مقال / خيول إبراهيم نصر الله البيضاء

تصغير
تكبير
| إبراهيم صموئيل |
تصح رواية إبراهيم نصر الله «زمن الخيول البيضاء»، الصادرة ضمن ستة أعمال تشكّل في مجموعها مشروعه الكبير عن «الملهاة الفلسطينية»، أن تُقدّم كمثل أو شاهد عن فكرة بعينها: كيف يمكن لكاتب أن يتناول موضوعاً كُتب عنه الكثير جداً وعُولج بمختلف الأشكال والأنواع التعبيرية الفنية والأدبية وبات «لبناً» يرضعه الأطفال من أمهاتهم منذ ولادتهم، وشاغلاً سياسياً اجتماعياًَ جغرافياً لا ينازعه في مرتبته الأولى شاغل آخر... وينجو (الكاتب) في الآن نفسه من التكرار وإملال القارئ وتنفيره حيث لا جديد يمكن أن يُقدّم له بعد أطنان من الكتب وساعات لا تحصى من المنتديات والحوارات والملتقيات ووثائق التلفزة... الخ التي قُدِّمت عنه؟!
بصراحة، حين عزمت على قراءة الرواية هذه توجّست كثيراً، وكنت أقرب ـ قبل شروعي بقراءتها ـ إلى الاعتقاد بعدم إمكانية إتمامها، إذ ماذا يمكن لإبراهيم نصر الله، أو أي كاتب، أن يضيفه، بعدُ، إلى كل ما كُتب وقيل وبثَّ، وكيف له أن ينجو من الاحتمال الأكبر: الإملال وبعث السأم جراء تناوله موضوعاً مثل القضية الفلسطينية؟!
ما زاد قلقي أن الرواية تربو على 500 صفحة، وأن المشروع (التي هي جزء منه) يتأمل في 125عاماً من تاريخ الشعب الفلسطيني ومحنته، ويعتمد على وثائق وشهادات شفوية عمل عليها وجمعها منذ العام 1985؟!
لست بصدد مقال نقدي أو حتى مراجعة صحافية سريعة للرواية، بل أود الوقوف مع تجربتي في قراءة هذه الرواية، حيث وجدت نفسي، ومنذ الصفحات القليلة الأولى، في قلب الرواية وأتونها وأحداثها وتفاصيلها وشخصياتها على نحو مذهل بحق، فلم أتوقف عن القراءة في صفحة معينة إلا وراودني شعور ملحٌّ بضرورة العودة إليها ومتابعتها!
عالم واسع مذهل من الحيوات والعلاقات والأحلام والإحباطات والتطلعات... وأجواء تمور بالمشاعر والوقائع واحتدام الأقدار التي حتى ولو كنا نعرفها أو تعرّفنا إليها في الواقع أو من خلال ما قرأنا وشاهدنا، فإنها، هنا، تبدو جديدة، أو على الأدق هي بمثابة الجرح البكر والنزف الأول والقهر الأول والأمل الأول.
كنت مع كل صفحة أو فصل قصير (والرواية موزعة على فصول قصيرة معنونة) أشعر بدافعين اثنين: أحدهما يحثّني على المتابعة لمواصلة الخوض في غمار ما جرى ويجري، وآخر يثنيني عن ذلك رغبة في عدم انتهاء الرواية وعدم بلوغ محطتها الأخيرة!
وللحق، فإنّ تجربةً في القراءة كهذه نادراً ما عشتها على هذا النحو العميق والشامل والمؤثر والحافز. نادراً ما كانت الحكاية حكايتي، والوقائع وقائعي، والشخصيات من أقربائي وأصحابي ومعارفي، والأحلام من أحلامي المهيضة تارة، والمنبعثة تارة أخرى. معظم القراءات تجعل المرء يطل على عالمٍ، يتعرّف إليه، يتبيّن مسار شخصياته ومصائرها، تشابك الأحداث، ولقاء الأقدار... لكنه، في كل ذلك، يبقى خارجاً على نحو ما، قارئاً، متابعاً، متفاعلاً.. غير أنه، على الأغلب، ليس جزءاً من العمل، شخصية من شخصياته، يعاني الأحداث، فيتألق ويخبو بتألقها وخبوّها.
في هذه الرواية وجدتني فيها.
وهي تجربة في القراءة غريبة لا شك، خصوصاً وأن موضوعها ـ كما أشرت ـ مما رضعناه من أمهاتنا، ونشأنا عليه، وشبنا على أحداثه ووقائعه، ونكاد نرحل على تداعياته. تجربة في القراءة غريبة، أو نادرة جداً، لولا أن الموهبة الكبيرة والخلاقة لهذا المبدع، الشاعر والروائي، كانت حاضرة: بصدق انتمائه للموضوع من جهة، وبحرفية تناوله له وإبداعية إنجازه.
ومن الحق تماماً أن أكرر ما جاء على غلاف الرواية من أن «إيماننا بالقضايا الكبيرة يحتّم علينا إيجاد مستويات فنية عالية للتعبير عنها» بل إنني لأجزم، من تجربة قراءتي لهذه الملحمة، أن إبراهيم نصر الله ما كان له أن يرقى بنصّه على هذا النحو لولا إخلاصه الصادق وشغله الدؤوب والصميم والمبدع لإنجاز معادلة بالغة الصعوبة بين جلال القضية ورفعة مستوى التعبير الفني عنها.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي