قصار ولكن ... عظماء
نابليون... العبقري الذي حكم العالم / 3
على فراش المرض
نابليون بونابرت
|القاهرة - من أحمد نصير|
«كل قصير مكير ... احذروا كل من اقترب من الأرض ... كل قصير خطير، القصير يا حكمة يا نقمة»... كثيرة هي تلك الأمثال التي تتحدث عن قصار القامة في مجتمعاتنا العربية، بعضها سخرت منهم وأغلبها حذرت من دهائهم ومكرهم وقدرتهم على المراوغة والمناورة.
لكن التاريخ يؤكد أن «كل قصير عظيم»... أو بالأحرى أن أغلب العظماء كانوا من قصار القامة، سواء من الزعماء أو القادة العسكريين أو الأدباء والمفكرين ومشاهير الفن والرياضة.
ومن أبرز الشخصيات المشهورة بقصر القامة... الفرعون المصري توت عنخ آمون، والقائد المغولي هولاكو، وإمبراطور فرنسا نابليون الأول ولويس السابع عشر، والسلطان العثماني سليم الأول، والملكة فيكتوريا، ونلسون وستالين وهتلر وموسوليني وفرانكو وغاندي ونلسون مانديلا وخروتشوف وأيزنهاور وغاغارين «أول من صعد إلى الفضاء» وغيرهم.
أما نجوم الفن والرياضة فأبرزهم بيكاسو ودافنشي وأسطورة الكوميديا تشارلي شابلن والمطرب المصري الراحل عبدالحليم حافظ وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والسندريللا سعاد حسني وغيرهم، ومن لاعبي كرة القدم: الأسطورة ماردونا واللاعب الأرجنتيني الساحر ميسي وغيرهما.
وهناك من الأدباء فولتير ويحيى حقي وإبراهيم المازني وإبراهيم ناجي وأمير الشعراء أحمد شوقي والأديب أحمد حسن الزيات.
الكاتب الصحافي المصري أنيس منصور قال : كان لأستاذنا العقاد نكتة خشنة يقولها أحيانا... يقول: الناس عندما يرونني أنا والمازني يقولون : هؤلاء العشرة، أي رقم 10 ـ أي العقاد هو الواحد والمازني هو الصفر لقصر قامته... وكان العقاد يضحك لذلك كثيرا.
وأضاف: لم نقرأ أو نسمع أن قصار القامة كانوا يعانون من هذا العيب في الطفولة أو في سنوات المجد... فقط الرئيس الفرنسي ساركوزي هو الذي قال: أنا قصير مثل نابليون... وكانت أم الرئيس ساركوزي هي التي تقول: إن ابني يخلع حذاء عالي الكعب من أجل حذاء آخر أعلى كعبا!... لعلها تقصد كعب الجميلات حوله!
غير أن علماء النفس يقولون إن: هتلر وموسوليني وفرانكو وستالين وغيرهم من قصار القامة عمدوا إلى تحصيل قوة الشخصية وجمع النفوذ السياسي في سلطتهم بعد أن عز عليهم أن يغيروا ما وهبتهم الطبيعة إياه من أجسام وقامات.
وعبر سطور «الراي»... نروي حكايات عدد من هؤلاء ومسيرة صعودهم، وكيف أصبحوا عظماء وإن اختلف البعض حولهم... فتابعونا حلقة بعد أخرى.
ولد إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت الذي يعده البعض أعظم عبقرية عسكرية عرفها التاريخ... في جزيرة كورسيكا العام 1769 بعد عام من انضمامها إلى فرنسا وكان الطفل الرابع والابن الثاني لـكارول وليتيزيا رامولينو بونابرت، وينحدر والده من عائلات إيطالية نبيلة. وكان هذا سبب نطقه للفرنسية بلكنة إيطالية.
وعرف عن نابليون قصر قامته, وبحسب كتب السير الذاتية لم يكن طوله يتجاوز 1.68متر لكن دهاءه مكنه من هزيمة اثنتين من أعظم قوى العالم في عصره هما النمسا وروسيا.
كما عرف عنه عشقه للنساء وذكاؤه النادر وأنه لم يكن يشرع في رسم أي خطة حربية إلا وهو يمص أقراص السوس , كما كان خطه في الكتابة رديئا جدا , حتى إن البعض ظن أن رسائله رموز أو خرائط حربية , وقال عنه المقربون منه إنه كان غريب الأطوار.
تلقى نابليون تعليمه وتدريبه العسكري في فرنسا والتحق بالكلية الحربية الملكية في باريس... حيث أنهى دراسته في عام واحد بدلا من عامين - كما كان مقررا - نظرا لنبوغه وذكائه الحاد، ليبدأ حياته العملية وهو في السادسة عشرة العام 1785برتبة ملازم ثان في الجيش الفرنسي.
ذكاء ومهارة
خدم نابليون في سلاح المدفعية، ثم في مدرسة تدريب ضباط المدفعية، وفي العام 1791 تمت ترقيته إلى رتبة ملازم أول ومنها إلى رتبة نقيب في العام 1792، ونظرا لذكائه ومهارته العسكرية والحربية تدرج سريعا في عمله، فتم تعيينه قائدا للجيش الفرنسي في العام 1794 بعد تمكنه من حماية مدينة طولون أثناء الثورة الفرنسية.
وتقول كتب السير الذاتية... إن نابليون لعب دورا مهما في الدفاع عن الثورة الفرنسية ضد أنصار الملكية، كما أنه أثبت مقدرة عسكرية فائقة في الحروب الأولى التي خاضها ومنها معركة طولون التي وضع هو خطتها بدلا من تلك التي كان قد وضعها قائد القوات.
خاض نابليون الكثير من المعارك ضد النمسا وروسيا وبريطانيا وبروسيا، وغيرها من الدول، حيث حقق انتصارات باهرة في 40 منها، حتى إن البعض قارنه بالإسكندر الأكبر و يوليوس قيصر.
وكانت البداية انتصاره في الحرب التي وقعت بينه وبين النمسا، ثم توالت انتصاراته في عدد من الحروب الكبرى الأخرى، إلى أن وقعت فرنسا معاهدة كامبو فورميو والتي نتج عنها توسع فرنسا في أراضيها.
الحملة على مصر
أقنع نابليون الحكومة الفرنسية بالهجوم على مصر واحتلالها فأعد حملة على مصر في العام 1798, وكانت الحملة مكونة من 30 ألف محارب.
وفي 19 مايو 1798 أقلع أسطول فرنسي كبير مكون من 26 سفينة من ميناء طولون، وبلغ الإنكليز أنباء مغادرة نابليون فرنسا وعهدوا إلى نيلسون باقتفاء أثره وتدمير أسطوله، فقصد إلى مالطة, ولكنه وجد أن أسطول نابليون غادرها نحو الشرق قبل «5» أيام، فرجح أنها تقصد مصر واتجه إلى الإسكندرية وبلغها يوم 28 يونيو 1798 فلم يعثر هناك للفرنسيين على أثر.
وصل الأسطول الفرنسي غرب الإسكندرية «220 كيلو مترا شمال غربي القاهرة» في أول يوليو 1798، وبادر بإنزال قواته ليلا على البر, ثم سير جيشا إلى الإسكندرية.
أنزلت المراكب الحربية الفرنسية الجيش الفرنسي في يوليو 1798 في الإسكندرية ...ووجّه نابليون في اليوم ذاته نداءً إلى الشعب المصري، وأصدرت الحملة نداء إلى الشعب بالاستكانة والتعاون زاعمة أن نابليون قد اعتنق الإسلام وأصبح صديقا وحاميا للإسلام.
استولى نابليون على أغنى إقليم في الإمبراطورية العثمانية، وادعى أنه «صديق للسلطان العثماني» كما أدعى أنه قدم إلى مصر «للقصاص من المماليك» لا غير، باعتبارهم أعداء السلطان، وأعداء الشعب المصري .
وظل محمد كريم يقاوم تقدم الجيش الفرنسي في الإسكندرية وظل يتقهقر ثم اعتصم بقلعة قايتباي ومعه مجموعة من المقاتلين، وأخيرا استسلم وكف عن القتال.
ولم يكن هناك بد من التسليم ودخل نابليون المدينة، وأعلن فيها الأمان. وفي 6 سبتمبر 1798 أصدر نابليون بونابرت أمرا بتنفيذ عقوبة الإعدام في السيد محمد كريم «بميدان الرميلة» في القاهرة.
وتشير كتب التاريخ... إلى أن نابليون بونابرت أصبح حاكما اسمه «بونابردي باشا»، وحاول بجميع السبل التودد للمصريين والظهور لهم كبطل جاء ليحررهم من تسلط المماليك، كما عمل على محاباة المصريين من خلال تأكيد احترامه للعقائد والعادات والتقاليد الخاصة بهم، وحاول بكل السبل إقناعهم أنه مسلم وأن الجنود الفرنسيين مسلمون وأنه قام هو وجنوده بتخريب كرسي البابا في روما والذي كان يحث النصارى على محاربة المسلمين، كما فعلوا ذلك في مالطة بطردهم فرسان القديس يوحنا، وكان يحاول ألا يظهر في صورة المعتدي المحتل ولكنه لم يتمكن من سياسة الخداع هذه حيث ثار المصريون على الاستعمار وضربوا أروع الأمثال في قصص البطولة والكفاح ضد الاحتلال.
كان نابليون يتجوّل وهو يرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب،. وكان يتردد على المسجد في أيام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية بالصلاة، وكوّن نابليون ديوانا استشاريا مؤلفا من المشايخ والعلماء المسلمين مكونا من11 عالما ويترأسه الشيخ عبد الله الشرقاوي.
ولم يستمر الاحتلال الفرنسي لمصر سوى «3» سنوات نتيجة للمقاومة الشرسة والثورات التي شنها المصريون على الاستعمار الفرنسي وانتشار وباء الطاعون حيث بدأ الجيش الفرنسي مرحلة من الضعف، بالإضافة إلى أن إنكلترا وتركيا قد عقدتا العزم على طرد الفرنسيين من مصر، وبالفعل تم عقد خطة بين كل من الجيش العثماني والأسطول الإنكليزي بقيادة نيلسون ووقعت الهزيمة للجيش الفرنسي في المعركة التي سميت بمعركة النيل، وتم جلاء الجيش الفرنسي عن مصر في العام 1801.
وعلى الرغم من الاحتلال والقهر الذي تعرض له الشعب المصري على يد جنود الاحتلال الفرنسي بقيادة نابليون إلا أنه كان هناك عدد من الإيجابيات ومنها حضور العديد من العلماء المرافقين لنابليون والحملة الفرنسية، حيث كان هناك العديد من العلماء في شتى المجالات العلمية والفنية وغيرهم من أطباء ورسامين وفلكيين والذين ساهموا جميعا في وضع كتاب «وصف مصر».
وهو الكتاب الذي يقوم برصد وتسجيل كل أمور الحياة في مصر من حياة حضارية قديمة وتوثيق لجميع الثروات التاريخية والفنية والدينية المصرية، فخرج الكتاب في عشرين جزءا متميزا بلوحات ورسومات يدوية شديدة الدقة، ويعد هذا الكتاب الآن أكبر مخطوطة يدوية بها حصر شامل للأراضي والآثار المصرية يتمتع بالدراسة المتعمقة والرسوم التوضيحية.
كان أحد أحلام نابليون هو حفر قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، ولكن لم يتحقق هذا الحلم في عهد نابليون، ولكنه تحقق بعدها بنصف قرن عندما قام ديليسبس بحفر قناة السويس.
ومن أقوال نابليون عن مصر :
• في مصر لو حكمت لن أضيع قطرة واحدة من النيل في البحر ، وسأقيم أكبر مزارع ومصانع أطلق بها إمبراطورية هائلة، ولو قمت بتوحيد الإسلام والمسلمين تحت راية الإمبراطورية سوف يسود العالم السلام الفرنسي.
• في مصر قضيت أجمل السنوات، ففي أوروبا الغيوم لا تجعلك تفكر في المشاريع التي تغير التاريخ، أما في مصر فإن الذي يحكم بإمكانه أن يغير التاريخ.
• لو لم أكن حاكما على مصر لما أصبحت إمبراطورا على فرنسا.
القنصلية والإمبراطورية
بعد فشل حملة نابليون على مصر عاد إلى فرنسا حيث أحدث انقلابا بها تولى بعده السلطة وأصبح إمبراطورا عليها في مايو 1804، بعدما قام بتحويل نظام الحكم من القنصلية إلى الإمبراطورية.
استطاع نابليون أن يكون إمبراطورية أوروبية هائلة، ففي العام 1805 دخل الحرب ضد بريطانيا والنمسا وروسيا ونجح في التغلب عليها ولكن عندما دخل الجيش الفرنسي إلى موسكو لم يستطع المقاومة ولم يتمكن نابليون من تزويد جيشه بالإمدادات اللازمة فأصابه الإنهاك والتعب نتيجة لبرودة الطقس وانتشار الأمراض في صفوفه فهلك في هذه الحملة قرابة 500 ألف جندي فرنسي فكانت الهزيمة من نصيب نابليون وجيشه.
وبعد عودة نابليون من روسيا تحالفت عليه عدد من الدول الأوروبية منها النمسا وإنكلترا، وبروسيا وروسيا في «معركة الأمم» وسقطت باريس في أيديهم في 11 أبريل 1814، وقام نابليون بالتنازل عن العرش ونفي إلى جزيرة «ألبا» في الساحل الشمالي الغربي لإيطاليا، ولكنه عاد من جديد وكون جيشا مرة أخرى و تصدى له الحلفاء بقيادة إنكلترا ووقعت الهزيمة له مرة أخرى في العام 1815بموقعة واترلو الشهيرة بالقرب من بروكسيل، وهو الأمر الذي لم يستطع أن يكون معه نابليون جيشا آخر فقرر التنازل عن الحكم حيث تم نفيه إلى جزيرة سانت هيلانة بجنوب المحيط الأطلنطي.
عرف عن نابليون عشقه للنساء، ولقد تزوج من جوزفين دي بوارنييه - ذات الأصول الفرنسية - هذه المرأة التي أحبها نابليون حبا جما، وتم الزواج في العام 1796 وكان نابليون هو الزوج الثاني في حياة جوزين حيث كانت متزوجة قبله من الفيكونت دي بوارينييه ولديها منه طفلان، وظلت زوجة له حتى وقع الطلاق بينهما في العام 1809، ولم يسفر هذا الزواج عن أي أطفال لهما، تزوج نابليون بعد طلاقه من جوزفين من ماري لويز ابنة إمبراطور النمسا.
نهاية غامضة
توفي نابليون بونابرت في 5 مايو العام 1821في منفاه في جزيرة سانت هيلانة عن عمر يناهز 52 عاما، بعد معاناة من مرض أصابه في معدته يقال إنه قرحة بالمعدة أو سرطان بالمعدة وقد دفن في سانت هيلانة إلا أن جثمانه أعيد بعد ذلك إلى باريس ودفن في كنيسة القبة.
ويقال إنه اغتيل عن طريق طلاء جدران غرفته بالزرنيخ وتسبب ذلك له بقرحة معدية لازمته حتى وفاته ولذلك كان غالبا ما يضع يده داخل سترته فوق معدته.
وقد تعددت الأقوال حول سبب وفاة نابليون، فالبعض قال إنه مات بسرطان المعدة، بينما رأى آخرون أنه مات مسموما بالزرنيخ لعدة دلائل تم اكتشافها فيما بعد ومنها أن جسده ظل سليما إلى درجة كبيرة بعد عشرين عاما من وفاته، وهي إحدى خصائص الزرنيخ، كما أن وصف «لويس مارشند» لبونابرت في الأشهر الأخيرة من حياته، مطابق لأعراض حالات التسمم بتلك المادة، ومع ذلك فقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة أنه مات بسرطان المعدة تماما كأبيه.
وقد رجح الدكتور باسكال كينتز - خبير سموم فرنسي - أنه يعتقد أن الإمبراطور الفرنسي الراحل نابليون بونابرت قد مات مسموما وأعلن أنه عثر على آثار الزرنيخ المعدني المعروف شعبيا باسم «سم الفئران» في شعر بونابرت العام 2001، من هذا استنتج أن الإمبراطور المخلوع مات مسموما وليس نتيجة الإصابة بسرطان المعدة .
وأكد كينتز أن الزرنيخ وصل إلى النخاع الشوكي للشعر ما يفسر وصوله عبر الدم ومن خلال أغذية مهضومة ، وبهذا رد على النظرية التي طرحتها العام 2002 نشرة «سيانس آي في -علم وحياة - الفرنسية الشهرية».
والتي تقول: إن الزرنيخ المكتشف خارجيّ المصدر ولم يتناوله الإمبراطور وبنى نظريته على النشرة الفرنسية التي قالت إن الزرنيخ كان يستخدم كثيرا في القرن التاسع عشر للمحافظة على الشعر.
إنجازات وإخفاقات
كان لنابليون أعداء كُثر يكرهونه ولكن يكنون له عظيم الاحترام في ذات الوقت، فعندما سئل أمير البحر الدوق ويلينغتون قائد الإنكليز في معركة واترلو الشهيرة عن أعظم جنرال في وقته، قال إن أعظمهم في - الماضي والحاضر والمستقبل - وكل وقت هو نابليون بونابرت.
ينسب لنابليون الفضل في صدور القانون المدني الفرنسي والذي اقتبسته باقي الدول الأوروبية، وهو قائد عظيم لإنشائه حكومة منظمة شديدة البأس ومحاكم عدلية ومدارس وإدارة قوية ونشيطة ومتنورة لا يزال الفرنسيون إلى الآن سائرين عليها، وهو عظيم لأنه بعث إيطاليا من موت الخمول وأنارها بمشكاة الرقي والعمران، إلى جانب قهره لجميع الملوك المعاكسين له وكسر جميع الجيوش على اختلاف تدريبها وبسالتها. ومع ذلك فإن له مساوئ عديدة منها قمعه لثورة العبيد في هاييتي وقراره في العام 1801 القاضي بعودة العبودية في فرنسا بعد أن كانت الجمهورية قد ألغتها، بالإضافة لتسببه في مقتل مئات الآلاف في أوروبا بسبب الحروب التي خاضها هناك.
«كل قصير مكير ... احذروا كل من اقترب من الأرض ... كل قصير خطير، القصير يا حكمة يا نقمة»... كثيرة هي تلك الأمثال التي تتحدث عن قصار القامة في مجتمعاتنا العربية، بعضها سخرت منهم وأغلبها حذرت من دهائهم ومكرهم وقدرتهم على المراوغة والمناورة.
لكن التاريخ يؤكد أن «كل قصير عظيم»... أو بالأحرى أن أغلب العظماء كانوا من قصار القامة، سواء من الزعماء أو القادة العسكريين أو الأدباء والمفكرين ومشاهير الفن والرياضة.
ومن أبرز الشخصيات المشهورة بقصر القامة... الفرعون المصري توت عنخ آمون، والقائد المغولي هولاكو، وإمبراطور فرنسا نابليون الأول ولويس السابع عشر، والسلطان العثماني سليم الأول، والملكة فيكتوريا، ونلسون وستالين وهتلر وموسوليني وفرانكو وغاندي ونلسون مانديلا وخروتشوف وأيزنهاور وغاغارين «أول من صعد إلى الفضاء» وغيرهم.
أما نجوم الفن والرياضة فأبرزهم بيكاسو ودافنشي وأسطورة الكوميديا تشارلي شابلن والمطرب المصري الراحل عبدالحليم حافظ وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والسندريللا سعاد حسني وغيرهم، ومن لاعبي كرة القدم: الأسطورة ماردونا واللاعب الأرجنتيني الساحر ميسي وغيرهما.
وهناك من الأدباء فولتير ويحيى حقي وإبراهيم المازني وإبراهيم ناجي وأمير الشعراء أحمد شوقي والأديب أحمد حسن الزيات.
الكاتب الصحافي المصري أنيس منصور قال : كان لأستاذنا العقاد نكتة خشنة يقولها أحيانا... يقول: الناس عندما يرونني أنا والمازني يقولون : هؤلاء العشرة، أي رقم 10 ـ أي العقاد هو الواحد والمازني هو الصفر لقصر قامته... وكان العقاد يضحك لذلك كثيرا.
وأضاف: لم نقرأ أو نسمع أن قصار القامة كانوا يعانون من هذا العيب في الطفولة أو في سنوات المجد... فقط الرئيس الفرنسي ساركوزي هو الذي قال: أنا قصير مثل نابليون... وكانت أم الرئيس ساركوزي هي التي تقول: إن ابني يخلع حذاء عالي الكعب من أجل حذاء آخر أعلى كعبا!... لعلها تقصد كعب الجميلات حوله!
غير أن علماء النفس يقولون إن: هتلر وموسوليني وفرانكو وستالين وغيرهم من قصار القامة عمدوا إلى تحصيل قوة الشخصية وجمع النفوذ السياسي في سلطتهم بعد أن عز عليهم أن يغيروا ما وهبتهم الطبيعة إياه من أجسام وقامات.
وعبر سطور «الراي»... نروي حكايات عدد من هؤلاء ومسيرة صعودهم، وكيف أصبحوا عظماء وإن اختلف البعض حولهم... فتابعونا حلقة بعد أخرى.
ولد إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت الذي يعده البعض أعظم عبقرية عسكرية عرفها التاريخ... في جزيرة كورسيكا العام 1769 بعد عام من انضمامها إلى فرنسا وكان الطفل الرابع والابن الثاني لـكارول وليتيزيا رامولينو بونابرت، وينحدر والده من عائلات إيطالية نبيلة. وكان هذا سبب نطقه للفرنسية بلكنة إيطالية.
وعرف عن نابليون قصر قامته, وبحسب كتب السير الذاتية لم يكن طوله يتجاوز 1.68متر لكن دهاءه مكنه من هزيمة اثنتين من أعظم قوى العالم في عصره هما النمسا وروسيا.
كما عرف عنه عشقه للنساء وذكاؤه النادر وأنه لم يكن يشرع في رسم أي خطة حربية إلا وهو يمص أقراص السوس , كما كان خطه في الكتابة رديئا جدا , حتى إن البعض ظن أن رسائله رموز أو خرائط حربية , وقال عنه المقربون منه إنه كان غريب الأطوار.
تلقى نابليون تعليمه وتدريبه العسكري في فرنسا والتحق بالكلية الحربية الملكية في باريس... حيث أنهى دراسته في عام واحد بدلا من عامين - كما كان مقررا - نظرا لنبوغه وذكائه الحاد، ليبدأ حياته العملية وهو في السادسة عشرة العام 1785برتبة ملازم ثان في الجيش الفرنسي.
ذكاء ومهارة
خدم نابليون في سلاح المدفعية، ثم في مدرسة تدريب ضباط المدفعية، وفي العام 1791 تمت ترقيته إلى رتبة ملازم أول ومنها إلى رتبة نقيب في العام 1792، ونظرا لذكائه ومهارته العسكرية والحربية تدرج سريعا في عمله، فتم تعيينه قائدا للجيش الفرنسي في العام 1794 بعد تمكنه من حماية مدينة طولون أثناء الثورة الفرنسية.
وتقول كتب السير الذاتية... إن نابليون لعب دورا مهما في الدفاع عن الثورة الفرنسية ضد أنصار الملكية، كما أنه أثبت مقدرة عسكرية فائقة في الحروب الأولى التي خاضها ومنها معركة طولون التي وضع هو خطتها بدلا من تلك التي كان قد وضعها قائد القوات.
خاض نابليون الكثير من المعارك ضد النمسا وروسيا وبريطانيا وبروسيا، وغيرها من الدول، حيث حقق انتصارات باهرة في 40 منها، حتى إن البعض قارنه بالإسكندر الأكبر و يوليوس قيصر.
وكانت البداية انتصاره في الحرب التي وقعت بينه وبين النمسا، ثم توالت انتصاراته في عدد من الحروب الكبرى الأخرى، إلى أن وقعت فرنسا معاهدة كامبو فورميو والتي نتج عنها توسع فرنسا في أراضيها.
الحملة على مصر
أقنع نابليون الحكومة الفرنسية بالهجوم على مصر واحتلالها فأعد حملة على مصر في العام 1798, وكانت الحملة مكونة من 30 ألف محارب.
وفي 19 مايو 1798 أقلع أسطول فرنسي كبير مكون من 26 سفينة من ميناء طولون، وبلغ الإنكليز أنباء مغادرة نابليون فرنسا وعهدوا إلى نيلسون باقتفاء أثره وتدمير أسطوله، فقصد إلى مالطة, ولكنه وجد أن أسطول نابليون غادرها نحو الشرق قبل «5» أيام، فرجح أنها تقصد مصر واتجه إلى الإسكندرية وبلغها يوم 28 يونيو 1798 فلم يعثر هناك للفرنسيين على أثر.
وصل الأسطول الفرنسي غرب الإسكندرية «220 كيلو مترا شمال غربي القاهرة» في أول يوليو 1798، وبادر بإنزال قواته ليلا على البر, ثم سير جيشا إلى الإسكندرية.
أنزلت المراكب الحربية الفرنسية الجيش الفرنسي في يوليو 1798 في الإسكندرية ...ووجّه نابليون في اليوم ذاته نداءً إلى الشعب المصري، وأصدرت الحملة نداء إلى الشعب بالاستكانة والتعاون زاعمة أن نابليون قد اعتنق الإسلام وأصبح صديقا وحاميا للإسلام.
استولى نابليون على أغنى إقليم في الإمبراطورية العثمانية، وادعى أنه «صديق للسلطان العثماني» كما أدعى أنه قدم إلى مصر «للقصاص من المماليك» لا غير، باعتبارهم أعداء السلطان، وأعداء الشعب المصري .
وظل محمد كريم يقاوم تقدم الجيش الفرنسي في الإسكندرية وظل يتقهقر ثم اعتصم بقلعة قايتباي ومعه مجموعة من المقاتلين، وأخيرا استسلم وكف عن القتال.
ولم يكن هناك بد من التسليم ودخل نابليون المدينة، وأعلن فيها الأمان. وفي 6 سبتمبر 1798 أصدر نابليون بونابرت أمرا بتنفيذ عقوبة الإعدام في السيد محمد كريم «بميدان الرميلة» في القاهرة.
وتشير كتب التاريخ... إلى أن نابليون بونابرت أصبح حاكما اسمه «بونابردي باشا»، وحاول بجميع السبل التودد للمصريين والظهور لهم كبطل جاء ليحررهم من تسلط المماليك، كما عمل على محاباة المصريين من خلال تأكيد احترامه للعقائد والعادات والتقاليد الخاصة بهم، وحاول بكل السبل إقناعهم أنه مسلم وأن الجنود الفرنسيين مسلمون وأنه قام هو وجنوده بتخريب كرسي البابا في روما والذي كان يحث النصارى على محاربة المسلمين، كما فعلوا ذلك في مالطة بطردهم فرسان القديس يوحنا، وكان يحاول ألا يظهر في صورة المعتدي المحتل ولكنه لم يتمكن من سياسة الخداع هذه حيث ثار المصريون على الاستعمار وضربوا أروع الأمثال في قصص البطولة والكفاح ضد الاحتلال.
كان نابليون يتجوّل وهو يرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب،. وكان يتردد على المسجد في أيام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية بالصلاة، وكوّن نابليون ديوانا استشاريا مؤلفا من المشايخ والعلماء المسلمين مكونا من11 عالما ويترأسه الشيخ عبد الله الشرقاوي.
ولم يستمر الاحتلال الفرنسي لمصر سوى «3» سنوات نتيجة للمقاومة الشرسة والثورات التي شنها المصريون على الاستعمار الفرنسي وانتشار وباء الطاعون حيث بدأ الجيش الفرنسي مرحلة من الضعف، بالإضافة إلى أن إنكلترا وتركيا قد عقدتا العزم على طرد الفرنسيين من مصر، وبالفعل تم عقد خطة بين كل من الجيش العثماني والأسطول الإنكليزي بقيادة نيلسون ووقعت الهزيمة للجيش الفرنسي في المعركة التي سميت بمعركة النيل، وتم جلاء الجيش الفرنسي عن مصر في العام 1801.
وعلى الرغم من الاحتلال والقهر الذي تعرض له الشعب المصري على يد جنود الاحتلال الفرنسي بقيادة نابليون إلا أنه كان هناك عدد من الإيجابيات ومنها حضور العديد من العلماء المرافقين لنابليون والحملة الفرنسية، حيث كان هناك العديد من العلماء في شتى المجالات العلمية والفنية وغيرهم من أطباء ورسامين وفلكيين والذين ساهموا جميعا في وضع كتاب «وصف مصر».
وهو الكتاب الذي يقوم برصد وتسجيل كل أمور الحياة في مصر من حياة حضارية قديمة وتوثيق لجميع الثروات التاريخية والفنية والدينية المصرية، فخرج الكتاب في عشرين جزءا متميزا بلوحات ورسومات يدوية شديدة الدقة، ويعد هذا الكتاب الآن أكبر مخطوطة يدوية بها حصر شامل للأراضي والآثار المصرية يتمتع بالدراسة المتعمقة والرسوم التوضيحية.
كان أحد أحلام نابليون هو حفر قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، ولكن لم يتحقق هذا الحلم في عهد نابليون، ولكنه تحقق بعدها بنصف قرن عندما قام ديليسبس بحفر قناة السويس.
ومن أقوال نابليون عن مصر :
• في مصر لو حكمت لن أضيع قطرة واحدة من النيل في البحر ، وسأقيم أكبر مزارع ومصانع أطلق بها إمبراطورية هائلة، ولو قمت بتوحيد الإسلام والمسلمين تحت راية الإمبراطورية سوف يسود العالم السلام الفرنسي.
• في مصر قضيت أجمل السنوات، ففي أوروبا الغيوم لا تجعلك تفكر في المشاريع التي تغير التاريخ، أما في مصر فإن الذي يحكم بإمكانه أن يغير التاريخ.
• لو لم أكن حاكما على مصر لما أصبحت إمبراطورا على فرنسا.
القنصلية والإمبراطورية
بعد فشل حملة نابليون على مصر عاد إلى فرنسا حيث أحدث انقلابا بها تولى بعده السلطة وأصبح إمبراطورا عليها في مايو 1804، بعدما قام بتحويل نظام الحكم من القنصلية إلى الإمبراطورية.
استطاع نابليون أن يكون إمبراطورية أوروبية هائلة، ففي العام 1805 دخل الحرب ضد بريطانيا والنمسا وروسيا ونجح في التغلب عليها ولكن عندما دخل الجيش الفرنسي إلى موسكو لم يستطع المقاومة ولم يتمكن نابليون من تزويد جيشه بالإمدادات اللازمة فأصابه الإنهاك والتعب نتيجة لبرودة الطقس وانتشار الأمراض في صفوفه فهلك في هذه الحملة قرابة 500 ألف جندي فرنسي فكانت الهزيمة من نصيب نابليون وجيشه.
وبعد عودة نابليون من روسيا تحالفت عليه عدد من الدول الأوروبية منها النمسا وإنكلترا، وبروسيا وروسيا في «معركة الأمم» وسقطت باريس في أيديهم في 11 أبريل 1814، وقام نابليون بالتنازل عن العرش ونفي إلى جزيرة «ألبا» في الساحل الشمالي الغربي لإيطاليا، ولكنه عاد من جديد وكون جيشا مرة أخرى و تصدى له الحلفاء بقيادة إنكلترا ووقعت الهزيمة له مرة أخرى في العام 1815بموقعة واترلو الشهيرة بالقرب من بروكسيل، وهو الأمر الذي لم يستطع أن يكون معه نابليون جيشا آخر فقرر التنازل عن الحكم حيث تم نفيه إلى جزيرة سانت هيلانة بجنوب المحيط الأطلنطي.
عرف عن نابليون عشقه للنساء، ولقد تزوج من جوزفين دي بوارنييه - ذات الأصول الفرنسية - هذه المرأة التي أحبها نابليون حبا جما، وتم الزواج في العام 1796 وكان نابليون هو الزوج الثاني في حياة جوزين حيث كانت متزوجة قبله من الفيكونت دي بوارينييه ولديها منه طفلان، وظلت زوجة له حتى وقع الطلاق بينهما في العام 1809، ولم يسفر هذا الزواج عن أي أطفال لهما، تزوج نابليون بعد طلاقه من جوزفين من ماري لويز ابنة إمبراطور النمسا.
نهاية غامضة
توفي نابليون بونابرت في 5 مايو العام 1821في منفاه في جزيرة سانت هيلانة عن عمر يناهز 52 عاما، بعد معاناة من مرض أصابه في معدته يقال إنه قرحة بالمعدة أو سرطان بالمعدة وقد دفن في سانت هيلانة إلا أن جثمانه أعيد بعد ذلك إلى باريس ودفن في كنيسة القبة.
ويقال إنه اغتيل عن طريق طلاء جدران غرفته بالزرنيخ وتسبب ذلك له بقرحة معدية لازمته حتى وفاته ولذلك كان غالبا ما يضع يده داخل سترته فوق معدته.
وقد تعددت الأقوال حول سبب وفاة نابليون، فالبعض قال إنه مات بسرطان المعدة، بينما رأى آخرون أنه مات مسموما بالزرنيخ لعدة دلائل تم اكتشافها فيما بعد ومنها أن جسده ظل سليما إلى درجة كبيرة بعد عشرين عاما من وفاته، وهي إحدى خصائص الزرنيخ، كما أن وصف «لويس مارشند» لبونابرت في الأشهر الأخيرة من حياته، مطابق لأعراض حالات التسمم بتلك المادة، ومع ذلك فقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة أنه مات بسرطان المعدة تماما كأبيه.
وقد رجح الدكتور باسكال كينتز - خبير سموم فرنسي - أنه يعتقد أن الإمبراطور الفرنسي الراحل نابليون بونابرت قد مات مسموما وأعلن أنه عثر على آثار الزرنيخ المعدني المعروف شعبيا باسم «سم الفئران» في شعر بونابرت العام 2001، من هذا استنتج أن الإمبراطور المخلوع مات مسموما وليس نتيجة الإصابة بسرطان المعدة .
وأكد كينتز أن الزرنيخ وصل إلى النخاع الشوكي للشعر ما يفسر وصوله عبر الدم ومن خلال أغذية مهضومة ، وبهذا رد على النظرية التي طرحتها العام 2002 نشرة «سيانس آي في -علم وحياة - الفرنسية الشهرية».
والتي تقول: إن الزرنيخ المكتشف خارجيّ المصدر ولم يتناوله الإمبراطور وبنى نظريته على النشرة الفرنسية التي قالت إن الزرنيخ كان يستخدم كثيرا في القرن التاسع عشر للمحافظة على الشعر.
إنجازات وإخفاقات
كان لنابليون أعداء كُثر يكرهونه ولكن يكنون له عظيم الاحترام في ذات الوقت، فعندما سئل أمير البحر الدوق ويلينغتون قائد الإنكليز في معركة واترلو الشهيرة عن أعظم جنرال في وقته، قال إن أعظمهم في - الماضي والحاضر والمستقبل - وكل وقت هو نابليون بونابرت.
ينسب لنابليون الفضل في صدور القانون المدني الفرنسي والذي اقتبسته باقي الدول الأوروبية، وهو قائد عظيم لإنشائه حكومة منظمة شديدة البأس ومحاكم عدلية ومدارس وإدارة قوية ونشيطة ومتنورة لا يزال الفرنسيون إلى الآن سائرين عليها، وهو عظيم لأنه بعث إيطاليا من موت الخمول وأنارها بمشكاة الرقي والعمران، إلى جانب قهره لجميع الملوك المعاكسين له وكسر جميع الجيوش على اختلاف تدريبها وبسالتها. ومع ذلك فإن له مساوئ عديدة منها قمعه لثورة العبيد في هاييتي وقراره في العام 1801 القاضي بعودة العبودية في فرنسا بعد أن كانت الجمهورية قد ألغتها، بالإضافة لتسببه في مقتل مئات الآلاف في أوروبا بسبب الحروب التي خاضها هناك.