الأماكن / نبأ

تصغير
تكبير
| جمال الغيطاني |

لم أقدر على تخيل المكتب من دونه، يرتبط بكل تفاصيل المكان، بكل ما يمت اليه، يسبقني حضوره، أراه حتى في غيابه، اذ فتح الباب، الستائر مزاحة، يتدفق الضوء الى الحجرة، كل ما أراه «منسق، مرتب».. لا يختل الا عند تخلفه، اضطراره الى اجازة استثنائية، يجيء مبكرا، قبل السابعة صباحا، يسكن قرية صغيرة قرب القناطر الخيرية، يضطر الى التنقل من عربة أجرة صغيرة الى حافلة عامة الى قطار ثم يمشي من المحطة الرئيسية حتى المبنى القريب من وسط المدينة.

الورق مرتب الى يمين المكتب... تماما كما اعتدت، الصحف والمجلات الى الطرف الأيسر، التقويم يوضح تاريخ اليوم، كوب ماء ممتلئ فوق طبق من الخزف، منضدة مستديرة، اللوحات المعلقة على الجدار بعكس الزجاج الذي يغطيها، يرشها يوميا بمنظف خاص، يحتفظ في ركن من الحجرة، ما بين صوان الكتب والجدار بقطع قماش صفراء، وريشة لازاحة الغبار، وزجاجات أخرى لمواد التنظيف، يحرص على تسلمها أول كل شهر.

دائما في حركة، يسعى ما بين الممرات والطوابق... حاملا الأوراق من ادارة الى أخرى، أو خارجا الى الطريق ليشتري من المطعم القريب بعض شطائر الجبن والبيض أو الفول والطعمية، رغم أنه متفرغ لخدمة مكتبي الا أنه يفتح الباب على مهل وملامحه تضيئها ابتسامته التي لا تغرب أبداً، ابتسامته مركزها عيناه وليس شفتيه، يقول بهدوء انه يستأذن لأن فلانا طلب منه احضار طعام، أو شيء ما من النقابة، أجيبه، أطلب منه ألا يتأخر، أتطلع اليه أحيانا، أسأل نفسي، ترى كيف يراني، خاصة في لحظات ارهاقي وتجهمي؟

لا أذكر الآن ظروف التحاقه بالمؤسسة، سنوات طويلة مضت، ورغم طول المدة الا أنه بين الحين والحين يدخل الغرفة على مهل قرب انصرافي عند العصر، أو ما قبل المغيب، يقف على مسافة معينة منفرج الابتسامة، خجول التطلع، يطلب مني أن أتحدث - اذا كان ذلك في الامكان - الى المدير العام حتى يتم تثبيته، أهز رأسي، أو أنطق لفظا أو لفظين مطمئنا له، أو مجيبا بحكم العادة، أعرف أن قرارا ساريا بوقف التعيينات، قرار غير محدد المدة، بل ثمة رغبة أو اتجاه لدى الادارة للتخلص من الزائدين عن الحاجة.

ما أخشاه أن يتم ذلك، نفاجأ به يوما، فالقرارات تصدر فجأة مباغتة، حتى أعضاء مجلس الادارة يتجهون الى اجتماعهم الشهري ولا يعلمون ما سوف يثار خارج جدول الأعمال، أخشى عليه، أعرف عدد أفراد أسرته، أولاده الأربعة وابنته المريضة بشلل الأطفال، واضطرار امرأته للعمل في بعض البيوت، ماذا سيكون مصيره لو أن قرارا مفاجئا صدر كهذا، لا أنطق بما يقلقني، بل ان ملامحي تظل مصمتة، أحيد عن مواجهة عينيه قائلا «ربنا يسهل يا محمد...».

لا أطلبه الا ألقاه أمامي، لا أستخدم الجرس الكهربائي المثبت الى جواري... بل انني لم أضغطه قط، أنطق اسمه بصوت مرتفع، مرة واحدة فقط، لا أدري كيف يصل الى سمعه، لحيظات تفصل ما بين نطقي وظهوره عند الباب، يخاطبني دائما بابتسامته تلك، ينتظر ما أرغب قوله.

«صباح الخير»

لم أشعر بفتح الباب أو عبوره الى داخل الغرفة، أتجه بسرعة الى جهاز التلفزيون الموضوع في مواجهتي، كان مكشوفا، والغطاء الشفاف الى جواره، تساءل بحيرة:

«من أزاح الغطاء؟»

ثم تساءل:

«لابد أن أعرف... هل يدخل أحد الى الغرفة ليلا؟»

ثم أجاب على نفسه:

«لابد أنهم حراس الأمن... لديهم مفتاح للطوارئ...»

لمس ذقنه بيده، يعرف أنني من النادر مشاهدتي للتلفزيون، بل لا أعرف لماذا وضعوه في الحجرة؟

يسوي بعض الأوراق فوق المنضدة المربعة، يلتفت اليّ...

«أطلب لك شاي؟»

أشرت بيدي

«ليس الآن...»

يخرج، يرن جرس الهاتف الداخلي، يقول عامل البدالة انه يعتذر لازعاجي... لكن ثمة مكالمة من الخارج للساعي محمد ويكرر أسفه لكن يبدو أن ثمة شيئا جرى.

«لا بأس... لا بأس... وصلني بالمتحدث...»

أصغي الى صوت امرأة قدرت أنها شابة، تتحدث من طريق عام، أصوات أبواق عربات، بمجرد نطقي، قالت انها تريد ابلاغ «الساعي محمد الديب» بوفاة شقيقه... الدفنة بعد صلاة الظهر، قالت انه من الثواب ابلاغه، طلبت منها الانتظار لحظة.

ماذا أفعل؟ كيف التصرف؟

فوجئت به يقف وسط الحجرة، اختلط عليّ، هل خرج وعاد؟ مددت السماعة اليه، بدا خائفا، دهشا، اتسعت عيناه.

«مكالمة لك»

«لي أنا... وهنا»

«نعم من البلدة... »

كتمت النبأ، ضجيج الطريق واضح وجليّ

«معك محمد يا ست...»

يده ترتجف، لم يحدث قط أن طلبه أحد، يشعر بحرج.. لكن خشيته تطغى على خجله، لم أشأ أن أنطق بالنبأ المؤلم، حدت ببصري عنه، عندما سمعت حشرجة صوته التفتّ اليه.

تبدل لون وجهه، يعتم جلده، تلتوي شفتاه بشدة، ينطق أنينا، «نعم... نعم...».

تتدلى يده، تتأرجح السماعة، ألمس كتفه،

«شد حيلك... البقاء لله وحده»

يتراجع، يجلس على الأريكة، فوقها، لأول مرة أراه قاعدا، مستندا بظهره، ممسكا جبهته، ضياء عينيه ذهب، اختفى الألق الباسم.

يتميع قوامه، كأن هيكله العظمي انسحب من داخله، يردد: «مالنا غيره... ورقنا كله عنده... ورقنا عنده... ورقنا عنده... حلال مشاكلنا».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي