ضمن الموسم الثقافي لدار الآثار الإسلامية، ألقت الدكتورة مارينا تولماتشوفا محاضرة باللغة الإنكليزية تحت عنوان «أفريقيا والأفارقة في المصادر العربية» مساء الاثنين الماضي. في مركز الميدان الثقافي (مقر منطقة حولي التعليمية) قدم المحاضرة وأدار حولها النقاش الأستاذ أحمد خاجه عضو اللجنة التأسيسية لأصدقاء (الدار).
استهلت تولماتشوفا محاضرتها موضحه أن علاقات العرب مع أفريقيا قبل الإسلام توثقت بزمن طويل، ولكنها نمت وتوسعت مع انتشار الإسلام والفتوح العربية. وكان للجغرافيا تأثير كبير على قنوات التجارة والاتصال بين العرب والأفارقة، وظلت إفريقيا الاستوائية لمدة قرون عنصرا جاذبا وغامضا. فكانت حكايات عن ذهب ينمو في الرمال، تضلل القوافل العابرة للصحاري على بلاد السودان. وقد عاد التجار العرب شمالا محملين بالعاج والعبيد وجلود الحيوانات الغريبة والذهب مما ساعد على قيام تجارة رائجة مع المغرب وأوروبا والشرق الأدنى والهند. كان العرب مسحورين بأمر الجنس الأفريقي وأصله مما يفسر وجود صور للأفارقة السود في الأدب العربي والتراث الشعبي.
تناولت المحاضرة وصف البلاد الأفريقية وشعوبها وحكامها، كما ورد في الكتب العربية خلال العصور الوسطى والتي ظلت مصدرا للمعلومات عن إفريقيا بالنسبة للعالم قبل الكشوف بالجغرافيا والبرتغالية في القرن 15. كانت العلاقات العربية قد توثقت مع إفريقيا منذ وقت طويل قبل الإسلام، وقد ظل المؤلفون العرب يزودون القارئ في بلاد الإسلام وما عداها بأفضل المعلومات عن إفريقيا.
وعن زمن العصور الوسطى استأنفت تولما تشوفا حديثها موضحه أنه خلال العصور الوسطى كانت المعارف العربية عن إفريقيا تفوق ما يعرفه الأوربيون عن أفريقيا وشعوبها، وفي بعض الأحيان كان الدليل الوثائقي المكتوب عن تاريخ إفريقيا القديم يأتي عن طريق الباحثين العرب . وسبق هذا كتابات اليونان والرومان عن إفريقيا . وقد ثبت أن كثير من المعلومات الجغرافية القديمة نقلت بواسطة الجغرافيين وصائغي الخرائط المسلمين من ابن خردذابة إلى الإدريسي .
وأضافت أن انتشار الإسلام والفتوح العربية ساعدا على توثيق الصلات بين إفريقيا والعرب، ومع ذلك ظلت هناك مناطق في الداخل تمثل لغزاً ومثاراً للخيال والدهشة . هكذا ظلت روايات شهود العيان مثل الرحالة أبن بطوطة وغيره موضع إهمال وعدم ثقة وطوي النسيان كتاباتهم.
ومن بين أشهر المناطق في إفريقيا بعد ساحل البحر المتوسط كانت مناجم الذهب في صعيد مصر والسودان، وبلاد غرب إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى الواقعة على نهر السنجال والنيجر، بالإضافة إلى المناطق الشمالية الشرقية في أثيوبيا والساحل الأفريقي الشرقي (أرض الزنج) التي يتردد صدى اسمها في جزيرة زنزبار.
وأضافت عن شرق إفريقيا.. أما في الشرق فكان ساحل الزنج ترتاده السفن التي كانت تبحر مع الرياح الموسمية الشمالية الشرقية، وكانت الموانئ ترسم الحدود على الساحل بين أرض الحبشة وبربرة (الصومال والزنج أو من تحدث اللغة السواحيلية) نسبه إلى الساحل.
ومن أول الكلمات الأفريقية التي ذكرت في المصادر العربية، كانت أسماء الأماكن باللغة السواحيلية أو كلمات تتعلق بالتجارة والحيوانات الغريبة أو ألقاب ملكية من لغات البنتو. وقد كان الجاحظ من أوائل المؤلفين العرب الذين ذكروا أسماء إفريقية في معرض تناوله لأصول العبيد الزنج، الذين جلبوا للعراق في العصر العباسي. وفي جنوب العراق كانت هناك ثورة الزنج (255-269 هـ / 869- 883م) ومن بينهم عبيد لا ينتمون إلى الزنج فمنهم من الحبشة، والنوبة والسودان.
وأنهت الدكتورة تولما تشوفا محاضرتها بتناول الأصول العرقية والفنون عند الشعوب الأفريقي قائلة أنه طبقا لما روى فإن السود من نسل أبن حام وهما كوش وكنعان، ومن بينهم أهل النوبة، الزنج، أهل زغاوا، الأحباش، البربر ومنهم أهل الصومال والبوجة وشعوب غرب إفريقيا، أو أهل السودان الأصليين «الذين يتمتعون ببشرة أكثر سواداً ومزاج أكثر مرحاً». وكان حب الأفارقة للرقص والموسيقى مثاراً للتعليقات دائما، كما كان أيضا ما يمتازون به من أنف أفطس وشعر أجعد، وإن كان البعض يخشى خطره نظراً لكونهم أكلى لحوم البشر.
بعد انتهاء المحاضرة فتح باب التعليقات والتساؤلات لتطرح قضايا حول التواصل الحضاري ومؤثراته الأدبية والفنية المتبادلة بين آسيا وأفريقيا.