سبع عشرة سنة من الاحتيال والتزوير... ولم يشك ببارني النصّاب أحد

مادوف... سبعيني يواجه 150 عاماً من السجن

تصغير
تكبير
برنارد لويس مادوف، أو بارني، كما يطلق عليه المقربون منه، رجل المال والأعمال والمجتمع الأميركي اليهودي البارز، الذي لمع اسمه كوسيط مالي ورئيس لبورصة «ناسداك»، أكبر بورصة تعمل بنظام الشاشات الإلكترونية في الولايات المتحدة، ومستثمر في سوق الأوراق المالية، واحتل مكانة بارزة كعضو في مجالس إدارات عديد من المنظمات المالية والخيرية، وأحد كبار المسهمين في أنشطة جمعيات غير حكومية يهودية.
وقد ظل مادوف يتمتع بمكانة متميزة بسبب سمعته في أوساط المال والأعمال الخيرية حتى ديسمبر الماضي، حين أصبح موضع اهتمام جميع الصحف ووكالات الأنباء والقنوات الإخبارية الأميركية باعتباره المسؤول عن أكبر عملية غش استثماري في التاريخ، حيث قامت شركته «Bernard L. Madoff Investment Securities LLC»، التي أنشأها عام 1960، بجمع أموال طائلة من أفراد ومؤسسات لاستثمارها في البورصة. ومنذ أوائل التسعينيات قام بجمع أموال من دون القدرة على استثمارها، وبدأ يدفع أرباح عملائه من خلال الأموال التي يحصل عليها من عملاء جدد، واعتمدت الشركة على تزوير خطابات مواقف العملاء، وحقيقة وضعها المالي لضمان استمرار تدفق هذه الأموال. ويعرف هذا النمط من التلاعب بـ «مخطط بونزي». وقد قدرت أجهزة التحقيق الفيديرالية إجمالي المبالغ التي دخلت في هذه العمليات الاحتيالية بـ 68.4 مليار دولار، هذا ويبلغ الحد الأقصى لإجمالي عقوبات الجرائم التي ارتكبها 150 عاماً من السجن.
مخطط بونزي
يرجع مسمى مخطط بونزي إلى تشارلز بونزي الذي قَدِمَ من إيطاليا إلى الولايات المتحدة عام 1903 ونجح خلال ستة أشهر من عام 1920 في جمع 15 مليون دولار من 40 ألف شخص للاستثمار في نشاطه القائم على استغلال الفروق في أسعار طوابع البريد بين الولايات المتحدة وإيطاليا، وهو ما يعد نشاطاً قانونياً في حد ذاته. ولكن بونزي جمع أموالاً أكثر بكثير من قدرته على الاستثمار وأُثري بسببها بشكل كبير، واعتمد على تزوير خطابات بمواقف المستثمرين والموقف المالي لشركته التي أطلق عليها اسم شركة «تبادل الأوراق المالية»، كما اعتمد على مهاراته وعلاقاته الشخصية في جذب مزيدٍ من المستثمرين حتى يستطيع سداد أرباح عالية لعملائه من خلال المحافظة على تدفق الأموال إلى الشركة. وقد حكم على بونزي بالسجن خمسة أعوام، ثم أُفرج عنه بعد ثلاثة أعوام ونصف العام ليواجه 22 تهمة بالسرقة في ولاية ماساشوسيتس، وأفرج عنه نهائياً عام 1934 وتم ترحيله إلى إيطاليا، إذ لم يحصل على الجنسية الأميركية.
لم يكن تشارلز بونزي أول من مارس مثل هذه الأنشطة الاحتيالية، إذ عرفت تاريخياً في مناطق مختلفة من العالم، إلا أن حجم الأموال التي جمعها بونزي كانت من الضخامة بمعايير وقته مما استحق أن تسمى هذه الممارسات باسمه. والمميز هنا في تجربة مادوف قدرته على الاستمرار في هذه الأنشطة التي تقوم على الاحتيال والتزوير والتلاعب في تقارير المراقبين لمدة 17 عاماً. وذلك رغم أن هذه الممارسات غالباً ما تنتهي خلال فترة زمنية محدودة إما بهروب الوسيط المالي بأموال المودعين، وإما أزمة سيولة تؤدي إلى انكشاف أمره، أو قيام أجهزة رقابية أو قانونية بكشف حقيقة وضعه المالي وحجم استثماراته. وربما تكون طول الفترة التي استمر فيها مادوف في جمع أموال المودعين من دون وضعها في استثمارات حقيقية أحد أسباب الصدمة التي هزت عديداً من البنوك، والشركات، والجمعيات الأهلية داخل وخارج الولايات المتحدة. وقد جاء افتضاح أمر مادوف نتيجة الأزمة المالية التي اشتدت في نوفمبر الماضي وأدت إلى قيام عديد من المودعين بسحب استثماراتهم لدى مادوف، والذي لم يكن لديه السيولة الكافية لمواجهة هذه الطلبات.
كذبة كبيرة
بدأ مادوف نشاطه في عالم الأعمال بمبلغ خمسة آلاف دولار ادخرها من عمله في تركيب طفايات الحريق، وافتتح شركة للتجارة في أسهم السنتات، وهي الأسهم التي تقل قيمتها عن خمسة دولارات. وقد أسهمت المنظومة الإلكترونية التي بدأتها شركة مادوف في تطوير المنظومة الإلكترونية التي تقوم عليها بورصة «ناسداك»، حتى وصلت هذه الشركة في وقت ما للقيام بأكبر قدر من عمليات البيع والشراء ومن ثم توجيه السوق. وقد صار مادوف رئيساً لبورصة «ناسداك» في أوائل التسعينيات، كما انضم إلى عضوية مجالس إدارات العديد من المؤسسات المالية مثل «الجمعية الوطنية لتجارة السندات» و«جمعية صناعة السندات».
وقد اتخذت الشركة، التي ركزت نشاطها في مجال الوساطة المالية، طابعاً عائلياً، إذ شارك مادوف في إدارة الشركة أخوه بيتر، ثم انضم إلى إدارتها العليا ولداه أندرو ومارك. وارتبطت الشركة التي توسعت أعمالها فيما بعد بأقارب مادوف ونفوذه الشخصي وعلاقاته السياسية التي ضمنت وضع ستار كثيف للتغطية على تجاوزاته القانونية.
وقال مادوف خلال محاكمته: «إن التجاوزات القانونية بدأت في التسعينيات»، وإن كانت جهات التحقيق ترى أنها تمتد لما قبل ذلك. كما أكد مادوف أن أخاه وولديه لا علاقة لهم بمخالفات الشركة، وإن كانت التحقيقات تتجه لضم أفراد من عائلة مادوف إلى قائمة الاتهام، خصوصاً زوجته روث.
وقد تواترت سلسة الأحداث التي أدت لسقوط مادوف سريعاً منذ نوفمبر الماضي، حين أدت الأزمة الاقتصادية، وتراجع أسواق المال إلى زيادة الطلبات برد الأموال المودعة حتى بلغ إجمالي هذه المطالبات في أوائل ديسمبر الماضي 7 مليارات دولار. ومع تأكد مادوف من حتمية افتضاح أمر ممارساته على مدار الأعوام قام بإطلاع ولديه على الحقيقة، واصفاً أعماله بأنها مخطط بونزي عملاق، وأن شركته كانت مجرد كذبة كبيرة، وقام ولدا مادوف بإبلاغ محامٍ قام بدوره بإبلاغ هذه المعلومات للسلطات المختصة. وتم القبض على مادوف في 11 ديسمبر الماضي، وتم التحفظ على أمواله ووضعه قيد الإقامة الجبرية وتحت المراقبة في شقته الفاخرة بمانهاتن، وقد تم إيداع مادوف في السحن قيد المحاكمة يوم 13 من مارس الجاري.
وفيما يتعلق بالمحاكمة، اعترف مادوف بمسؤوليته عن 11 تهمة وجهتها له النيابة تشمل تزوير مخاطبات وبيانات، وغسيل أموال، يبلغ الحد الأقصى لعقوبات هذه الجرائم إلى 150 عاماً، ويسعى مادوف الذي يبلغ من العمر 70 عاماً إلى تخفيف العقوبة من خلال الاعتراف بالجرائم. وقد أكدت النيابة أن الحكومة لم تعقد أي صفقات مع مادوف.
ومع تصاعد الغضب العام إزاء عجز الجهات الرقابية في الكشف عن التجاوزات التي ارتكبها مادوف، وحجم الخسائر التي سببها للأشخاص والمؤسسات مما أسهم في تعميق الأزمة الاقتصادية، وتعميق الشعور بعدم الأمان تجاه قوى السوق، اتجهت جهات التحقيق للسعي للتحفظ على أموال أفراد عائلة مادوف خاصة زوجته روث والتفتيش عن شركائه في المخالفات. كما تم إلقاء القبض على المراجع الخاص بشركات مادوف، وهو ديفيد فرايهلينج يوم الثامن من مارس الجاري، إذ يواجه اتهامات يصل إجمالي عقوباتها إلى 105 أعوام في السجن.
صدمة وانتحار
كان وقع خبر حقيقة شركات مادوف بمثابة صدمة لعديد من الأشخاص الذين وجدوا مدخراتهم وقد ضاعت من دون مقدمات، وانتهت طموحاتهم في التقاعد أو إنشاء أعمال تجارية، ووقعت حادثة انتحار واحدة على الأقل يوم 23 من ديسمبر الماضي حين انتحر رينيه تيري ماجون دو لا فيولوهيشت الذي كان قد استثمر 1,5 مليون دولار لدى مادوف.
ولكن وقع سقوط مادوف جاء بشكل أوضح على الجمعيات اليهودية والمجتمع اليهودي الأميركي عموماً. فقد كان مادوف رمزاً لليهودي النشط اجتماعياً والداعم للعمل الأهلي اليهودي، إضافة إلى تبرعاته للحزب «الديموقراطي» التي اتجهت نحو خدمة الأهداف اليهودية.
وقد أغلقت مؤسسة «عائلة تشايس» أبوابها بعد أن كان مادوف أحد أهم المسهمين في أنشطتها لخدمة اليهود في إسرائيل وأوروبا الشرقية، إذ تبرع لها بإجمالي 12,5 مليون دولار على مدار أعوام عدة. كما أغلقت مؤسسة «روبرت لابين الخيرية» التي اشتمل نشاطها على تمويل رحلات شباب يهود إلى إسرائيل بعد أن خسرت أموالها التي استثمرتها لدى مادوف.
وكانت سمعة مادوف في الأوساط اليهودية أحد دوافع وضع عديدٍ من الاستثمارات اليهودية لدى شركته، ومن بين المؤسسات التي صار مصير استثماراتها غامضاً جامعة ياشيفا، وهي جامعة يهودية بنيويورك كان مادوف أمين الخزانة في مجلس أمنائها، ورئيس مدرسة الأعمال بها. كما كان من بين المستثمرين في شركة مادوف «مؤسسة هاداسا: منظمة المرأة الصهيونية في أميركا»، و«جمعية المراكز الاجتماعية اليهودية بأميركا»، ومؤسسة «أيلي وايزل الإنسانية»، ومؤسسة «هبة الحياة لمكافحة اللوكيميا». وإضافة إلى هذا كان مادوف من المقربين لعديد من المتبرعين للجمعيات اليهودية الأميركية، كما كان عديد من المستثمرين في شركته من اليهود.
وإلى جانب هذا التأثير المادي خشيت عديدٌ من التنظيمات اليهودية من تأثر صورة اليهود داخل الولايات المتحدة وخارجها بفعل هذه القضية، فقد صرح الاتحاد ضد التمييز، الذي يعمل لمحاربة أي تمييز ضد اليهود، أن القبض على مادوف أدى لحملة من التعليقات المعادية للسامية على شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم.
عن «تقرير واشنطن»
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي