وداعاً للشهرة
محمود سعيد: لم أودع الشهرة لكنني مغلوب على أمري / 7
محمود سعيد
في أحد أدواره
محمود سعيد
| بيروت - من محمد حسن حجازي |
للشهرة مذاقها وحضورها الذي يخطف الألباب، وهي الغاية التي يسعى الكثير من الناس للوصول إليها... ومتى تحققت ستدر على صاحبها الراحة والطمأنينة وأحياناً المال الوفير.
ومثلما للشهرة طعمها اللذيذ، فإن لانصرافها كذلك طعمها المر الذي يحس بها الفنان أو المشهور، وهو طعم ربما يدفع إلى العزلة أو الانزواء في ركن الوحدة.
والابتعاد عن الشهرة، ربما يأتي طواعية، من خلال زهد الفنان أو المشهور في الأضواء، ورغبته في أن يعيش في هدوء، أو ربما يأتي الابتعاد لأسباب خارجة عن الارادة مثل كبر سن الفنان، أو افول نجمه أو لأسباب صحية وغيرها.
إلا انه في النهاية حينما يقول هذا الشخص «وداعاً للشهرة»... سيجد الألم يحاصره، وان الذكريات الجميلة هي المتبقية في وجدانه، وعبر حلقات «وداعاً للشهرة» ستعرض بالحديث لأهم الشخصيات التي ودعتها الشهرة.
محمود سعيد... معروف بين زملائه بأنه غول امام الكاميرا. وهو اكثر الفنانين الذين يعرفون كيف يسرقون عينها اليهم حتى لو كانت تعليمات الاخراج غير ذلك.
سيد الادوار الصعبة، درامياً وميلودرامياً، وأهم من قدم الأدوار التاريخية، ففيه هيئة عنترة بن شداد وفيه ايضاً ملامح من العرب الذين وصفتهم لنا كتب الادب المتوارثة. وحدها الكوميديا حضرت في يومياته وحياته العادية ولم يستطع اي كاتب او مخرج المخاطرة به ومعه في هذا المجال، من ضمن ثوابت ارهقت الدراما العربية دائماً وهي الثوابت التي تؤرخ فنانين كبارا فتحدد ملامح عطاءاتهم وتكون سبباً في اسر مواهبهم.
انه محمود سعيد.
واحد من نجوم الشاشة الصغيرة في لبنان ايام عز المسلسل اللبناني المتميز، والوحيد الذي خاض السينما ونجح فيها لكنه لم يجد المنتج الذي يراهن عليه طويلاً في هذا الحضور السينمائي. كان على ألفة كاملة مع الفنانة الكبيرة سميرة توفيق امام الكاميرا وخلفها فكانت «عبلة» وكان «عنتر» في السينما، وكانت «عليا» وكان «عصام» في التلفزيون والجمهور الكبير من حولهما لا حصر له.
«والله لا ادري هل انا الغائب ام الانتاجات الكبيرة هي الغائبة؟». هكذا بادرنا حين التقيناه وهو يسجل برنامجاً اذاعياً كتبه لاذاعة لبنان وأداه بلهجة لا هي لبنانية ولا هي فلسطينية، عكس ما كان يعتمده في معظم اعماله وهي الفصحى، وكان سيدها ضبطاً ولفظاً واداء.
وحين ذكرناه بعدد من الاعمال التي تنفذ بين القاهرة ودمشق، او مع دبي وهي مسلسلات عرفت نجاحاً طيباً ومدوياً قال:
- هذه اعمال لها اطرها وناسها وفرق عملها الجاهزة.
• كيف تقول هذا وانت من اعمدة الدراما في عزها، ونحن نتذكر ما صورته بين بيروت وعمان ودمشق، وعجمان والشارقة؟
- انت تفتح عليّ ابواباً تجرح ذاكرتي.
• كنت محسوداً جداً في الفترة الماضية؟
- ثم رماني الحسد. (ضاحكاً) والله ما حسدت يوماً، وكلما شاهدت عملاً جميلاً دعوت لأصحابه بالتوفيق.
• اذا اين المشكلة؟
- لا اريد اثارة قضايا تؤذي السامع او القارئ، فقد تربينا في هذه المهنة على الحب، ومن هذا المنطلق اقول لك ان الحاصل هو الاعمال الجاهزة للتنفيذ مع اسماء بعينها. نعم اطلب في بعض الاحيان لكن ليس بقيمتي وتاريخي الطويل.
• قدمت العام المنصرم مسرحية في ابو ظبي؟
- نعم كانت جزءاً من عملية تحريك للجمود القاتل الذي نعيشه.
• ومن ورائه؟
- الظروف مجتمعة، مادية، سياسية، موروثة، عقول مقفلة، امور كثيرة.
• بماذا تشعر؟
- بالأسف. حتى لا اقول بالاحباط.
هذا الحوار كان موجعاً. لأنه يطرح قضية الفنان الكبير عندما تتقدم به السنون ولا يعود مطلوباً كما حاله الاولى، مع ان الفنان مثله في الغرب، يحتارون في كيفية تكريمه واشعاره بأن الايام له وليست ضده، يستفيدون من خبرته، في حين نقول له: صلاحيتك انتهت.
وحين سألناه هل تعتبر نفسك في مرحلة اعتزال، لم يجب فورا على غير عادته بل تأمل قليلاً ثم اردف:
- عندي حال كآبة وقرف، شوف يا عزيزي لا اطلب لا تكريم ولا احتفال بل استغلال ما خبرناه وتعلمناه لكي ننقله الى الجيل الذي يلي.
• على كل حال من يتابع جانباً من الانتاج الراهن يدرك فداحة الخسارة في عدم الاستفادة ممن سبقوا؟
- لا يعيش الفن يا اخي من موهبة فقط، ابداً. علينا ان نهيئ لهذه المواهب الارضية الصالحة والخصبة لكي تكبر وتغني الحال الميدانية السائدة بدل ان نظل نلف وندور في الدائرة نفسها، وفي المناخ اياه.
• التكرار؟
- لا تسمه تكراراً، سمه اجتراراً.
• والذي تفضله؟
- حضور المخضرمين مع الجدد. هذا التلاقي في الافكار، في الاداء، في المنهج، هذا كله يثري.
• وهل تناقش كثيراً في نوعية الادوار التي تعرض عليك؟
- ما يعرض قليل كما قلت لك. لكنني ممثل محترف، نعم انا هاو كبير، لكنني ادرك مكاني ومكانتي في الاعمال المفترض ان اصورها حتى لا اكون حجر عثرة، وبالتالي لا اريد لأي شخص ان يلعن الحاجة المادية التي جعلتني اقبل بدور ما.
• وهل اضطررت الى مثل هذا الواقع؟
- حصل.
• كثيراً؟
- قليلاً جداً.
• وماذا قلت لنفسك؟
- سامحيني.
• وماذا ردت؟
- (ضاحكاً) قالت لي بحزم اياك ان تعيد الكرة.
• وانت تسمع كلام نفسك؟
- غالباً ما نتحدث، فأنا اثق بها لأنها الأصدق بين من اتحدث اليهم وأحاول مقاسمتهم مشاكلي او القضايا التي تهمني وتعنيني مباشرة.
• كلامنا هذا سينشر في فقرة «وداعاً للشهرة»؟
- عليك ان تودع الزمن الجميل. الشهرة تظل موجودة. تقول محمود سعيد يعني انك تتحدث عن رجل وفنان معروف. لكن اين انا الآن، هذا هو السؤال. شهرتي اليوم لها علاقة بالذاكرة الخصبة عند الناس.
• أهو الحظ استاذ محمود، ان يتواصل فنان مع مهنته وجمهوره وتتعرقل مسيرة آخر لأي سبب؟
- علينا الايمان بالقضاء والقدر، من ضمن ظروف تكون ضاغطة وغير مسبوقة تدهم الفنان في لحظات ضعف فتغلبه.
• انت هكذا اليوم؟
- انا مغلوب (ضاحكاً) على امري.
• هل تحاول دائماً مداواة جروحك بالضحكة؟
- بالسخرية اصح. الدنيا جميلة، لكن اي قضية فيها لا تستأهل الغضب منها او الزعل عليها.
• بماذا تفكر حالياً؟
- في كيفية تمضية هذا النهار.
• وماذا عن الغد؟
- افكر فيه غداً.
• هكذا افضل؟
- هذه الايام تحتاج الى هذا المفهوم.
للشهرة مذاقها وحضورها الذي يخطف الألباب، وهي الغاية التي يسعى الكثير من الناس للوصول إليها... ومتى تحققت ستدر على صاحبها الراحة والطمأنينة وأحياناً المال الوفير.
ومثلما للشهرة طعمها اللذيذ، فإن لانصرافها كذلك طعمها المر الذي يحس بها الفنان أو المشهور، وهو طعم ربما يدفع إلى العزلة أو الانزواء في ركن الوحدة.
والابتعاد عن الشهرة، ربما يأتي طواعية، من خلال زهد الفنان أو المشهور في الأضواء، ورغبته في أن يعيش في هدوء، أو ربما يأتي الابتعاد لأسباب خارجة عن الارادة مثل كبر سن الفنان، أو افول نجمه أو لأسباب صحية وغيرها.
إلا انه في النهاية حينما يقول هذا الشخص «وداعاً للشهرة»... سيجد الألم يحاصره، وان الذكريات الجميلة هي المتبقية في وجدانه، وعبر حلقات «وداعاً للشهرة» ستعرض بالحديث لأهم الشخصيات التي ودعتها الشهرة.
محمود سعيد... معروف بين زملائه بأنه غول امام الكاميرا. وهو اكثر الفنانين الذين يعرفون كيف يسرقون عينها اليهم حتى لو كانت تعليمات الاخراج غير ذلك.
سيد الادوار الصعبة، درامياً وميلودرامياً، وأهم من قدم الأدوار التاريخية، ففيه هيئة عنترة بن شداد وفيه ايضاً ملامح من العرب الذين وصفتهم لنا كتب الادب المتوارثة. وحدها الكوميديا حضرت في يومياته وحياته العادية ولم يستطع اي كاتب او مخرج المخاطرة به ومعه في هذا المجال، من ضمن ثوابت ارهقت الدراما العربية دائماً وهي الثوابت التي تؤرخ فنانين كبارا فتحدد ملامح عطاءاتهم وتكون سبباً في اسر مواهبهم.
انه محمود سعيد.
واحد من نجوم الشاشة الصغيرة في لبنان ايام عز المسلسل اللبناني المتميز، والوحيد الذي خاض السينما ونجح فيها لكنه لم يجد المنتج الذي يراهن عليه طويلاً في هذا الحضور السينمائي. كان على ألفة كاملة مع الفنانة الكبيرة سميرة توفيق امام الكاميرا وخلفها فكانت «عبلة» وكان «عنتر» في السينما، وكانت «عليا» وكان «عصام» في التلفزيون والجمهور الكبير من حولهما لا حصر له.
«والله لا ادري هل انا الغائب ام الانتاجات الكبيرة هي الغائبة؟». هكذا بادرنا حين التقيناه وهو يسجل برنامجاً اذاعياً كتبه لاذاعة لبنان وأداه بلهجة لا هي لبنانية ولا هي فلسطينية، عكس ما كان يعتمده في معظم اعماله وهي الفصحى، وكان سيدها ضبطاً ولفظاً واداء.
وحين ذكرناه بعدد من الاعمال التي تنفذ بين القاهرة ودمشق، او مع دبي وهي مسلسلات عرفت نجاحاً طيباً ومدوياً قال:
- هذه اعمال لها اطرها وناسها وفرق عملها الجاهزة.
• كيف تقول هذا وانت من اعمدة الدراما في عزها، ونحن نتذكر ما صورته بين بيروت وعمان ودمشق، وعجمان والشارقة؟
- انت تفتح عليّ ابواباً تجرح ذاكرتي.
• كنت محسوداً جداً في الفترة الماضية؟
- ثم رماني الحسد. (ضاحكاً) والله ما حسدت يوماً، وكلما شاهدت عملاً جميلاً دعوت لأصحابه بالتوفيق.
• اذا اين المشكلة؟
- لا اريد اثارة قضايا تؤذي السامع او القارئ، فقد تربينا في هذه المهنة على الحب، ومن هذا المنطلق اقول لك ان الحاصل هو الاعمال الجاهزة للتنفيذ مع اسماء بعينها. نعم اطلب في بعض الاحيان لكن ليس بقيمتي وتاريخي الطويل.
• قدمت العام المنصرم مسرحية في ابو ظبي؟
- نعم كانت جزءاً من عملية تحريك للجمود القاتل الذي نعيشه.
• ومن ورائه؟
- الظروف مجتمعة، مادية، سياسية، موروثة، عقول مقفلة، امور كثيرة.
• بماذا تشعر؟
- بالأسف. حتى لا اقول بالاحباط.
هذا الحوار كان موجعاً. لأنه يطرح قضية الفنان الكبير عندما تتقدم به السنون ولا يعود مطلوباً كما حاله الاولى، مع ان الفنان مثله في الغرب، يحتارون في كيفية تكريمه واشعاره بأن الايام له وليست ضده، يستفيدون من خبرته، في حين نقول له: صلاحيتك انتهت.
وحين سألناه هل تعتبر نفسك في مرحلة اعتزال، لم يجب فورا على غير عادته بل تأمل قليلاً ثم اردف:
- عندي حال كآبة وقرف، شوف يا عزيزي لا اطلب لا تكريم ولا احتفال بل استغلال ما خبرناه وتعلمناه لكي ننقله الى الجيل الذي يلي.
• على كل حال من يتابع جانباً من الانتاج الراهن يدرك فداحة الخسارة في عدم الاستفادة ممن سبقوا؟
- لا يعيش الفن يا اخي من موهبة فقط، ابداً. علينا ان نهيئ لهذه المواهب الارضية الصالحة والخصبة لكي تكبر وتغني الحال الميدانية السائدة بدل ان نظل نلف وندور في الدائرة نفسها، وفي المناخ اياه.
• التكرار؟
- لا تسمه تكراراً، سمه اجتراراً.
• والذي تفضله؟
- حضور المخضرمين مع الجدد. هذا التلاقي في الافكار، في الاداء، في المنهج، هذا كله يثري.
• وهل تناقش كثيراً في نوعية الادوار التي تعرض عليك؟
- ما يعرض قليل كما قلت لك. لكنني ممثل محترف، نعم انا هاو كبير، لكنني ادرك مكاني ومكانتي في الاعمال المفترض ان اصورها حتى لا اكون حجر عثرة، وبالتالي لا اريد لأي شخص ان يلعن الحاجة المادية التي جعلتني اقبل بدور ما.
• وهل اضطررت الى مثل هذا الواقع؟
- حصل.
• كثيراً؟
- قليلاً جداً.
• وماذا قلت لنفسك؟
- سامحيني.
• وماذا ردت؟
- (ضاحكاً) قالت لي بحزم اياك ان تعيد الكرة.
• وانت تسمع كلام نفسك؟
- غالباً ما نتحدث، فأنا اثق بها لأنها الأصدق بين من اتحدث اليهم وأحاول مقاسمتهم مشاكلي او القضايا التي تهمني وتعنيني مباشرة.
• كلامنا هذا سينشر في فقرة «وداعاً للشهرة»؟
- عليك ان تودع الزمن الجميل. الشهرة تظل موجودة. تقول محمود سعيد يعني انك تتحدث عن رجل وفنان معروف. لكن اين انا الآن، هذا هو السؤال. شهرتي اليوم لها علاقة بالذاكرة الخصبة عند الناس.
• أهو الحظ استاذ محمود، ان يتواصل فنان مع مهنته وجمهوره وتتعرقل مسيرة آخر لأي سبب؟
- علينا الايمان بالقضاء والقدر، من ضمن ظروف تكون ضاغطة وغير مسبوقة تدهم الفنان في لحظات ضعف فتغلبه.
• انت هكذا اليوم؟
- انا مغلوب (ضاحكاً) على امري.
• هل تحاول دائماً مداواة جروحك بالضحكة؟
- بالسخرية اصح. الدنيا جميلة، لكن اي قضية فيها لا تستأهل الغضب منها او الزعل عليها.
• بماذا تفكر حالياً؟
- في كيفية تمضية هذا النهار.
• وماذا عن الغد؟
- افكر فيه غداً.
• هكذا افضل؟
- هذه الايام تحتاج الى هذا المفهوم.