كنت أعتقد في ما مضى أن العطايا والمنح كانت مقتصرة على العصر العباسي، إذ كانت توزع الأموال والأراضي ببذخ شديد بلا حسيب ولا رقيب، وكان الوزير في ذلك العصر يفعل ما يحلو له، من دون أن «يبهدله» مجلس أمة أو ديوان محاسبة! ولكن اعتقادي هذا تلاشى عند قراءتي الزميلة «الشاهد» عدد الخميس الفائت، إذ نشرت خبراً يتعلق بتوزيع القسائم الصناعية من قبل وزارة التجارة، والتي لم تراعَ فيها الشروط والمعايير! وأضاف الخبر أنها وُزعت على 200 شخص، منهم نواب من المجلس المنحل ومتنفذون وغيرهم من أصحاب الحظوة! خبر طازج وجاء في وقته، حكومتنا تدعي الحيادية وتطبيق القوانين بينما وزير التجارة يسير عكس قوانينها وتعليماتها تماماً في توزيع القسائم الصناعية، والأدهى من ذلك أن أحد أصحاب الحظ السعيد، حصل على ثلاث قسائم صناعية، كما أفادت بذلك «الشاهد»، وعرضت هذه القسائم للبيع وبسعر مليون دينار للقسيمة الواحدة. ما يعني وبحسبة بسيطة ثلاثة ملايين دينار كويتي لا غير! اللهم صلي على محمد، اللهم لا حسد، باردة مبردة تحصل في دولة الكويت وليس في الدولة العباسية، على قسيمة صناعية وأنت تفتقد للمعايير كافة، وتفتقد أيضاً لأدنى الشروط للحصول عليها!
سؤال بسيط أوجهه إلى معالي وزير التجارة المحترم، لو تقدم صاحب هذه السطور، أو أي مواطن بسيط على الله وعلى الراتب، بطلب الحصول على قسيمة صناعية، هل ستصرف له قسيمة صناعية أم أن الحجج والذرائع ستكون بوجهه بحجة عدم توافر المعايير والشروط؟ سؤال لن يستطيع وزير التجارة، رغم احترامنا الشديد لشخصه، أن يجيب عنه لوجود كثير من الأدلة الحية التي لن يستطيع كائن من كان أن ينكرها، وهي واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار!
* * *
الهذيان مصيبة أو قل كارثة بمعناها الحقيقي، فعندما ترى وزيراً يدّعي التدين، ويدلس، ويختلق القصص والروايات، ويروج في كل مكان بأن «الراي» تتقول عليه وتلفق التهم ضده، وهو في حقيقة الأمر محترف في التلفيق، ومروج أصيل للأباطيل، استمرأ الضرب من وراء الكواليس، وكثيراً ما حرض ضد زملائه، وكثيراً ما مارس الكر والفر في قضايا وطنية هي أحوج إلى تأييده، ولكنه الحسد الذي غيّر لون قلبه.
مبارك محمد الهاجري
كاتب كويتي
[email protected]