أشهر التصفيات... والاغتيالات السياسية
من اغتال جيفارا؟ / 9
مقتل جيفارا
جيفارا
|القاهرة - من حنان عبدالهادي|
تعتبر الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم جسديا قاسما مشتركا بين العرب والغرب - على حد سواء - منذ قرون طويلة وحتى الآن، وكانت تلك العمليات «الإرهابية»، ـ ولاتزال ـ تستهدف شخصيات بارزة ونافذة ورفيعة المستوى، ويمثل إقصاؤها فائدة كبرى لمن يخططون لتصفيتهم، تتمثل في إخفاء أسرار مهمة، أو إفساح الطريق للقفز إلى طموحات لا تتحقق ببقائهم على قيد الحياة.
وعبر التاريخ القديم والمعاصر... شملت عمليات التصفية الجسدية «ملوكا وحكاما ورؤساء حكومات وسياسيين نافذين وناشطين وفلاسفة»، ولأنه يتم التخطيط بعناية ودقة قبل تنفيذها... فإنها تبقى غالبا محاطة بالغموض، كما يبقى الفاعل الرئيسي مجهولا.
وبتعاقب السنين... تتطور عمليات الاغتيالات السياسية، فقديما كانت تتم عن طريق دس السم في الأكل والشرب، أو دفع الضحية من مكان شاهق، أو هدم حائط عليه أثناء نومه... ثم تطورت بعد ذلك بغرض عدم ترك أي دلائل تكشف القاتل، فأصبح كاتم الصوت وتفخيخ السيارات أو المكاتب أو تلغيم الظروف البريدية، وسائل مضمونة للتخلص من الخصوم والمنافسين، مع عدم ترك ما يعتبر أدلة كاشفة للجاني.
وتستعرض «الراي» خلال 15 حلقة... جانبا من أشهر التصفيات والاغتيالات الجسدية سواء في البلدان العربية أو خارجها، ونلقي الضوء على ضحايا تلك العمليات، وملابساتها وتفاصيلها الدقيقة... من خلال روايات شهود عيان والعودة إلى مواقع إلكترونية اهتمت بالشخصيات والعمليات، ومن خلال السير الذاتية لهؤلاء، وكتب اهتمت بهذه النوعية من القضايا.
وقد شغل موضوع الاغتيال السياسي والتصفيات الجسدية تفكير العديد من الباحثين والمفكرين على مر العصور، حيث تحدث عنه علماء الاجتماع والنفس والسياسة ورجال الدين، ووضعوا فيه كثيرا من الكتب التي تعد مراجع في هذا الموضوع.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحل الاغتيال السياسي المشاكل السياسية أو يغير الواقع السياسي أو يحقق الاستقرار والهدوء؟ غالبا: «لا».
أكثر من 40 عاما مضت على تصفية الثوري الكوبي «تشي جيفارا»، ولكن لا أحد يعرف من الذي قتله، ولا أين دفن، وبغض النظر عن ذلك - لايزال جيفارا - رمزا للثورة والنضال والدفاع عن الفقراء والمظلومين.
و«تشي جيفارا» المقاتل الثوري الكوبي - الأرجنتيني، كان يردد دائما «لا يهمني أين ومتى سأموت بقدر ما يهمني أن يبقى الثوار يملأون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء»، وأيا ما كانت أفكاره وعقائده لا نستطيع، الا أن نحترم رجلا كانت له مبادئ وأفكار ظل طيلة حياته يناضل من أجلها، والذي أُسر حيا وقُتل على يد أحد أفراد الجيش البوليفي بعد معركة طاحنة.
نشأته
ولد «أرنستو تشي جيفارا» العام 1928 - بحسب ما ذكرت صفحته على موقع موسوعة ويكيبيديا باللغة العربية - لعائلة برجوازية أرجنتينية، الأب مهندس معماري ميسور الحال دائم التنقل قضى آخر أيامه في كوبا، الأم مثقفة ونشطة، وهي التي نفخت في الفتى روحها الشغوفة بتاريخ الأرجنتين وأميركا اللاتينية كلها، وربته على سير المحررين العظام «آباء الوطن»، وعلى قراءة الشعر، لاسيما الشعر الاسباني، والأدب الفرنسي.
مرض مزمن
ولد في حيّ «روساريو» بمدينة «بيونس أيريس» بالأرجنتين، لم يتجاوز عمره عامين عندما اكتشف أهله أنه مصاب بمرض الربو، ولازمه طوال حياته، ومراعاة لصحة الابن استقرت الأسرة في «ألتاجراسيا» في «اسبرادوكوردوبا» وأسس الأب لجنة مساندة للجمهورية الاسبانية، واستقرت الأسرة في «بيونس أيريس».
تلقى تعليمه الأساسي على يد والدته «دي لاسيرينا»، وكان قارئا لمؤلفات «ماركس» و«أنكلز» و«فرويد»، حيث توافرت الكتب في مكتبة أبيه بالمنزل. التحق بمدرسة «كوليجيو ناسيونال» الثانوية العام 1941، وتفوق في الأدب والرياضة.
عايش في تلك الفترة مأساة لاجئي الحرب الاسبانية الأهلية، والأزمات السياسية المتتابعة في الأرجنتين، خلال عهد الديكتاتور الفاشي «بوان بيرون»، غرست هذه الأحداث في ذهن «جيفارا» الصغير الاحتقار للمسرحية الديموقراطية البرلمانية، وكره السياسيين، وحكم الأقلية الرأسمالية، وحكم واستعباد دولار الولايات المتحدة الامبريالية.
ابان تلك الفترة التحق جيفارا بحركات طلابية لكنه لم يظهر اهتماما ملحوظا بالسياسة، وفي العام 1947 عادت الأسرة للعاصمة ليلتحق الفتى بكلية الطب في «بيونس ايريس» في الحادية والعشرين من عمره وتخرج في العام 1953، درس الطب ليفهم مرضه، لكنه اهتم فيما بعد بمرض الجزام.
كان الفتى النحيل الذي لم يتعد طوله 173 سم يمارس الرياضة بانتظام لمواجهة نوبات الربو، التي كانت تنتابه، وفي العام 1949 ذهب في رحلة طويلة لاكتشاف الأرجنتين الشمالية على دراجة نارية، مع صديق طبيب كان أكبر منه سنا اسمه «ألبرتو جراندو» واستمرت الرحلة 8 أشهر قابل فيها الطبقة الكادحة للمرة الأولى، وكونت شخصيته واحساسه بضرورة وحدة أميركا الجنوبية.
رحلة إلى أميركا الجنوبية
وفي العام1951 عاود الرحلة مرة أخرى - بحسب ما ذكرت معلومات عنه على موقع السفارة الكوبية في القاهرة - وطاف خلالها وفي «أميركا الجنوبية والأرجنتين، وتشيلي وبوليفيا وكولومبيا، والاكوادور وبيرو» عايش معاناة الفلاحين والطبقة الكادحة من العمال وفهم طبيعة الاستغلال الذي تعانيه شعوب الدول المضطهدة، وكيف يستغل الرأسمالي حاجة الفقراء، ويخضعهم لارادته.
عندما تخرج «جيفارا» لم يرد أن يصبح ممارسا عاما ينتمي للطبقة الوسطى، وكرس نفسه ثائرا أو محرضا على الثورة أو مشاركا فيها حيثما أمكن، ففي عام تخرجه 1953 سافر الى المكسيك - البلد الأميركي اللاتيني الأكثر ديموقراطية - وكانت ملجأ للثوار الأميركان اللاتين من كل مكان، ولم يلتحق بالخدمة العسكرية لاصابته بالربو، حين هاجم «فيدل كاسترو» في نفس الفترة العام 1953 على قلعة موناكو، بعد أن فشل الهجوم سُجن وحوكم، وألقي دفاع في المحكمة - هو بمثابة بيان أو برنامج سياسي - ما أدى لاعجاب «جيفارا بـ «كاسترو»، ومحاولة التعرف واللقاء به.
الزواج الأول
في العام 1955 قابل «جيفارا» المناضلة اليسارية «هيلدا أكوستا» من «بيرو» في منفاها في «جواتيمالا» فتزوجها، وأنجب منها طفلته الأولى، و«هيلدا» جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، اضافة الى «لينين»، و«تروتسكي» و«ماوتسي تونج ماو»، «سافر «جيفارا» للمكسيك، بالرغم من أن المخابرات المركزية الأرجنتينية، طلبته من الاستخبارات الأميركية.
وهناك وفي نفس العام 1955 التقى «تشي جيفارا» القائد «فيدل كاسترو»، وقويت علاقة الرفيقين ببعضهما، خططا لتحرير كوبا من حكم الديكتاتور «باتيستا»، انطلق كلا الثائرين، ومعهما 80 ثائرا آخر على متن سفينة قاصدين شواطئ «كوبا»، وأطلق على «جيفارا» لقب «تشي» الصديق أو الرفيق، ورأى «كاسترو» أنهم في أمس الحاجة الى «جيفارا» كطبيب.
في العام 1956 - سُجن «جيفارا» مع «كاسترو» ومجموعة متمردين كوبيين - غير أن هذا لم يبعدهم عن هدفهم في تحرير «كوبا»، فعندما اكتشفت قوات «باتيستا» أمرهم وهاجمتهم. ولم يسلم منهم سوى 20 ثائرا صعدوا جبال «السيرامايسترا»، وهناك أعادوا ترتيب صفوفهم.
الثورة الكوبية
نجح المتمردون في اقناع الفلاحين والفقراء بضرورة الثورة فأمّن ذلك لهم حماية محدودة، وأعلنوا الثورة الكوبية العام 1956. ثم ثبتت جديتهم وتلاحقت انتصاراتهم، وكان من أهم أسباب انتصاراتهم خطاب كاسترو، الذي تسبب في اضراب شامل، وخطة «جيفارا» للنزول من جبال سيرا باتجاه العاصمة الكوبية.
وفي العام1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا، على رأس 300 مقاتل بقيادة «فيدل كاسترو»، وأسقطوا الديكتاتورية العسكرية «لفلوجنسيو باتيستا» بالرغم من تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها لـ «باتيستا» وعملاء الـ «CIA» داخل جيش عصابات «كاسترو».
قائد لا يخشى الموت
بعد نجاح الثورة برز «جيفارا» - كقائد ومقاتل شرس جدا لا يهاب الموت - وسريع البديهة، يحسن التصرف في الأزمات فلم يصبح مجرد طبيب، بل قائد مع «فيدل كاسترو» برتبة «عقيد» في قيادة الثورة، وأشرف «كاسترو» على استراتيجية المعارك في حين قاد وخطط جيفارا للمعارك، وحين عُرف «كاسترو» بخطاباته التي صنعت للثوار شعبيتها، كان جيفارا خلف صياغة الخطاب، واعادة رسم أيديولوجيا الثورة على الأساس «الماركسي اللينيني».
تزوج جيفارا في هذه الأثناء الزوجة الثانية «اليدا مارش»، وأنجب منها 4 أبناء، بعد أن طلق زوجته الأولى، كما تم تعيينه سفيرا متجولا للثورة الكوبية، وزار العديد من البلدان غير المنحازة، والتقى بقياداتها مثل «عبدالناصر» في مصر و«نهرو» في الهند و«تيتو» في يوغوسلافيا، و«سوكارنو» في أندونيسيا، كما زار ايطاليا واليابان وباكستان وغيرها.
الرجل الثاني
صدر قانون يمنح الجنسية والمواطنة الكاملة لكل من حارب الثوار - برتبة عقيد - ولم توجد هذه المواصفات سوى في «جيفارا»، الذي أصبح الرجل الثاني بعد «كاسترو».
وآمن منذ البدء بضرورة ادارة هيئة للنظام الاقتصادي، وأشرف على محاكمات خصوم الثورة، وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن وجهها الشيوعي.
جيفارا وزيرا
في العام 1961 تم تعيين «جيفارا» وزيرا للصناعة، ثم وزيرا ورئيسا للمصرف المركزي بعد ذلك، وقد عمل منذ السنوات الأولى لنجاح الثورة على تصنيع كوبا، لسد احتياجات شعبها، كما انحازت الثورة الكوبية لليسار العالمي حتى لا تخضع للهيمنة الامبريالية، ودعما لهذا الانحياز عقد كل من «جيفارا» و«كاسترو» تحالفا مع الاتحاد السوفيتي، ثم اختلفا معهم على اثر سحب السوفيت صواريخهم من كوبا بعد أن وقعت مع الولايات المتحدة اتفاقية عدم اعتداء مع كوبا.
محرّض على الثورة
وكما جاء على موقع السفارة الكوبية في القاهرة.. أنه بعد أزمة الصواريخ هذه رأى «جيفارا» امكانية نجاح الثورة في بلدان العالم الثالث والبلدان المستعمرة، وشارك في المؤتمر الآسيوي - الأفريقي، الذي عُقد في الجزائر العام 1965م والتقى قادة الثورة الجزائرية، وحرض البلدان الآسيوية والأفريقية على الثورة.
منذ ذلك الحين تعمق خلافه مع السياسة السوفيتية التي كان يراها - سياسة تسوية ومساومة مع الامبريالية - وطرح شعاره الشهير «لا حياة خارج الثورة، ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة وأكثر»، وكان يكرر هذا في كل مكان.
كان «جيفارا» في هذا الوقت قد وصل الى رتبة «قائد»، وهي أعلى رتبة عسكرية بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة، وعلى رأسها «فيدل كاسترو».
وتولى «جيفارا» مناصب عدة على التوالي، وأحيانا في الوقت نفسه المناصب التالية «سفير منتدب للهيئات الدولية الكبرى، ومنظم الميليشيا، ورئيس البنك المركزي، ومسؤول التخطيط ووزير الصناعة، ورئيسا للمعهد الوطني للأبحاث الزراعية».
ومن خلال هذه المناصب تصدى بكل قوته لتدخلات الولايات المتحدة، فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع «كاسترو»، فشددت الولايات المتحدة الحصار على كوبا، ما جعل الحكومة الكوبية تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي، كما أعلنت عن مساعدتها لحركات التحرر في كل من «تشيلي وفيتنام والجزائر».
لم يرتح «جيفارا» للحياة السياسية، حيث اصطدم مع «كاسترو» بسبب الممارسات الوحشية والفاسدة التي يقوم بها قادة حكومة الثورة وقتها، والتي كانت عكس ما يرى في الماركسية من انسانية - حيث كانت سياسته ماركسية - لينينية متوجهة نحو سياسة «ماو - تسي - تونج» وآمن بأن الثورة تُحضر في الريف ثم تنطلق للمدن في حين كان «كاسترو» بميل للسياسة الشيوعية الروسية.
تحرير العالم
قرر «جيفارا» مغادرة كوبا، وخاصة بعد نجاح الثورة ليكمل حلمه في تحرير ومساعدة شعوب العالم النامي للتخلص من الحكم الاستعماري والهيمنة الامبريالية. فسافر الى الكونغو، وسعى لاقامة مجموعة حرب عصابات فيها، ومع أن فكرته لم تلق صدى واسعا لدى بعض القادة الا أنه أصر على موقفه.
وفي العام 1965 أرسل «جيفارا» رسالة الى «كاسترو» تخلى فيها نهائيا عن مسؤولياته في قيادة الحزب، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبي، الا أنه أعلن عن أن هناك روابط طبيعية أخرى، لا يمكن القضاء عليها، بالأوراق الرسمية، كما عبر عن حبه العميق لـ «كاسترو» ولـ «كوبا» وحنينه لأيام النضال المشترك.
اختفاء جيفارا
اختفى «جيفارا» ونشرت مقالات كثيرة عن مقتله لكي يرد - لعل رده يحدد مكانه - لكنه لم يرد، كما نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية شائعات تدعي فيها اختفاء «جيفارا» في ظروف غامضة، ومقتله على يد زميله في النضال القائد الكوبي «فيدل كاسترو»، ما اضطر الزعيم الكوبي للكشف عن الغموض الذي اكتنف اختفاءه عن الجزيرة للشعب فأدلى بخطابه الشهير والذي جاء في أجزاء منه بعض من خطاب «جيفارا».
كانت الرسالة اصرارا من «جيفارا» بعدم العودة الى كوبا بصفة رسمية، فتموه بملابس رجل أعمال ثري لينطلق الى الكونغو مساندا للثورات التحررية، وقائدا لـ «125» كوبيا، وقد فشل بسبب رفض الشعب الأفريقي التعاون معه باعتباره غريبا، ولم يقتنعوا بأهدافه، وساعد على ذلك عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بـ «جيفارا» في أحد مستشفيات «براغ» للنقاهة، وزاره «كاسترو» بنفسه ليرجوه الى العودة، لكنه بقي في زائير «جمهورية الكونغو الديموقراطية». محاربا بجانب قائد ثورة الكونغو «باتريس لومومبا»، وثقت هذه المرحلة رسائل «جيفارا» لـ «كاسترو».
استكمال المسيرة
فضل «جيفارا» اكمال مسيرته بالرغم من ذلك فانطلق متجها الى «بوليفيا»، واستطاع أن يكون فرقا ثورية، وتكوين مجموعة من المحاربين، والبدء بالثورة غير أن مشروع «جيفارا» لم يكن خلق حركة مسلحة «بوليفية» بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أميركا اللاتينية لمجابهة النزعة الأميركية المستقلة لثروات دول القارة، كان اختياره لـ «بوليفيا» سببه وجود أعلى نسبة من السكان الهنود في القارة، في العام 1967 وجد «جيفارا» نفسه مع مقاتليه العشرين، وحيدا يواجه وحدات الجيش المدججة بالسلاح بقيادة «CIA» في برادي بوليفيا الاستوائية أراد «جيفارا» أن يمضي بعض الوقت في حشد القوى، والعمل على تجنيد الفلاحين والعمال والهنود الحمر من حوله، ولكنه أجبر على خوض المعارك مبكرا.
في الفترة ما بين عامي «1966 و1967» كتب جيفارا يوميات المعركة، وعن هذه اليوميات يروي «فيدل كاسترو» قائلا: كانت كتابة اليوميات عادة عند «جيفارا» - لازمته منذ أيام ثورة كوبا التي كنا فيها معا - كان يقف وسط الغابات في وقت الراحة ويمسك بالقلم، يسجل به ما يرى أنه جدير بالتسجيل.
وأضاف: «كاسترو»: هذه اليوميات لم تكتب بقصد النشر، وانما كتبت في اللحظات القليلة النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطولي يفوق طاقة البشر.
قائد الثوار
ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفا - تحت قسوة التعذيب - أن جيفارا هو قائد الثوار، فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد، بقيت الـ «CIA» على رأس جهود الجيش البوليفي طوال الحملة، فانتشر آلاف الجنود لتمشيط المناطق الوعرة بحثا عن أربعين رجلا ضعيفا وجائعا.
قسم «جيفارا» قواته لتسريع تقدمها، ثم أمضوا بعد ذلك «4» أشهر - متفرقين عن بعضهم في الأدغال - الى جانب ظروف الضعف، والعزلة هذه، تعرض جيفارا الى أزمات ربو حادة، ما ساهم في تسهيل البحث عنه ومطاردته.
تعتبر الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم جسديا قاسما مشتركا بين العرب والغرب - على حد سواء - منذ قرون طويلة وحتى الآن، وكانت تلك العمليات «الإرهابية»، ـ ولاتزال ـ تستهدف شخصيات بارزة ونافذة ورفيعة المستوى، ويمثل إقصاؤها فائدة كبرى لمن يخططون لتصفيتهم، تتمثل في إخفاء أسرار مهمة، أو إفساح الطريق للقفز إلى طموحات لا تتحقق ببقائهم على قيد الحياة.
وعبر التاريخ القديم والمعاصر... شملت عمليات التصفية الجسدية «ملوكا وحكاما ورؤساء حكومات وسياسيين نافذين وناشطين وفلاسفة»، ولأنه يتم التخطيط بعناية ودقة قبل تنفيذها... فإنها تبقى غالبا محاطة بالغموض، كما يبقى الفاعل الرئيسي مجهولا.
وبتعاقب السنين... تتطور عمليات الاغتيالات السياسية، فقديما كانت تتم عن طريق دس السم في الأكل والشرب، أو دفع الضحية من مكان شاهق، أو هدم حائط عليه أثناء نومه... ثم تطورت بعد ذلك بغرض عدم ترك أي دلائل تكشف القاتل، فأصبح كاتم الصوت وتفخيخ السيارات أو المكاتب أو تلغيم الظروف البريدية، وسائل مضمونة للتخلص من الخصوم والمنافسين، مع عدم ترك ما يعتبر أدلة كاشفة للجاني.
وتستعرض «الراي» خلال 15 حلقة... جانبا من أشهر التصفيات والاغتيالات الجسدية سواء في البلدان العربية أو خارجها، ونلقي الضوء على ضحايا تلك العمليات، وملابساتها وتفاصيلها الدقيقة... من خلال روايات شهود عيان والعودة إلى مواقع إلكترونية اهتمت بالشخصيات والعمليات، ومن خلال السير الذاتية لهؤلاء، وكتب اهتمت بهذه النوعية من القضايا.
وقد شغل موضوع الاغتيال السياسي والتصفيات الجسدية تفكير العديد من الباحثين والمفكرين على مر العصور، حيث تحدث عنه علماء الاجتماع والنفس والسياسة ورجال الدين، ووضعوا فيه كثيرا من الكتب التي تعد مراجع في هذا الموضوع.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحل الاغتيال السياسي المشاكل السياسية أو يغير الواقع السياسي أو يحقق الاستقرار والهدوء؟ غالبا: «لا».
أكثر من 40 عاما مضت على تصفية الثوري الكوبي «تشي جيفارا»، ولكن لا أحد يعرف من الذي قتله، ولا أين دفن، وبغض النظر عن ذلك - لايزال جيفارا - رمزا للثورة والنضال والدفاع عن الفقراء والمظلومين.
و«تشي جيفارا» المقاتل الثوري الكوبي - الأرجنتيني، كان يردد دائما «لا يهمني أين ومتى سأموت بقدر ما يهمني أن يبقى الثوار يملأون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء»، وأيا ما كانت أفكاره وعقائده لا نستطيع، الا أن نحترم رجلا كانت له مبادئ وأفكار ظل طيلة حياته يناضل من أجلها، والذي أُسر حيا وقُتل على يد أحد أفراد الجيش البوليفي بعد معركة طاحنة.
نشأته
ولد «أرنستو تشي جيفارا» العام 1928 - بحسب ما ذكرت صفحته على موقع موسوعة ويكيبيديا باللغة العربية - لعائلة برجوازية أرجنتينية، الأب مهندس معماري ميسور الحال دائم التنقل قضى آخر أيامه في كوبا، الأم مثقفة ونشطة، وهي التي نفخت في الفتى روحها الشغوفة بتاريخ الأرجنتين وأميركا اللاتينية كلها، وربته على سير المحررين العظام «آباء الوطن»، وعلى قراءة الشعر، لاسيما الشعر الاسباني، والأدب الفرنسي.
مرض مزمن
ولد في حيّ «روساريو» بمدينة «بيونس أيريس» بالأرجنتين، لم يتجاوز عمره عامين عندما اكتشف أهله أنه مصاب بمرض الربو، ولازمه طوال حياته، ومراعاة لصحة الابن استقرت الأسرة في «ألتاجراسيا» في «اسبرادوكوردوبا» وأسس الأب لجنة مساندة للجمهورية الاسبانية، واستقرت الأسرة في «بيونس أيريس».
تلقى تعليمه الأساسي على يد والدته «دي لاسيرينا»، وكان قارئا لمؤلفات «ماركس» و«أنكلز» و«فرويد»، حيث توافرت الكتب في مكتبة أبيه بالمنزل. التحق بمدرسة «كوليجيو ناسيونال» الثانوية العام 1941، وتفوق في الأدب والرياضة.
عايش في تلك الفترة مأساة لاجئي الحرب الاسبانية الأهلية، والأزمات السياسية المتتابعة في الأرجنتين، خلال عهد الديكتاتور الفاشي «بوان بيرون»، غرست هذه الأحداث في ذهن «جيفارا» الصغير الاحتقار للمسرحية الديموقراطية البرلمانية، وكره السياسيين، وحكم الأقلية الرأسمالية، وحكم واستعباد دولار الولايات المتحدة الامبريالية.
ابان تلك الفترة التحق جيفارا بحركات طلابية لكنه لم يظهر اهتماما ملحوظا بالسياسة، وفي العام 1947 عادت الأسرة للعاصمة ليلتحق الفتى بكلية الطب في «بيونس ايريس» في الحادية والعشرين من عمره وتخرج في العام 1953، درس الطب ليفهم مرضه، لكنه اهتم فيما بعد بمرض الجزام.
كان الفتى النحيل الذي لم يتعد طوله 173 سم يمارس الرياضة بانتظام لمواجهة نوبات الربو، التي كانت تنتابه، وفي العام 1949 ذهب في رحلة طويلة لاكتشاف الأرجنتين الشمالية على دراجة نارية، مع صديق طبيب كان أكبر منه سنا اسمه «ألبرتو جراندو» واستمرت الرحلة 8 أشهر قابل فيها الطبقة الكادحة للمرة الأولى، وكونت شخصيته واحساسه بضرورة وحدة أميركا الجنوبية.
رحلة إلى أميركا الجنوبية
وفي العام1951 عاود الرحلة مرة أخرى - بحسب ما ذكرت معلومات عنه على موقع السفارة الكوبية في القاهرة - وطاف خلالها وفي «أميركا الجنوبية والأرجنتين، وتشيلي وبوليفيا وكولومبيا، والاكوادور وبيرو» عايش معاناة الفلاحين والطبقة الكادحة من العمال وفهم طبيعة الاستغلال الذي تعانيه شعوب الدول المضطهدة، وكيف يستغل الرأسمالي حاجة الفقراء، ويخضعهم لارادته.
عندما تخرج «جيفارا» لم يرد أن يصبح ممارسا عاما ينتمي للطبقة الوسطى، وكرس نفسه ثائرا أو محرضا على الثورة أو مشاركا فيها حيثما أمكن، ففي عام تخرجه 1953 سافر الى المكسيك - البلد الأميركي اللاتيني الأكثر ديموقراطية - وكانت ملجأ للثوار الأميركان اللاتين من كل مكان، ولم يلتحق بالخدمة العسكرية لاصابته بالربو، حين هاجم «فيدل كاسترو» في نفس الفترة العام 1953 على قلعة موناكو، بعد أن فشل الهجوم سُجن وحوكم، وألقي دفاع في المحكمة - هو بمثابة بيان أو برنامج سياسي - ما أدى لاعجاب «جيفارا بـ «كاسترو»، ومحاولة التعرف واللقاء به.
الزواج الأول
في العام 1955 قابل «جيفارا» المناضلة اليسارية «هيلدا أكوستا» من «بيرو» في منفاها في «جواتيمالا» فتزوجها، وأنجب منها طفلته الأولى، و«هيلدا» جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، اضافة الى «لينين»، و«تروتسكي» و«ماوتسي تونج ماو»، «سافر «جيفارا» للمكسيك، بالرغم من أن المخابرات المركزية الأرجنتينية، طلبته من الاستخبارات الأميركية.
وهناك وفي نفس العام 1955 التقى «تشي جيفارا» القائد «فيدل كاسترو»، وقويت علاقة الرفيقين ببعضهما، خططا لتحرير كوبا من حكم الديكتاتور «باتيستا»، انطلق كلا الثائرين، ومعهما 80 ثائرا آخر على متن سفينة قاصدين شواطئ «كوبا»، وأطلق على «جيفارا» لقب «تشي» الصديق أو الرفيق، ورأى «كاسترو» أنهم في أمس الحاجة الى «جيفارا» كطبيب.
في العام 1956 - سُجن «جيفارا» مع «كاسترو» ومجموعة متمردين كوبيين - غير أن هذا لم يبعدهم عن هدفهم في تحرير «كوبا»، فعندما اكتشفت قوات «باتيستا» أمرهم وهاجمتهم. ولم يسلم منهم سوى 20 ثائرا صعدوا جبال «السيرامايسترا»، وهناك أعادوا ترتيب صفوفهم.
الثورة الكوبية
نجح المتمردون في اقناع الفلاحين والفقراء بضرورة الثورة فأمّن ذلك لهم حماية محدودة، وأعلنوا الثورة الكوبية العام 1956. ثم ثبتت جديتهم وتلاحقت انتصاراتهم، وكان من أهم أسباب انتصاراتهم خطاب كاسترو، الذي تسبب في اضراب شامل، وخطة «جيفارا» للنزول من جبال سيرا باتجاه العاصمة الكوبية.
وفي العام1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا، على رأس 300 مقاتل بقيادة «فيدل كاسترو»، وأسقطوا الديكتاتورية العسكرية «لفلوجنسيو باتيستا» بالرغم من تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها لـ «باتيستا» وعملاء الـ «CIA» داخل جيش عصابات «كاسترو».
قائد لا يخشى الموت
بعد نجاح الثورة برز «جيفارا» - كقائد ومقاتل شرس جدا لا يهاب الموت - وسريع البديهة، يحسن التصرف في الأزمات فلم يصبح مجرد طبيب، بل قائد مع «فيدل كاسترو» برتبة «عقيد» في قيادة الثورة، وأشرف «كاسترو» على استراتيجية المعارك في حين قاد وخطط جيفارا للمعارك، وحين عُرف «كاسترو» بخطاباته التي صنعت للثوار شعبيتها، كان جيفارا خلف صياغة الخطاب، واعادة رسم أيديولوجيا الثورة على الأساس «الماركسي اللينيني».
تزوج جيفارا في هذه الأثناء الزوجة الثانية «اليدا مارش»، وأنجب منها 4 أبناء، بعد أن طلق زوجته الأولى، كما تم تعيينه سفيرا متجولا للثورة الكوبية، وزار العديد من البلدان غير المنحازة، والتقى بقياداتها مثل «عبدالناصر» في مصر و«نهرو» في الهند و«تيتو» في يوغوسلافيا، و«سوكارنو» في أندونيسيا، كما زار ايطاليا واليابان وباكستان وغيرها.
الرجل الثاني
صدر قانون يمنح الجنسية والمواطنة الكاملة لكل من حارب الثوار - برتبة عقيد - ولم توجد هذه المواصفات سوى في «جيفارا»، الذي أصبح الرجل الثاني بعد «كاسترو».
وآمن منذ البدء بضرورة ادارة هيئة للنظام الاقتصادي، وأشرف على محاكمات خصوم الثورة، وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن وجهها الشيوعي.
جيفارا وزيرا
في العام 1961 تم تعيين «جيفارا» وزيرا للصناعة، ثم وزيرا ورئيسا للمصرف المركزي بعد ذلك، وقد عمل منذ السنوات الأولى لنجاح الثورة على تصنيع كوبا، لسد احتياجات شعبها، كما انحازت الثورة الكوبية لليسار العالمي حتى لا تخضع للهيمنة الامبريالية، ودعما لهذا الانحياز عقد كل من «جيفارا» و«كاسترو» تحالفا مع الاتحاد السوفيتي، ثم اختلفا معهم على اثر سحب السوفيت صواريخهم من كوبا بعد أن وقعت مع الولايات المتحدة اتفاقية عدم اعتداء مع كوبا.
محرّض على الثورة
وكما جاء على موقع السفارة الكوبية في القاهرة.. أنه بعد أزمة الصواريخ هذه رأى «جيفارا» امكانية نجاح الثورة في بلدان العالم الثالث والبلدان المستعمرة، وشارك في المؤتمر الآسيوي - الأفريقي، الذي عُقد في الجزائر العام 1965م والتقى قادة الثورة الجزائرية، وحرض البلدان الآسيوية والأفريقية على الثورة.
منذ ذلك الحين تعمق خلافه مع السياسة السوفيتية التي كان يراها - سياسة تسوية ومساومة مع الامبريالية - وطرح شعاره الشهير «لا حياة خارج الثورة، ولتوجد فيتنام ثانية وثالثة وأكثر»، وكان يكرر هذا في كل مكان.
كان «جيفارا» في هذا الوقت قد وصل الى رتبة «قائد»، وهي أعلى رتبة عسكرية بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة، وعلى رأسها «فيدل كاسترو».
وتولى «جيفارا» مناصب عدة على التوالي، وأحيانا في الوقت نفسه المناصب التالية «سفير منتدب للهيئات الدولية الكبرى، ومنظم الميليشيا، ورئيس البنك المركزي، ومسؤول التخطيط ووزير الصناعة، ورئيسا للمعهد الوطني للأبحاث الزراعية».
ومن خلال هذه المناصب تصدى بكل قوته لتدخلات الولايات المتحدة، فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع «كاسترو»، فشددت الولايات المتحدة الحصار على كوبا، ما جعل الحكومة الكوبية تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي، كما أعلنت عن مساعدتها لحركات التحرر في كل من «تشيلي وفيتنام والجزائر».
لم يرتح «جيفارا» للحياة السياسية، حيث اصطدم مع «كاسترو» بسبب الممارسات الوحشية والفاسدة التي يقوم بها قادة حكومة الثورة وقتها، والتي كانت عكس ما يرى في الماركسية من انسانية - حيث كانت سياسته ماركسية - لينينية متوجهة نحو سياسة «ماو - تسي - تونج» وآمن بأن الثورة تُحضر في الريف ثم تنطلق للمدن في حين كان «كاسترو» بميل للسياسة الشيوعية الروسية.
تحرير العالم
قرر «جيفارا» مغادرة كوبا، وخاصة بعد نجاح الثورة ليكمل حلمه في تحرير ومساعدة شعوب العالم النامي للتخلص من الحكم الاستعماري والهيمنة الامبريالية. فسافر الى الكونغو، وسعى لاقامة مجموعة حرب عصابات فيها، ومع أن فكرته لم تلق صدى واسعا لدى بعض القادة الا أنه أصر على موقفه.
وفي العام 1965 أرسل «جيفارا» رسالة الى «كاسترو» تخلى فيها نهائيا عن مسؤولياته في قيادة الحزب، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبي، الا أنه أعلن عن أن هناك روابط طبيعية أخرى، لا يمكن القضاء عليها، بالأوراق الرسمية، كما عبر عن حبه العميق لـ «كاسترو» ولـ «كوبا» وحنينه لأيام النضال المشترك.
اختفاء جيفارا
اختفى «جيفارا» ونشرت مقالات كثيرة عن مقتله لكي يرد - لعل رده يحدد مكانه - لكنه لم يرد، كما نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية شائعات تدعي فيها اختفاء «جيفارا» في ظروف غامضة، ومقتله على يد زميله في النضال القائد الكوبي «فيدل كاسترو»، ما اضطر الزعيم الكوبي للكشف عن الغموض الذي اكتنف اختفاءه عن الجزيرة للشعب فأدلى بخطابه الشهير والذي جاء في أجزاء منه بعض من خطاب «جيفارا».
كانت الرسالة اصرارا من «جيفارا» بعدم العودة الى كوبا بصفة رسمية، فتموه بملابس رجل أعمال ثري لينطلق الى الكونغو مساندا للثورات التحررية، وقائدا لـ «125» كوبيا، وقد فشل بسبب رفض الشعب الأفريقي التعاون معه باعتباره غريبا، ولم يقتنعوا بأهدافه، وساعد على ذلك عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بـ «جيفارا» في أحد مستشفيات «براغ» للنقاهة، وزاره «كاسترو» بنفسه ليرجوه الى العودة، لكنه بقي في زائير «جمهورية الكونغو الديموقراطية». محاربا بجانب قائد ثورة الكونغو «باتريس لومومبا»، وثقت هذه المرحلة رسائل «جيفارا» لـ «كاسترو».
استكمال المسيرة
فضل «جيفارا» اكمال مسيرته بالرغم من ذلك فانطلق متجها الى «بوليفيا»، واستطاع أن يكون فرقا ثورية، وتكوين مجموعة من المحاربين، والبدء بالثورة غير أن مشروع «جيفارا» لم يكن خلق حركة مسلحة «بوليفية» بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أميركا اللاتينية لمجابهة النزعة الأميركية المستقلة لثروات دول القارة، كان اختياره لـ «بوليفيا» سببه وجود أعلى نسبة من السكان الهنود في القارة، في العام 1967 وجد «جيفارا» نفسه مع مقاتليه العشرين، وحيدا يواجه وحدات الجيش المدججة بالسلاح بقيادة «CIA» في برادي بوليفيا الاستوائية أراد «جيفارا» أن يمضي بعض الوقت في حشد القوى، والعمل على تجنيد الفلاحين والعمال والهنود الحمر من حوله، ولكنه أجبر على خوض المعارك مبكرا.
في الفترة ما بين عامي «1966 و1967» كتب جيفارا يوميات المعركة، وعن هذه اليوميات يروي «فيدل كاسترو» قائلا: كانت كتابة اليوميات عادة عند «جيفارا» - لازمته منذ أيام ثورة كوبا التي كنا فيها معا - كان يقف وسط الغابات في وقت الراحة ويمسك بالقلم، يسجل به ما يرى أنه جدير بالتسجيل.
وأضاف: «كاسترو»: هذه اليوميات لم تكتب بقصد النشر، وانما كتبت في اللحظات القليلة النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطولي يفوق طاقة البشر.
قائد الثوار
ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفا - تحت قسوة التعذيب - أن جيفارا هو قائد الثوار، فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد، بقيت الـ «CIA» على رأس جهود الجيش البوليفي طوال الحملة، فانتشر آلاف الجنود لتمشيط المناطق الوعرة بحثا عن أربعين رجلا ضعيفا وجائعا.
قسم «جيفارا» قواته لتسريع تقدمها، ثم أمضوا بعد ذلك «4» أشهر - متفرقين عن بعضهم في الأدغال - الى جانب ظروف الضعف، والعزلة هذه، تعرض جيفارا الى أزمات ربو حادة، ما ساهم في تسهيل البحث عنه ومطاردته.