في الحرج، وتجلب الضرر، والدارس للمعاملات في التشريع الاسلامي يعرف طرق الكسب الحلال، وطرق الكسب الحرام، ويدرك عظمة الاسلام فيما أحل وفيما حرم.
فالاسلام يحرم اخذ مال الناس بغير حق، ولهذا حرم السرقة والنصب والنهب وغيرها. كما حرم اخذ المال لقاء عمل محرم كالبغاء والرشوة، والحكمة من هذا التحريم واضحة، وقد حث الاسلام على بعض الاعمال لعظيم نفعها، كما نرى مثلا في الزرع، وفي البيع:
فالزرع فيه عمران الكون، وغداء الاحياء، ونفع للفرد والجماعة، ولذلك حث الاسلام على الزراعة، وبين اجر الزارعين حيث قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه انسان او دابة الا كان له صدقة».
ولم يقف الاسلام عند هذا الحد ليحث على الزراعة ويشجع الزارعين، بل جعل للزارعين حق امتلاك الارض التي لا ينتفع بها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من احيا ارضا ميتة فهي له».
والارض الميتة: هي التي لم تعمر: شبهت عمارتها بالحياة، وشبه تعطيلها بالموت، والاحياء ان يعمد شخص إلى أرض لم يتقدم ملك عليها لاحد فيحييها بالسقي والزرع او الغرس فتصير بذلك ملكه.
ولا بد من ان يقوم الفرد باحيائها في ظرف ثلاث سنوات من وضع يده عليها، والا سقط حق ملكيته لها، لان الغرض هو احياء الموات لتحقيق المصلحة العامة في الاستفادة به، وثلاث سنوات محك كاف لقدرة واضع اليد على هذا الاحياء، فان لم تتبين هذه القدرة عادت الارض الموات التي لم يكن لها مالك للجماعة، لا يحتجزها فرد منها: (عادي الارض لله ولرسوله، ثم لكم من بعد، فمن احيا ارضا ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين).
والقانون الاسلامي هنا احكم من القانون الوضعي المستمد من القانون الفرنسي، ففي هذا القانون يكفي (وضع اليد) مدة خمس عشرة سنة، لتصبح الارض ملكا لواضع اليد، سواء احياها ام تركها مواتا في هذه المدة وفيما بعدها كذلك، فالحكمة هنا منتفية في تقرير حق الملكية، ونظرية (الامر الواقع) هي وحدها التي تتحكم، وفرق بين النظرة الاسلامية ونظرة القانون الوضعي كبير!، هذا بالنسبة للزرع، اما البيع فقد احله الله- عز وجل- وحرم الربا (واحل الله البيع وحرم الربا).
فالبيع يتم به تبادل المنافع، والوصول إلى ما في ايدي الاخرين بطرق مشروعة، ورضا تام، وانتفاع الآخرين بما يستغني عنه الفرد، فنفعه واضح جلي، وقد رأينا من قبل ان الاسلام رغب فيه وحث عليه، فعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أفضل الكسب، قال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مرور».
والربا فيه استغلال للفقير، ومنع للتعاون بالقرض الحسن بين المسلمين، وقضاء على اخلاق نبيلة قويمة، واحياء للطمع والجشع، ويتعارض مع اخلاقيات المال في الاسلام، ولهذا كان التحريم، والاذان بحرب من الله ورسوله لمن يتعامل بالربا، قال تعالى: (يأيها الذين امنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله).
فالاصل في البيع اذا انه حلال، والاصل في الربا انه حرام، غير ان المضطر يباح له ان يقترض بالربا اذا لم يجد من يقرضه قرضا حسنا، كمن يباح له اكل الميتة ولحم الخنزير، اما الاقراض بالربا فلا يباح باي حال من الاحوال، اذا فالكسب عن طريق الربا حرام في جميع حالاته.
اما البيع فليس حلالا في جميع حالاته، وانما نجد انواعا من البيع لا يقرها الاسلام. استمع إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «ان الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام».
وعن انس رضي الله عنه: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة اليها، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له». وعن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن النجش»، والنجش الزيادة في السلعة عن طريق الخديعة، حيث تعرض السلعة فيأتي شخص لا يريد شراءها فيقيمها بأكثر من قيمتها ليغري غيره ممن يريد شراءها.
وعن جابر - رضي الله عنه- ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ان بعت من اخيك تمرا فاصابتها جائحة فلا يحل لك ان تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال اخيك بغير حق؟».
وعن عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من اخيه بيعا وفيه عيب الا بينه له».
هذه بعض الاحاديث الشريفة التي تبين انواعا من البيوع لا يقرها الاسلام، لانها لا تتفق مع مقاصد الشريعة ولا تحقق النفع الذي يحققه البيع الحلال، ولا تجلب الربح الطيب، فليست من طرق الكسب المشروع، وشتان بينها وبين البيع المبرور.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي