جدل استخباراتي بريطاني - أميركي حول أساليب العمل ضد الإرهاب
القصة الكاملة لاختفاء الإرهابي رؤوف الباكستاني
| لندن - من إلياس نصرالله |
رغم ادانة الشبان الباكستانيين الثلاثة الأسبوع الجاري بالتخطيط لتفجير عدد من طائرات الركاب، وهي في الجو، لحساب تنظيم «القاعدة»، ظلت هناك أسئلة كثيرة من دون اجابة تعكر صفو المسؤولين في أجهزة الأمن البريطانية والغربية وتقض مضاجعهم وتنثر المخاوف في قلوب الناس العاديين الذين تنبهوا خلال الأيام القليلة الماضية الى أن خطر الهجمات الارهابية بالطائرات ما زال قائماً بعد مرور سنوات عدة على هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن التي تصادف اليوم، الذكرى الثامنة لوقوعها.
ورغم النجاحات التي تؤكد أجهزة الأمن البريطانية أنها حققتها في مكافحة الارهاب ومنع وقوع العديد من الهجمات، فهي ما زالت غير مقتنعة بأن البريطاني من أصل باكستاني رشيد رؤوف (27 عاماً)، العقل المدبر للخلية التي انتمى اليها المدانون الثلاثة بالتخطيط لتفجير طائرات الركاب، عبدالله أحمد علي وتنوير حسين وأسد سروار، قتل فعلاً العام الماضي، وفقاً لما يدعيه الأميركيون، في غارة جوية بطائرة من دون طيار على موقع لحركة «طالبان» في شمال باكستان. فالبريطانيون يعتقدون أن رؤوف ما زال على قيد الحياة مختفياً عن الأنظار، ما يعني أنه ما زال يشكل خطراً أمنياً كبيراً ليس فقط بالنسبة الى بريطانيا، بل بالنسبة الى الغرب والعالم أجمع وسيواصل العمل على مخططات ارهابية جهنمية جديدة.
وما يعزز هذا الاعتقاد والمخاوف في آن معاً، أن مسؤولي أمن باكستانيين أبلغوا الجانب البريطاني أخيراً أن لديهم معلومات تفيد بأن رؤوف الذي كان مقيماً مع عائلته في الماضي في مدينة بيرمنغهام ويحمل الجنسية البريطانية ما زال حياً في باكستان ويعمل في السر في اسلام أباد.
ونقلت صحيفة «دايلي ميل»، أول من أمس، عن مسؤول أمني بريطاني، أنه «اذا كان رؤوف ما زال حياً، فهذا يعني أنه أصبح يشكل خطراً أكثر من الماضي، بسبب أسلوب عمله الأكثر سرية مما كان عليه من قبل، وعلى الأغلب أنه يملك معلومات عن المخططات الاضافية لتنفيذ هجمات على مواطنين بريطانيين». بل أن هذه المعلومات الجديدة تعزز اعتقاداً سابقاً كان لدى أجهزة الأمن البريطانية بأن رؤوف هو العقل المدبر لعملية ارهابية تم اجهاضها من جانب أجهزة الأمن في وقت سابق من العام الحالي في مانشستر، وعليه لن تكون محاولة مانشستر أو مؤامرة تفجير الطائرات هما المخططان الوحيدان لهذا الرجل المطارد، بل حتماً ما زالت في جعبته مخططات اضافية.
وكان البريطانيون اهتموا كثيراً، لكنهم لم يفرحوا، باعلان القيادة العسكرية الأميركية عن نجاحها في تصفية رؤوف وقتله مع عدد من قادة طالبان الباكستانية في منزل كانوا مختبئين فيه في منطقة القبائل قرب الحدود الأفغانية. ولفت انتباه البريطانيين أنه لم يُعثر على جثة رؤوف بين القتلى في الهجوم على ذلك المخبأ، بل أن الفحوصات المخبرية لم تثبت أن المورثات التي تم الحصول عليها من جثث القتلى هي لرؤوف.
وفي الواقع بدأت قصة رؤوف كقصة عادية، اذ ان الشرطة البريطانية عثرت في العام 2002 في بيرمنغهام على رجل ملقى على قارعة الطريق في أحد أحياء المدينة مضرجاً بدمائه من تلقيه طعنات بسكين حاد توفي على أثرها في المستشفى. وفي التحقيق تبين أن الرجل هو خال رؤوف وأن الحادث وقع على خلفية شجار عائلي وأن الخيوط كلها تربط رؤوف بالجريمة. وعندما توجهت قوة من الشرطة لتوقيف رؤوف الذي يملك والده مخبزاً في بيرمنغهام لم تعثر عليه في المنزل، واكتشفت الشرطة
لاحقاً أنه سافر فجأة الى باكستان. خوفاً من أن تقتفي الشرطة البريطانية أثره، عمل رؤوف في باكستان على تغيير اسمه الأول رشيد واتخذ اسم خالد بدلاً منه، ولمزيدٍ من التمويه أسرع الى الزواج لتغيير وضعه العائلي.
لكن زواج رؤوف كان على ما يبدو الخطوة التي نقلته من عالم الجريمة الى عالم الارهاب الأصولي، اذ تبين أن العروس التي اختارها بمساعدة عدد من أقاربه وأصدقائه هي ابنة أصولي باكستاني يعتقد أنه أحد مؤسسي تنظيم «جيش محمد» الذي كان الأميركيون أدرجوه في العام 2001 على قائمة التنظيمات الارهابية المحظورة. لم يمض كثيرٌ من الوقت حتى بدأت أجهزة الأمن البريطانية تتلقى معلومات من باكستان عن انخراط رؤوف بنشاطات ارهابية وانتمائه لخلية تتألف من بريطانيين من أصل باكستاني بدأت التخطيط لتنفيذ عمليات ارهابية في باكستان وفي بريطانيا. وتعتقد أجهزة الأمن البريطانية أن رؤوف كان حلقة الوصل بين الخلية التي نفذت تفجيرات السابع من يوليو العام 2005 الانتحارية في وسائل النقل في لندن، وأنه الشخص الذي عرّف قائد مجموعة الانتحاريين محمد صديقي خان، مفجر محطة ادجوار رود، على العقل المدبر لتفجيرات لندن في تنظيم «القاعدة» الذي لم يكشف بعد عن اسمه وعلى خبير صناعة المتفجرات في «القاعدة» أبو عبيدة المصري. ووفقاً لأجهزة الأمن البريطانية وبناء على اعترافات المدانين الثلاثة بمخطط تفجير الطائرات، فان أبو عبيدة المصري هو المهندس المختص في صناعة المتفجرات من خلائط كيماوية مختلفة يمكن مزجها سوية في قوارير صغيرة بسهولة فائقة على ظهر الطائرات أثناء الرحلات الجوية وتفجيرها خلال وقت قصير.
وفقاً لأجهزة الأمن البريطانية، فهي بدأت تتعقب الخلية التي انتمى اليها المدانون الثلاثة قبل توقيفهم بفترة طويلة وكانت تعلم جيداً وجود علاقة بين الخلية وبين رؤوف في باكستان. ونظراً لأن البريطانيين واظبوا على التعاون مع أجهزة الأمن الأميركية في مكافحة الارهاب، فقد تم اطلاع الجانب الأميركي على التحقيقات الجارية حول مخطط تفجير الطائرات. ويقول البريطانيون انهم فوجئوا بأن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني هو الذي أمر بتوجيه طلب الى السلطات الباكستانية لتوقيف رؤوف، من دون علم البريطانيين. بل وفقاً للبريطانيين جرى توقيف رؤوف قبل أن يقوموا هم بتوقيف أعضاء الخلية في بريطانيا، وأن توقيف رؤوف كاد يُفشل التحقيقات التي كانت تجري حول الخلية واضطرت الشرطة البريطانية لتوقيف أعضاء الخلية قبل اتمام التحقيقات التي كانت جارية وقبل الانتهاء كلياً من جمع المعلومات حول الخلية. على أثر انكشاف مخطط تفجير الطائرات في العام 2006 وتوقيف أعضاء الخلية، بيّنت التحقيقات الأولية التي جرت مع أفراد المجموعة، أن للخلية علاقة مباشرة برؤوف المقيم في باكستان.
وبعد القبض على رؤوف في منزله الكائن في بلدة بهوالبور جنوب البنجاب، حيث كان مقيماً مع زوجته وطفليه الصغيرين. في المنزل عثر المحققون على قوارير زجاجية معدة للاستخدام كمتفجرات كيماوية. كان العثور على هذه القوارير سبباً كافياً بالنسبة للشرطة الباكستانية لتقديم لائحة اتهام ضد رؤوف وادانته بتهمة التحضير لتنفيذ عمليات ارهابية. فباكستان أصبحت خلال العقد الأخير من أكثر البلدان في العالم التي تعاني من النشاطات الارهابية، والتفجيرات التي تودي بحياة المدنيين لا تنفك عن تنغيص حياة الناس في هذا البلد. ولم يقتصر امتعاض البريطانيين في هذه القضية على اعتقال رؤوف المبكر من دون علمهم، وزاد من حدة امتعاضهم الاتجاه الذي اتخذته قضية رؤوف بعد توقيفه. فتقديم لائحة اتهام ضده في باكستان عن أنه ينبغي الاحتفاظ به من جانب الشرطة الباكستانية حتى تنتهي محاكمته وانهائه لفترة الحكم بالسجن التي كان من المحتمل أن تصدر بحقه في تلك المحاكمة.
وذكر مسؤولون بريطانيون ان «السلطات البريطانية سعت في شكل خفي الى اقناع الجانب الباكستاني بضرورة اسقاط لائحة الاتهام ضد رؤوف وذلك لتسهيل عملية تسليمه للبريطانيين ونقله الى بريطانيا لاستكمال التحقيقات في الخلية التي اضطرت الشرطة البريطانية على توقيف أعضائها قبل الآوان».
فالبريطانيون مقتنعون بوجود أشخاص آخرين ما زالوا طلقاء لهم علاقة بالخلية ومخططاتها. كان الجدل بين لندن واسلام أباد دائراً أثناء المحاكمة التي بدأت في حينه لمحاكمة رؤوف. وفيما كانت سيارة الشرطة تنقل رؤوف الى السجن بعد انتهاء احدى جلسات المحاكمة، توقف رجال الشرطة الذين كانوا في السيارة قرب مطعم تابع لسلسلة مطاعم ماكدونلدز لشراء بعض الطعام، فطلب رؤوف منهم السماح له للصلاة في المسجد المحاذي للمطعم. وطال انتظار
رجال الشرطة خارج المسجد ولم يظهر رؤوف. فبحثوا عنه ليجدوا أنه بقدرة قادر اختفى من المكان.
نظريات كثيرة أطلقت عقب اختفاء رؤوف. فالمحامي حشمت علي حبيب الذي كان مكلفاً بالدفاع عن رؤوف في المحاكمة مقتنع بأن موكله ما زال على قيد الحياة ويصرّ دائماً على استخدام تعبير «اختفاء غامض» كلما اتصل به أحد وسأله عن الموضوع. ويشاع في باكستان أن جناح معين في جهاز الاستخبارات هو الذي اختطفه وأنه محتفظ به في أحد السجون السرية للتحقيق معه حول معلومات عن علاقة مسؤولين في أجهزة الأمن الباكستانية مع التنظيمات الارهابية وبالذات مع تنظيم «طالبان» الباكستاني. فلدى الاستخبارات الباكستانية والغربية قناعة راسخة بأن لرؤوف علاقة وثيقة بعناصر داخل جهاز الأمن الباكستاني، والدليل على ذلك، ليس هربه من الأسر، بل الصداقة التي ربطته في الماضي مع أحد رجال الاستخبارات السابقين المدعو خالد خواجا، الذي يؤكد من جانبه أنه حتى الآن مازال لا يوجد دليل قاطع على مقتله. بل يقول خواجا أن التنظيمات الارهابية التي عمل رؤوف معها، لم تُصدِر أي تأكيد على مقتله ويقول أنها هي المصدر الوحيد القادر على تأكيد ذلك.
في هذه الأثناء، دخلت أجهزة الأمن الأميركية على الخط واتسع الاهتمام بملف رؤوف ولم يقتصر على جهازي الأمن البريطاني والباكستاني. ومع أن التعاون الأمني بين البريطانيين والأميركيين كان مثمراً في حالات كثيرة، الا أن البريطانيين حالياً يتحدثون بمرارة فائقة عن المطبات التي أوقعهم فيها زملاؤهم الأميركيون في ملف رؤوف بالذات.
فالبريطانيون يتهمون الأميركيين بأنهم لم يتصرفوا كما ينبغي في هذا الملف ولم يتعاونوا مع البريطانيين ويبلغوهم المعلومات التي تتوفر لديهم عن رؤوف، الذي شُنت بعد هروبه من الأسر حملة مطاردة واسعة بمشاركة أجهزة الاستخبارات الثلاثة. فالبريطانيون معنيون باعتقال رؤوف حياً لاستكمال التحقيقات حول نشاطه وعلاقته مع الارهابيين في بريطانيا منعاً لاي هجمات محتملة، فمقتل رؤوف ليس خبراً مفرحاً بالنسبة الى البريطانيين، وهذا هو سبب اضافي للخلاف بينهم وبين الأميركيين حول الطريقة التي يتم بها التعامل مع التنظيمات الارهابية والمتورطين في نشاطاتها. فان كان الأميركيون فرحين بمقتل رؤوف وافشال مخطط تفجير الطائرات المتجهة الى اميركا، فان البريطانيين ما زالوا خائفين من المخططات الأخرى التي لم يُكشف عنها بعد.
رغم ادانة الشبان الباكستانيين الثلاثة الأسبوع الجاري بالتخطيط لتفجير عدد من طائرات الركاب، وهي في الجو، لحساب تنظيم «القاعدة»، ظلت هناك أسئلة كثيرة من دون اجابة تعكر صفو المسؤولين في أجهزة الأمن البريطانية والغربية وتقض مضاجعهم وتنثر المخاوف في قلوب الناس العاديين الذين تنبهوا خلال الأيام القليلة الماضية الى أن خطر الهجمات الارهابية بالطائرات ما زال قائماً بعد مرور سنوات عدة على هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن التي تصادف اليوم، الذكرى الثامنة لوقوعها.
ورغم النجاحات التي تؤكد أجهزة الأمن البريطانية أنها حققتها في مكافحة الارهاب ومنع وقوع العديد من الهجمات، فهي ما زالت غير مقتنعة بأن البريطاني من أصل باكستاني رشيد رؤوف (27 عاماً)، العقل المدبر للخلية التي انتمى اليها المدانون الثلاثة بالتخطيط لتفجير طائرات الركاب، عبدالله أحمد علي وتنوير حسين وأسد سروار، قتل فعلاً العام الماضي، وفقاً لما يدعيه الأميركيون، في غارة جوية بطائرة من دون طيار على موقع لحركة «طالبان» في شمال باكستان. فالبريطانيون يعتقدون أن رؤوف ما زال على قيد الحياة مختفياً عن الأنظار، ما يعني أنه ما زال يشكل خطراً أمنياً كبيراً ليس فقط بالنسبة الى بريطانيا، بل بالنسبة الى الغرب والعالم أجمع وسيواصل العمل على مخططات ارهابية جهنمية جديدة.
وما يعزز هذا الاعتقاد والمخاوف في آن معاً، أن مسؤولي أمن باكستانيين أبلغوا الجانب البريطاني أخيراً أن لديهم معلومات تفيد بأن رؤوف الذي كان مقيماً مع عائلته في الماضي في مدينة بيرمنغهام ويحمل الجنسية البريطانية ما زال حياً في باكستان ويعمل في السر في اسلام أباد.
ونقلت صحيفة «دايلي ميل»، أول من أمس، عن مسؤول أمني بريطاني، أنه «اذا كان رؤوف ما زال حياً، فهذا يعني أنه أصبح يشكل خطراً أكثر من الماضي، بسبب أسلوب عمله الأكثر سرية مما كان عليه من قبل، وعلى الأغلب أنه يملك معلومات عن المخططات الاضافية لتنفيذ هجمات على مواطنين بريطانيين». بل أن هذه المعلومات الجديدة تعزز اعتقاداً سابقاً كان لدى أجهزة الأمن البريطانية بأن رؤوف هو العقل المدبر لعملية ارهابية تم اجهاضها من جانب أجهزة الأمن في وقت سابق من العام الحالي في مانشستر، وعليه لن تكون محاولة مانشستر أو مؤامرة تفجير الطائرات هما المخططان الوحيدان لهذا الرجل المطارد، بل حتماً ما زالت في جعبته مخططات اضافية.
وكان البريطانيون اهتموا كثيراً، لكنهم لم يفرحوا، باعلان القيادة العسكرية الأميركية عن نجاحها في تصفية رؤوف وقتله مع عدد من قادة طالبان الباكستانية في منزل كانوا مختبئين فيه في منطقة القبائل قرب الحدود الأفغانية. ولفت انتباه البريطانيين أنه لم يُعثر على جثة رؤوف بين القتلى في الهجوم على ذلك المخبأ، بل أن الفحوصات المخبرية لم تثبت أن المورثات التي تم الحصول عليها من جثث القتلى هي لرؤوف.
وفي الواقع بدأت قصة رؤوف كقصة عادية، اذ ان الشرطة البريطانية عثرت في العام 2002 في بيرمنغهام على رجل ملقى على قارعة الطريق في أحد أحياء المدينة مضرجاً بدمائه من تلقيه طعنات بسكين حاد توفي على أثرها في المستشفى. وفي التحقيق تبين أن الرجل هو خال رؤوف وأن الحادث وقع على خلفية شجار عائلي وأن الخيوط كلها تربط رؤوف بالجريمة. وعندما توجهت قوة من الشرطة لتوقيف رؤوف الذي يملك والده مخبزاً في بيرمنغهام لم تعثر عليه في المنزل، واكتشفت الشرطة
لاحقاً أنه سافر فجأة الى باكستان. خوفاً من أن تقتفي الشرطة البريطانية أثره، عمل رؤوف في باكستان على تغيير اسمه الأول رشيد واتخذ اسم خالد بدلاً منه، ولمزيدٍ من التمويه أسرع الى الزواج لتغيير وضعه العائلي.
لكن زواج رؤوف كان على ما يبدو الخطوة التي نقلته من عالم الجريمة الى عالم الارهاب الأصولي، اذ تبين أن العروس التي اختارها بمساعدة عدد من أقاربه وأصدقائه هي ابنة أصولي باكستاني يعتقد أنه أحد مؤسسي تنظيم «جيش محمد» الذي كان الأميركيون أدرجوه في العام 2001 على قائمة التنظيمات الارهابية المحظورة. لم يمض كثيرٌ من الوقت حتى بدأت أجهزة الأمن البريطانية تتلقى معلومات من باكستان عن انخراط رؤوف بنشاطات ارهابية وانتمائه لخلية تتألف من بريطانيين من أصل باكستاني بدأت التخطيط لتنفيذ عمليات ارهابية في باكستان وفي بريطانيا. وتعتقد أجهزة الأمن البريطانية أن رؤوف كان حلقة الوصل بين الخلية التي نفذت تفجيرات السابع من يوليو العام 2005 الانتحارية في وسائل النقل في لندن، وأنه الشخص الذي عرّف قائد مجموعة الانتحاريين محمد صديقي خان، مفجر محطة ادجوار رود، على العقل المدبر لتفجيرات لندن في تنظيم «القاعدة» الذي لم يكشف بعد عن اسمه وعلى خبير صناعة المتفجرات في «القاعدة» أبو عبيدة المصري. ووفقاً لأجهزة الأمن البريطانية وبناء على اعترافات المدانين الثلاثة بمخطط تفجير الطائرات، فان أبو عبيدة المصري هو المهندس المختص في صناعة المتفجرات من خلائط كيماوية مختلفة يمكن مزجها سوية في قوارير صغيرة بسهولة فائقة على ظهر الطائرات أثناء الرحلات الجوية وتفجيرها خلال وقت قصير.
وفقاً لأجهزة الأمن البريطانية، فهي بدأت تتعقب الخلية التي انتمى اليها المدانون الثلاثة قبل توقيفهم بفترة طويلة وكانت تعلم جيداً وجود علاقة بين الخلية وبين رؤوف في باكستان. ونظراً لأن البريطانيين واظبوا على التعاون مع أجهزة الأمن الأميركية في مكافحة الارهاب، فقد تم اطلاع الجانب الأميركي على التحقيقات الجارية حول مخطط تفجير الطائرات. ويقول البريطانيون انهم فوجئوا بأن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني هو الذي أمر بتوجيه طلب الى السلطات الباكستانية لتوقيف رؤوف، من دون علم البريطانيين. بل وفقاً للبريطانيين جرى توقيف رؤوف قبل أن يقوموا هم بتوقيف أعضاء الخلية في بريطانيا، وأن توقيف رؤوف كاد يُفشل التحقيقات التي كانت تجري حول الخلية واضطرت الشرطة البريطانية لتوقيف أعضاء الخلية قبل اتمام التحقيقات التي كانت جارية وقبل الانتهاء كلياً من جمع المعلومات حول الخلية. على أثر انكشاف مخطط تفجير الطائرات في العام 2006 وتوقيف أعضاء الخلية، بيّنت التحقيقات الأولية التي جرت مع أفراد المجموعة، أن للخلية علاقة مباشرة برؤوف المقيم في باكستان.
وبعد القبض على رؤوف في منزله الكائن في بلدة بهوالبور جنوب البنجاب، حيث كان مقيماً مع زوجته وطفليه الصغيرين. في المنزل عثر المحققون على قوارير زجاجية معدة للاستخدام كمتفجرات كيماوية. كان العثور على هذه القوارير سبباً كافياً بالنسبة للشرطة الباكستانية لتقديم لائحة اتهام ضد رؤوف وادانته بتهمة التحضير لتنفيذ عمليات ارهابية. فباكستان أصبحت خلال العقد الأخير من أكثر البلدان في العالم التي تعاني من النشاطات الارهابية، والتفجيرات التي تودي بحياة المدنيين لا تنفك عن تنغيص حياة الناس في هذا البلد. ولم يقتصر امتعاض البريطانيين في هذه القضية على اعتقال رؤوف المبكر من دون علمهم، وزاد من حدة امتعاضهم الاتجاه الذي اتخذته قضية رؤوف بعد توقيفه. فتقديم لائحة اتهام ضده في باكستان عن أنه ينبغي الاحتفاظ به من جانب الشرطة الباكستانية حتى تنتهي محاكمته وانهائه لفترة الحكم بالسجن التي كان من المحتمل أن تصدر بحقه في تلك المحاكمة.
وذكر مسؤولون بريطانيون ان «السلطات البريطانية سعت في شكل خفي الى اقناع الجانب الباكستاني بضرورة اسقاط لائحة الاتهام ضد رؤوف وذلك لتسهيل عملية تسليمه للبريطانيين ونقله الى بريطانيا لاستكمال التحقيقات في الخلية التي اضطرت الشرطة البريطانية على توقيف أعضائها قبل الآوان».
فالبريطانيون مقتنعون بوجود أشخاص آخرين ما زالوا طلقاء لهم علاقة بالخلية ومخططاتها. كان الجدل بين لندن واسلام أباد دائراً أثناء المحاكمة التي بدأت في حينه لمحاكمة رؤوف. وفيما كانت سيارة الشرطة تنقل رؤوف الى السجن بعد انتهاء احدى جلسات المحاكمة، توقف رجال الشرطة الذين كانوا في السيارة قرب مطعم تابع لسلسلة مطاعم ماكدونلدز لشراء بعض الطعام، فطلب رؤوف منهم السماح له للصلاة في المسجد المحاذي للمطعم. وطال انتظار
رجال الشرطة خارج المسجد ولم يظهر رؤوف. فبحثوا عنه ليجدوا أنه بقدرة قادر اختفى من المكان.
نظريات كثيرة أطلقت عقب اختفاء رؤوف. فالمحامي حشمت علي حبيب الذي كان مكلفاً بالدفاع عن رؤوف في المحاكمة مقتنع بأن موكله ما زال على قيد الحياة ويصرّ دائماً على استخدام تعبير «اختفاء غامض» كلما اتصل به أحد وسأله عن الموضوع. ويشاع في باكستان أن جناح معين في جهاز الاستخبارات هو الذي اختطفه وأنه محتفظ به في أحد السجون السرية للتحقيق معه حول معلومات عن علاقة مسؤولين في أجهزة الأمن الباكستانية مع التنظيمات الارهابية وبالذات مع تنظيم «طالبان» الباكستاني. فلدى الاستخبارات الباكستانية والغربية قناعة راسخة بأن لرؤوف علاقة وثيقة بعناصر داخل جهاز الأمن الباكستاني، والدليل على ذلك، ليس هربه من الأسر، بل الصداقة التي ربطته في الماضي مع أحد رجال الاستخبارات السابقين المدعو خالد خواجا، الذي يؤكد من جانبه أنه حتى الآن مازال لا يوجد دليل قاطع على مقتله. بل يقول خواجا أن التنظيمات الارهابية التي عمل رؤوف معها، لم تُصدِر أي تأكيد على مقتله ويقول أنها هي المصدر الوحيد القادر على تأكيد ذلك.
في هذه الأثناء، دخلت أجهزة الأمن الأميركية على الخط واتسع الاهتمام بملف رؤوف ولم يقتصر على جهازي الأمن البريطاني والباكستاني. ومع أن التعاون الأمني بين البريطانيين والأميركيين كان مثمراً في حالات كثيرة، الا أن البريطانيين حالياً يتحدثون بمرارة فائقة عن المطبات التي أوقعهم فيها زملاؤهم الأميركيون في ملف رؤوف بالذات.
فالبريطانيون يتهمون الأميركيين بأنهم لم يتصرفوا كما ينبغي في هذا الملف ولم يتعاونوا مع البريطانيين ويبلغوهم المعلومات التي تتوفر لديهم عن رؤوف، الذي شُنت بعد هروبه من الأسر حملة مطاردة واسعة بمشاركة أجهزة الاستخبارات الثلاثة. فالبريطانيون معنيون باعتقال رؤوف حياً لاستكمال التحقيقات حول نشاطه وعلاقته مع الارهابيين في بريطانيا منعاً لاي هجمات محتملة، فمقتل رؤوف ليس خبراً مفرحاً بالنسبة الى البريطانيين، وهذا هو سبب اضافي للخلاف بينهم وبين الأميركيين حول الطريقة التي يتم بها التعامل مع التنظيمات الارهابية والمتورطين في نشاطاتها. فان كان الأميركيون فرحين بمقتل رؤوف وافشال مخطط تفجير الطائرات المتجهة الى اميركا، فان البريطانيين ما زالوا خائفين من المخططات الأخرى التي لم يُكشف عنها بعد.