«منظمة التحرير» الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني
الأهداف...
اثناء انعقاد اول مؤتمر قمة صيف 1964 في القاهرة لمناقشة تحويل اسرائيل مياه نهر الاردن لصالحها، وجد جمال عبدالناصر الفرصة مواتية لعرض انشاء منظمة تحرير فلسطينية على القادة العرب، وقد لقي ذلك قبولا، وتم الاعلان عن ولادتها، ووقع الاختيار فيما بعد على احمد الشقيري ليكون أول رئيس لها، وقد قام بدوره بانشاء مؤسسات عدة، من بينها جيش التحرير، وخلفه لمدة قصيرة يحيى حمودة وبعد معركة الكرامة وأحداث سبتمبر عام 1970 بدأ نجم ياسر عرفات بالظهور، وبقدرة قادر أصبح رئيسا للمنظمة ورئيسا لـ «حركة فتح» ثم رئيسا للسلطة حتى وفاته يناير 2005 وخلفه محمود عباس حتى يومنا هذا.
للحقيقة لا بد من الاشارة إلى ان قطاع غزة أصبح منذ نكبة 1948 تحت اشراف «الادارة المصرية»، وهو المسمى الرسمي للوجود المصري بعد العدوان الثلاثي، اما المسمى قبل ذلك فكان «المناطق الفلسطينية الخاضعة للقوات المصرية»، وقد عمدت الادارة المصرية بعد الاعلان عن انشاء المنظمة الى انشاء المجلس التشريعي في غزة ربيع 1965، الذي أصبح له نواب يعملون على اصدار التشريعات التي تخص المجتمع الفلسطيني، وفي عام 1966، ذهب وفد من النواب لمقابلة عبدالناصر لمناقشة مستقبل القضية الفلسطينية، وجاء رده لهم: «لا توجد عندي خطة لتحرير فلسطين... واللي عنده خطة يتفضل يقدمها»، رجع الوفد محبطا من تلك المقولة التي صدرت عن زعيم قومي او هكذا كانوا ينظرون اليه، وقد بُحت الحناجر وهي تهتف بحياته، وكان الشعب الفلسطيني، وبخاصة سكان غزة يعلقون الآمال عليه لتحرير كامل التراب استنادا الى شعارات محددة كان يرددها في كثير من خطبه السياسية، مثل: «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، و«قومية المعركة»، مع ملاحظة ان تردادها كان قبل 1965، وأما بعد ذلك فقد اسدل عليها الستار!
كشفت الاحداث المتوالية قبل حرب يونيو 1967 ان من شروط انسحاب اسرائيل من قطاع غزة تحديدا (انسحبت من سيناء وبقيت عند حدود رفح مدة شهرين تقريبا) ألا يتعرض عبدالناصر للقضية الفسطينية مدة عشرة أعوام وهذا يفسر مقولته للوفد التشريعي «لا توجد عندي خطة لتحرير فلسطين»، مع ان اعضاء الوفد والعامة من الناس لم يكونوا يعرفون هذه الحقيقة الا قبيل هزيمة 67، واكثر من ذلك كان قد وافق، سرا، على مرور السفن الاسرائيلية عبر ممرات تيران في خليج العقبة! وهذا يؤكد وجود اتفاقية سرية تم ابرامها في الجمعية العامة لانسحاب اسرائيل، ولم يعلن عنها في حينها وكشفت عنها الاحداث، وهنا يأتي السؤال المهم، وهو ما الهدف من تبني عبدالناصر مشروع انشاء منظمة التحرير؟
لا أكاد أجد مفتاحا للجواب الا بسؤال آخر وهو: ما السبب الحقيقي الذي دفع اسرائيل للدخول في شراكة مع انكلترا وفرنسا في العدوان الثلاثي، مع ان الدوافع لشن العدوان كانت أقوى وأوضح لدى انكلترا وفرنسا، بعد اعلان عبدالناصر عن تأميم قناة السويس؟ غير ان فشل المباحثات السرية المتعددة التي جرت في فرنسا بين مندوب عبدالناصر ومندوب بن غوريون كان السبب في دخول اسرائيل في العدوان الثلاثي، الذي انهزم فيه عبدالناصر عسكريا ولم ينهزم فيه سياسيا، وهناك فرق كبير لان الهزيمة العسكرية يمكن تجاوزها، على عكس الهزيمة السياسية التي تكون كالضربة القاضية المميتة، فهل شعر عبدالناصر بعدم جدوى شعار «قومية المعركة»، والاقتناع بعجزه عن مواجهة اسرائيل عسكريا، فأراد أن يلقي بالكرة في الملعب الفلسطيني، ولعل مسمى «المنظمة» يؤكد ان مسؤولية التحرير أصبحت، أو هكذا ينبغي ان تصبح، منوطة بيد الفلسطينيين وحدهم وبذلك يكون عبدالناصر قد تخلص من تبعات الخوض في غمار حرب لا قبل له بها، وهل كان صعود المعارضة ضد عبدالناصر بزعامة المشير عبدالحكيم عامر وغيره ابان العدوان الثلاثي وبعده دافعا، من بين دوافع أخرى، للتنصل من تبعات قومية المعركة، وهل أصبح عبدالناصر على علم، من خلال استخباراته، بوجود منظمات («فتح»، «الجبهة الشعبية»)، في طريقها الى الظهور، فأراد ان ينشئ «منظمة التحرير» لتأتمر بأمره، وتتصدى مستقبلا لمن يعارضه من التنظيمات الاخرى؟ اسئلة كثيرة حائرة تدفع الى الاقتناع بأن الهدف الحقيقي من وراء انشاء «منظمة التحرير» مازال يلفه كثير من الغموض، وان ولادة المنظمة جاءت في ظروف معقدة، مع القناعة بان شعار «قومية المعركة» دخل متحف التاريخ السياسي، وسقط منذ اللحظة التي تم الاعلان فيها عن ولادة منظمة التحرير عام 1964.
الواقع... تلقف العرب ولادة «منظمة التحرير» بالكثير من الارتياح، وشعروا ان عبئا ثقيلا سقط عن ظهورهم، وانهم تحللوا من تبعات: «قومية المعركة» الذي ظهر في سياق قد تماثل مع اشتداد حركة المد القومي في كثير من الأقطار العربية... ووجدوا في الدعم المالي غير المحدود سبيلا للتكفير عن اسقاط ذلك الشعار وما يقتضيه من واجب مقدس، وبدأت الاموال تتدفق من كل حدب وصوب، وارتفع مستوى هذا الدعم المادي بشكل لافت للانتباه بعد ان اصبح ياسر عرفات رئيسا للمنظمة بالاضافية الى رئاسته «حركة فتح» التي رفعت شعار «ثورة حتى النصر» وأطلقت الرصاصة الأولى في الفاتح من يناير 1965، ثم بدأت الساحة الفلسطينية بعد هزيمة 1967 تشهد ظهور العديد من المنظمات الفدائية، ربما لم يزد عدد أفراد بعضها على أصابع اليد، فقد انزوى بعضها وبقي بعضها الآخر، وكانت حركتا «حماس» و«الجهاد» ذواتا الاتجاه الاصولي آخر هذه التنظيمات التي ظهرت.
لا أحد يتشكك في صدق النوايا والاخلاص في التضحية لدى الجميع، لكن ينبغي الاعتراف بأن ظهور الكثير من التنظيمات عمل على خلق فوضى وايجاد حالة من الارباك، وعدم توحيد القرار السياسي الذي أردت حركة فتح، وان شئت فقل اراد عرفات ان يستأثر به شخصيا! وقد ادى ذلك الى منافسة محمومة في تسجيل مواقف واتخاذ خطوات عملية كان لها تأثيرها على الناخب والانتخابات، ما ادى الى التشكيك في هيكلة «منظمة التحرير» ومؤسساتها المختلفة.
لا أحد ينكر ان المنظمة وضعت لها ميثاقا وطنيا، يعد او هكذا ينبغي ان يكون مرجعية وطنية يحتكم اليها في كل خطوة أو فعل أو قرار، وان اكثر من مئة دولة اعترفت بها، وأصبح لها مراقب في الامم المتحدة... غير ان احتكاره لرئاستها على مدى نيف وثلاثين عاما، الى جانب احتكاره لرئاسة «حركة فتح»، ثم للسلطة أعطى مؤشرا على تكريس الحكم الفردي، بعيدا عن الحكم الجماعي التشاوري، وبعيدا أيضا عن العمل المؤسساتي المسؤول الذي يعد من أهم الركائز الاساسية في النهوض الوطني، وقد ادى ذلك إلى التأثير الحزبي في هيكلة المنظمة وقرارها السياسي، ولم تعد لها شخصيتها المستقلة... فكثر الفساد والافساد، وأصبحت الدول المانحة، عربية وغير عربية تتهيب من تقديم الدعم المالي للسلطة.
زاد الطين بلة موافقة عرفات بحضور الرئيس الاميركي الأسبق على إلغاء ما يزيد على ثلاثين بندا من الميثاق الوطني، بما فيها بنود لها علاقة بالمقاومة التي تعد حقا مشروعا للشعوب التي تقع تحت الاحتلال، فلم يتبق من الميثاق وهو السند الداعم للمنظمة قيمة تذكر، ولم يعد للمنظمة بعد اتفاقية «أوسلو» دور فاعل بعد ان فرغت من أهم مضامينها وأهدافها التي وضعت من أجلها، ولم يعد للوسيلة غاية تتغياها في سياق الاحداث المتوالية وقد كان الأولى من البداية وحتى النهاية ان تستقل المنظمة عن أي عمل حزبي، فلا يكون رئيسها وأكثر أعضائها من فصيل واحد، له الكلمة الفصل في قراراتها وتوجهاتها.
المستقبل... لم يختلف موقف محمود عباس عن موقف سلفه عرفات في شيء، غير ان من سوء حظ الأخير انه جاء في سياق تأزم سياسي بلغ ذروته، وقد شهدت أيام عرفات الأخيرة بداية ذلك التأزم المتصاعد، وكان موت عرفات الغامض أحد عوامل ذلك التأزم، فكثر الطامعون والطامحون من أيتام عرفات في خلافته وفي ارثه السياسي والمالي، واصبح في الفصيل الواحد «فتح» أكثر من فصيل يتنازع على المكاسب وعلى كل شيء ممكن وغير ممكن ما عدا التنازع على القضية، وبدأت الخلافات والصراعات والاتهامات تنخر في جسد وهن وترهل ومزقته الخلافات ولم يعد قادراً على تجديد نشاطه ولملمة صفوفه، وهو ما اعترف به بعض قادة «فتح»، وكان فوز «حركة حماس» من التحديات الكبرى التي واجهت مؤسسة الرئاسة، و«حركة فتح» على حد سواء، فالبون شاسع والرؤى متباعدة والاختلاف كبير بين ما يتبناه هؤلاء وأولئك، وكانت حتمية التصادم بينهما متوقعة منذ اللحظات الأولى لفوز «حماس».
ارتفعت الأصوات من مختلف الفصائل وفي طليعتها «حركة حماس» للمطالبة بضرورة إعادة هيكلة «منظمة التحرير» واصلاح أمرها، وتجديد بنيتها لتكون بحق البيت الفلسطيني الذي يضم الكل في الداخل والخارج، ولا يقتصر على فصيل واحد، وقد جاء هذا الطرح في ذروة مفاوضات كان يأمل منها محمود عباس ان يحقق الكثير من المكاسب غير انه لم يستجب لدواعي الاصلاح وركن الى المماطلة والتسويف لعله يحقق شيئا على أرض الواقع، ووجدت «حماس» في الالحاح على مطالبتها بالاصلاح المنشود ذريعة لاحراج السلطة، التي لم تجن من مفاوضاتها العبثية الا السراب والوهم وقبض الريح وحصاد الهشيم، وفي اجتماع القاهرة (مارس 2005) بين مختلف الفصائل مع محمود عباس تم التوافق على الزام السلطة بالاصلاح، لكن هيهات ان يأخذ الاصلاح طريقه في ظل سلطة تتجاذبها تيارات اقليمية ودولية مختلفة، فضلا عن ارتهان رأيها لدى اسرائيل.
لقد أصبح الاصلاح، وهو مطلب شعبي وضرورة استراتيجية وحاجة وطنية عقبة كأداء ومعضلة لا يمكن تجاوزها في ظل تباين حاد في الرؤية السياسية بين «حماس» و«فتح»، وقد أفرز الانقسام بين غزة والضفة حالة من الجمود في الموقع السياسي، وجاءت الحرب على غزة بتداعيات مؤلمة تقتضي اعادة النظر في الموقف الفلسطيني برمته، وفي مقدمة هذا الموقف اعادة النظر في هيكلة منظمة التحرير لتصبح بحق البيت الفلسطيني للداخل وللخارج.
وفي تقديري ان المنظمة لن ينصلح حالها الا اذا تمتعت بشخصية شمولية، وأصبح لها رئيس مستقل ليس من هذا الفصيل أو من ذاك، ينتخب مرة واحدة ولمدة محددة يتفق عليها... حينئذ يمكن القول: هناك منظمة التحرير وهي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، ويصبح الهدف من اعادة بنائها على أسس وقواعد وطنية وسيلة للتحرر الوطني، وليس مجرد غاية تتوقف دونها الطموحات.
د. رفيق حسن الحليمي
اثناء انعقاد اول مؤتمر قمة صيف 1964 في القاهرة لمناقشة تحويل اسرائيل مياه نهر الاردن لصالحها، وجد جمال عبدالناصر الفرصة مواتية لعرض انشاء منظمة تحرير فلسطينية على القادة العرب، وقد لقي ذلك قبولا، وتم الاعلان عن ولادتها، ووقع الاختيار فيما بعد على احمد الشقيري ليكون أول رئيس لها، وقد قام بدوره بانشاء مؤسسات عدة، من بينها جيش التحرير، وخلفه لمدة قصيرة يحيى حمودة وبعد معركة الكرامة وأحداث سبتمبر عام 1970 بدأ نجم ياسر عرفات بالظهور، وبقدرة قادر أصبح رئيسا للمنظمة ورئيسا لـ «حركة فتح» ثم رئيسا للسلطة حتى وفاته يناير 2005 وخلفه محمود عباس حتى يومنا هذا.
للحقيقة لا بد من الاشارة إلى ان قطاع غزة أصبح منذ نكبة 1948 تحت اشراف «الادارة المصرية»، وهو المسمى الرسمي للوجود المصري بعد العدوان الثلاثي، اما المسمى قبل ذلك فكان «المناطق الفلسطينية الخاضعة للقوات المصرية»، وقد عمدت الادارة المصرية بعد الاعلان عن انشاء المنظمة الى انشاء المجلس التشريعي في غزة ربيع 1965، الذي أصبح له نواب يعملون على اصدار التشريعات التي تخص المجتمع الفلسطيني، وفي عام 1966، ذهب وفد من النواب لمقابلة عبدالناصر لمناقشة مستقبل القضية الفلسطينية، وجاء رده لهم: «لا توجد عندي خطة لتحرير فلسطين... واللي عنده خطة يتفضل يقدمها»، رجع الوفد محبطا من تلك المقولة التي صدرت عن زعيم قومي او هكذا كانوا ينظرون اليه، وقد بُحت الحناجر وهي تهتف بحياته، وكان الشعب الفلسطيني، وبخاصة سكان غزة يعلقون الآمال عليه لتحرير كامل التراب استنادا الى شعارات محددة كان يرددها في كثير من خطبه السياسية، مثل: «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، و«قومية المعركة»، مع ملاحظة ان تردادها كان قبل 1965، وأما بعد ذلك فقد اسدل عليها الستار!
كشفت الاحداث المتوالية قبل حرب يونيو 1967 ان من شروط انسحاب اسرائيل من قطاع غزة تحديدا (انسحبت من سيناء وبقيت عند حدود رفح مدة شهرين تقريبا) ألا يتعرض عبدالناصر للقضية الفسطينية مدة عشرة أعوام وهذا يفسر مقولته للوفد التشريعي «لا توجد عندي خطة لتحرير فلسطين»، مع ان اعضاء الوفد والعامة من الناس لم يكونوا يعرفون هذه الحقيقة الا قبيل هزيمة 67، واكثر من ذلك كان قد وافق، سرا، على مرور السفن الاسرائيلية عبر ممرات تيران في خليج العقبة! وهذا يؤكد وجود اتفاقية سرية تم ابرامها في الجمعية العامة لانسحاب اسرائيل، ولم يعلن عنها في حينها وكشفت عنها الاحداث، وهنا يأتي السؤال المهم، وهو ما الهدف من تبني عبدالناصر مشروع انشاء منظمة التحرير؟
لا أكاد أجد مفتاحا للجواب الا بسؤال آخر وهو: ما السبب الحقيقي الذي دفع اسرائيل للدخول في شراكة مع انكلترا وفرنسا في العدوان الثلاثي، مع ان الدوافع لشن العدوان كانت أقوى وأوضح لدى انكلترا وفرنسا، بعد اعلان عبدالناصر عن تأميم قناة السويس؟ غير ان فشل المباحثات السرية المتعددة التي جرت في فرنسا بين مندوب عبدالناصر ومندوب بن غوريون كان السبب في دخول اسرائيل في العدوان الثلاثي، الذي انهزم فيه عبدالناصر عسكريا ولم ينهزم فيه سياسيا، وهناك فرق كبير لان الهزيمة العسكرية يمكن تجاوزها، على عكس الهزيمة السياسية التي تكون كالضربة القاضية المميتة، فهل شعر عبدالناصر بعدم جدوى شعار «قومية المعركة»، والاقتناع بعجزه عن مواجهة اسرائيل عسكريا، فأراد أن يلقي بالكرة في الملعب الفلسطيني، ولعل مسمى «المنظمة» يؤكد ان مسؤولية التحرير أصبحت، أو هكذا ينبغي ان تصبح، منوطة بيد الفلسطينيين وحدهم وبذلك يكون عبدالناصر قد تخلص من تبعات الخوض في غمار حرب لا قبل له بها، وهل كان صعود المعارضة ضد عبدالناصر بزعامة المشير عبدالحكيم عامر وغيره ابان العدوان الثلاثي وبعده دافعا، من بين دوافع أخرى، للتنصل من تبعات قومية المعركة، وهل أصبح عبدالناصر على علم، من خلال استخباراته، بوجود منظمات («فتح»، «الجبهة الشعبية»)، في طريقها الى الظهور، فأراد ان ينشئ «منظمة التحرير» لتأتمر بأمره، وتتصدى مستقبلا لمن يعارضه من التنظيمات الاخرى؟ اسئلة كثيرة حائرة تدفع الى الاقتناع بأن الهدف الحقيقي من وراء انشاء «منظمة التحرير» مازال يلفه كثير من الغموض، وان ولادة المنظمة جاءت في ظروف معقدة، مع القناعة بان شعار «قومية المعركة» دخل متحف التاريخ السياسي، وسقط منذ اللحظة التي تم الاعلان فيها عن ولادة منظمة التحرير عام 1964.
الواقع... تلقف العرب ولادة «منظمة التحرير» بالكثير من الارتياح، وشعروا ان عبئا ثقيلا سقط عن ظهورهم، وانهم تحللوا من تبعات: «قومية المعركة» الذي ظهر في سياق قد تماثل مع اشتداد حركة المد القومي في كثير من الأقطار العربية... ووجدوا في الدعم المالي غير المحدود سبيلا للتكفير عن اسقاط ذلك الشعار وما يقتضيه من واجب مقدس، وبدأت الاموال تتدفق من كل حدب وصوب، وارتفع مستوى هذا الدعم المادي بشكل لافت للانتباه بعد ان اصبح ياسر عرفات رئيسا للمنظمة بالاضافية الى رئاسته «حركة فتح» التي رفعت شعار «ثورة حتى النصر» وأطلقت الرصاصة الأولى في الفاتح من يناير 1965، ثم بدأت الساحة الفلسطينية بعد هزيمة 1967 تشهد ظهور العديد من المنظمات الفدائية، ربما لم يزد عدد أفراد بعضها على أصابع اليد، فقد انزوى بعضها وبقي بعضها الآخر، وكانت حركتا «حماس» و«الجهاد» ذواتا الاتجاه الاصولي آخر هذه التنظيمات التي ظهرت.
لا أحد يتشكك في صدق النوايا والاخلاص في التضحية لدى الجميع، لكن ينبغي الاعتراف بأن ظهور الكثير من التنظيمات عمل على خلق فوضى وايجاد حالة من الارباك، وعدم توحيد القرار السياسي الذي أردت حركة فتح، وان شئت فقل اراد عرفات ان يستأثر به شخصيا! وقد ادى ذلك الى منافسة محمومة في تسجيل مواقف واتخاذ خطوات عملية كان لها تأثيرها على الناخب والانتخابات، ما ادى الى التشكيك في هيكلة «منظمة التحرير» ومؤسساتها المختلفة.
لا أحد ينكر ان المنظمة وضعت لها ميثاقا وطنيا، يعد او هكذا ينبغي ان يكون مرجعية وطنية يحتكم اليها في كل خطوة أو فعل أو قرار، وان اكثر من مئة دولة اعترفت بها، وأصبح لها مراقب في الامم المتحدة... غير ان احتكاره لرئاستها على مدى نيف وثلاثين عاما، الى جانب احتكاره لرئاسة «حركة فتح»، ثم للسلطة أعطى مؤشرا على تكريس الحكم الفردي، بعيدا عن الحكم الجماعي التشاوري، وبعيدا أيضا عن العمل المؤسساتي المسؤول الذي يعد من أهم الركائز الاساسية في النهوض الوطني، وقد ادى ذلك إلى التأثير الحزبي في هيكلة المنظمة وقرارها السياسي، ولم تعد لها شخصيتها المستقلة... فكثر الفساد والافساد، وأصبحت الدول المانحة، عربية وغير عربية تتهيب من تقديم الدعم المالي للسلطة.
زاد الطين بلة موافقة عرفات بحضور الرئيس الاميركي الأسبق على إلغاء ما يزيد على ثلاثين بندا من الميثاق الوطني، بما فيها بنود لها علاقة بالمقاومة التي تعد حقا مشروعا للشعوب التي تقع تحت الاحتلال، فلم يتبق من الميثاق وهو السند الداعم للمنظمة قيمة تذكر، ولم يعد للمنظمة بعد اتفاقية «أوسلو» دور فاعل بعد ان فرغت من أهم مضامينها وأهدافها التي وضعت من أجلها، ولم يعد للوسيلة غاية تتغياها في سياق الاحداث المتوالية وقد كان الأولى من البداية وحتى النهاية ان تستقل المنظمة عن أي عمل حزبي، فلا يكون رئيسها وأكثر أعضائها من فصيل واحد، له الكلمة الفصل في قراراتها وتوجهاتها.
المستقبل... لم يختلف موقف محمود عباس عن موقف سلفه عرفات في شيء، غير ان من سوء حظ الأخير انه جاء في سياق تأزم سياسي بلغ ذروته، وقد شهدت أيام عرفات الأخيرة بداية ذلك التأزم المتصاعد، وكان موت عرفات الغامض أحد عوامل ذلك التأزم، فكثر الطامعون والطامحون من أيتام عرفات في خلافته وفي ارثه السياسي والمالي، واصبح في الفصيل الواحد «فتح» أكثر من فصيل يتنازع على المكاسب وعلى كل شيء ممكن وغير ممكن ما عدا التنازع على القضية، وبدأت الخلافات والصراعات والاتهامات تنخر في جسد وهن وترهل ومزقته الخلافات ولم يعد قادراً على تجديد نشاطه ولملمة صفوفه، وهو ما اعترف به بعض قادة «فتح»، وكان فوز «حركة حماس» من التحديات الكبرى التي واجهت مؤسسة الرئاسة، و«حركة فتح» على حد سواء، فالبون شاسع والرؤى متباعدة والاختلاف كبير بين ما يتبناه هؤلاء وأولئك، وكانت حتمية التصادم بينهما متوقعة منذ اللحظات الأولى لفوز «حماس».
ارتفعت الأصوات من مختلف الفصائل وفي طليعتها «حركة حماس» للمطالبة بضرورة إعادة هيكلة «منظمة التحرير» واصلاح أمرها، وتجديد بنيتها لتكون بحق البيت الفلسطيني الذي يضم الكل في الداخل والخارج، ولا يقتصر على فصيل واحد، وقد جاء هذا الطرح في ذروة مفاوضات كان يأمل منها محمود عباس ان يحقق الكثير من المكاسب غير انه لم يستجب لدواعي الاصلاح وركن الى المماطلة والتسويف لعله يحقق شيئا على أرض الواقع، ووجدت «حماس» في الالحاح على مطالبتها بالاصلاح المنشود ذريعة لاحراج السلطة، التي لم تجن من مفاوضاتها العبثية الا السراب والوهم وقبض الريح وحصاد الهشيم، وفي اجتماع القاهرة (مارس 2005) بين مختلف الفصائل مع محمود عباس تم التوافق على الزام السلطة بالاصلاح، لكن هيهات ان يأخذ الاصلاح طريقه في ظل سلطة تتجاذبها تيارات اقليمية ودولية مختلفة، فضلا عن ارتهان رأيها لدى اسرائيل.
لقد أصبح الاصلاح، وهو مطلب شعبي وضرورة استراتيجية وحاجة وطنية عقبة كأداء ومعضلة لا يمكن تجاوزها في ظل تباين حاد في الرؤية السياسية بين «حماس» و«فتح»، وقد أفرز الانقسام بين غزة والضفة حالة من الجمود في الموقع السياسي، وجاءت الحرب على غزة بتداعيات مؤلمة تقتضي اعادة النظر في الموقف الفلسطيني برمته، وفي مقدمة هذا الموقف اعادة النظر في هيكلة منظمة التحرير لتصبح بحق البيت الفلسطيني للداخل وللخارج.
وفي تقديري ان المنظمة لن ينصلح حالها الا اذا تمتعت بشخصية شمولية، وأصبح لها رئيس مستقل ليس من هذا الفصيل أو من ذاك، ينتخب مرة واحدة ولمدة محددة يتفق عليها... حينئذ يمكن القول: هناك منظمة التحرير وهي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، ويصبح الهدف من اعادة بنائها على أسس وقواعد وطنية وسيلة للتحرر الوطني، وليس مجرد غاية تتوقف دونها الطموحات.
د. رفيق حسن الحليمي