مشاهـد / ابنة الصمت

تصغير
تكبير
| يوسف القعيد |

زاملتها في شعبة الثقافة بالمجالس القومية المتخصصة. لمدة تصل الى السنة... هي السنة الأخيرة من حياتها. لم أسمعها تتكلم في أي جلسة من الجلسات. كانت انسانة وحيدة... تعمدت الجلوس بجوارها أكثر من مرة.

كانت بعد الحضور تبدأ بالبحث عن قلمها الذي يكون تائها في حقيبتها. وفي كل مرة لم تكن تجده سوى بصعوبة بالغة. وبعد فترة طويلة من البحث... لدرجة أنني في احدى المرات. وبعد أن طال بحثها كثيراً في حقيبتها الممتلئة بأشياء لا حصر لها... لا أعتقد أن من بينها قلم روج أو قلم حواجب أو زجاجة عطر من أي نوع كان... لأنها كانت قد تخلصت من كل أشكال الترف الانساني التي تقبل عليها نساء حواء وخلفتها وراء ظهرها.. في هذه المرة قدمت لها قلماً فلوماستر هدية كان معي، وقد أخذته مني، وأشرق وجهها بالابتسامة الوحيدة التي شاهدتها وهي تنير وجهها.

لو كنت دقيقاً في الكتابة لقلت ان الابتسامة شرخت وجهها... لأنها كانت الابتسامة الأولى، وكانت أيضاً الابتسامة الأخيرة.

كانت تغمغم وتهمهم وتحمحم لنفسها بأجزاء من أحرف الكلمات... لدرجة أن الدكتور سليمان حزين رئيس الشعبة... كان يطلب منها عدم الكلام مع الجالس الى جوارها. وفي الحقيقة فهي لم تكن تتكلم مع أحد.

سنة كاملة ولم أسمع صوتها أبداً... ولكن غمغمتها مع نفسها وهمهمتها مع ذاتها.

كانت تتحول لنوع من الصخب العالي لدرجة أن رئيس الشعبة السابق تصور أنها تكلم من يجلس بجوارها.

«كانت المرأة الوحيدة في الشعبة»، وكانت ترد عليه... بأجزاء من كلمات تقول فيها... انها لم تكن تتكلم مع أحد. وكانت صادقة... ذلك أنها كانت تتكلم مع نفسها.

كانت في بعض أسابيع هذه السنة تنشر يوم الخميس من كل أسبوع في الأهرام فصولاً من حكاية ولادة بنت المستكفي، وعندما استطالت هذه الحلقات... رحت أجمع أوجه الشبه بين الكاتبة وبطلتها، ويخيل اليَّ أنها كانت ترغب في كتابة عمل كبير عنها... لأنه يجمع بين حياتها وقصة ولادة كلمة واحدة هي: المأساة.

كانت تحضر متأخرة دائماً... قال لي أحد أعضاء الشعبة أنها تحضر من مصر الجديدة. وكانت تتمهل في الانصراف... بعد انتهاء الاجتماع، وقد عرفت أنها عضوة في أكثر من لجنة أخرى. وفي بعض الأحيان يكون هناك أكثر من اجتماع واحد... تحضره في حضورها نصف الشهري للمجالس.

وعندما نعرف أن مـــقر المـــجالس القـــومية المتخصصة... في مبنى الاتحـــاد الاشـــتراكي العربي القديم بمـــيدان التحرير... المطل على نيل الــــقاهرة، والمجاور لفنـــدق هيلتون النيل، وأنه بدلاً من مسمى الاتحاد الاشـــتراكي القديم... أصبح الجزء الأمامي من المبنى مقراً للحزب الوطني الديمـــقراطي. ولجنة الســـياسات.

أما المبنى الرئيسي... فقد احتل الدورين الأول والثاني منه بنك فيصل الاسلامي. ونفس المبنى أصبح يحتل جزءاً منه المجلس الأعلى للصحافة. وفوقه وتحته مباشرة المجلس القومي للمرأة.

وكلما ذهبت الى هناك استعجبت أن المجلس الأعلى للصحافة لا يحتل دوراً أعلى حتى يكون اسماً على مسمى.

كانت تمشي وهي تنظر في الأرض تحت قدميها. لا تنظر الى الأمام أو الخلف. ولا تتلفت الى اليمين أو اليسار... على رأسها ايشارب لونه درجة من درجات السواد، وعلى عينيها نظارة سوداء... ضخامتها كانت تدفعني لأن أتساءل دائما: ألا تشكل ثقلاً على الوجه؟ نظارة لم تغيرها. وفي يدها حقيبة مستطيلة، لم تغيرها أيضاً. وكان لونها هو الأسود... أما ملابسها فقد كانت درجات من السواد... لم أرها في ملابس ذات ألوان مفرحة. أو يمكن أن تكون مفرحة.

قال لي سكرتير الشعبة عن مرض ما قبل الوفاة... أنها كانت تحضر اجتماع شعبة الآداب في المجالس القومية المتخصصة... وقد جاءتها الغيبوبة وهي في الاجتماع. تجلس صامتة. ونقلت من الجلسة الى مستشفى هليوبوليس مباشرة.

حيث ظلت هناك في غيبوبة مستمرة ثلاثة أيام، لكنها في يوم الرابع - كما قال لي الدكتور مصطفى الشكعة... الذي كان قريباً منها - صحت متعافية. وقد عادت لها صحتها.

استحمت كما لم تستحم من قبل. وآوت الى فراشها... وقد بدأ الأطباء يفكرون في أنها ربما تكون قد شفــيت من المرض... حيث كانت في غرفة العناية المركزة منذ لحظة دخولها المستشفى.

ولكنها في الساعة الثالثة الا الربع بعد الظهر ماتت. قال لي الذين عاصروا يومها الأخير في هذا العالم... ان ما مرت به لم يكن سوى صحوة الموت... حيث يحاول الانسان أن يلقي نظرة أخيرة على هذا العالم بكل ما فيه. ومن فيه قبل الرحيل.

في اليوم التالي لوفاتها... وكان يوم أربعاء... حيث كان موعد اجتماعنا نصف الشهري في شعبة الثقافة في المجالس القومية المتخصصة. ولأن جنازتها كانت قد تأجلت الى الخميس حتى تعود ابنتها التي تعيش خارج مصر، وهي آخر من تبقى من العائلة... فقد قررنا أن تكون الجلسة لرثاء زميلتنا «بنت الشاطئ».

تكلم الدكتور حسين نصار... الذي كان يرأس الجلسة، علاوة على أنه يعتبر تراث مصر والعرب والمســـلمين... الذي يمشي على قدميه. تراث تاريخ الأدب الــــعربي منذ أن وجد حتى الآن. كان أول المتحدثين عنها. قال انها من الجيل العصامي الأول... المكافح... نشأت نشأة دينية خالصة. البيت ديني، والدراسة دينية، ثم تحولت الى الدراسة المدنية... حتى حصلت على الدكتوراه.

الدكتور سعيد اسماعيل علي... المهتم بقضايا التعليم من وجهة نظر وطنية صرفة، وله اهتمامات اسلامية، ونظرات في التعليم الأجنبي في مصر... لدرجة أنه كان مرشحاً لجائزة وزارة الأوقاف التي تمنحها في ليلة القدر من كل عام. كما انه صاحب صالون خاص. يناقش فيه قضايا وهموم مصر الثقافية والفكرية والتربوية.

وقال سعيد: انها تعلمت من المنازل بعد تخرجها في مدرسة المعلمات، وعملها في التدريس، وعندما قامت نفسها لدخول الجامعة درست ولكن من البيت ومن وراء أهلها.

الدكتور مصطفى الشكعة. كان قريباً منها جداً. ولذلك فان كلامه عنها اقترب من محاولة رسم صورة انسانية لها... وقد أوجز في كلامه... بسبب اصابته في أحباله الصوتية... كان يتكلم بصعوبة بالغة. وتستمع الى ما يقوله بصعوبة أكثر. لأنك لا تميز الأحرف والكلمات جيداً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي