عندما تصاعد غبار الأزمة المالية العالمية وحط رحاله على أرض الكويت، ووصل إلى المرحلة التي تهدد بخروج بعض الشركات الاستثمارية والمالية من الميدان عبر بوابة الإفلاس، تصاعدت معه الأصوات المطالبة بالتدخل الحكومي لمساعدة هذه الشركات، وكثرت معها الاقتراحات باستخدام المال العام في مثل هذا التدخل، وتطور الأمر حتى وصلنا إلى ما أسموه بصندوق الاستقرار الاقتصادي وملياراته الخمسة. كنت في انتظار ما سيصدر عن «الجنرال» بدر الحميضي، وزير المالية السابق، في هذا الخصوص، والجنرال بدر بالتحديد، كونه أكثر من عارض استخدام الفوائض المالية والمال العام في تسوية قضية مديونيات المواطنين، سواء عندما كان وزيراً أو بعدما ترك كرسي الوزارة، في ما يمكن تشبيهه بالحرب المقدسة التي يخوضها الوزير السابق في هذا الاتجاه!
خروج الجنرال بدر على شاشة إحدى القنوات الفضائية قبل أيام مطالباً باستخدام المال العام لدعم ثلة من المستثمرين ممن استثمروا بحر إرادتهم في شركاتهم المالية واتخذوا قرارات استثمارية وتجارية هم مسؤولون عنها، يدل على أن المسألة لديه لم تكن في يوم من الأيام دفاعاً عن المال العام أو محاربة لهدره وسوء استخدامه أو تحقيقاً لمبدأ العدالة والمساواة الذي رفع سيفه أعواماً، وهو يطالب فيه، وهو القائل في أحد أيام حربه المقدسة تلك إن «إسقاط القروض والتسهيلات الاستهلاكية وغيرها من القروض المقسطة يشكل إغفالاً لمبادئ العدل والمساواة بين المواطنين وإخلالاً بمتطلبات الكفاءة في استغلال الموارد وتعطيلا لآليات السوق»، فهل يستطيع الجنرال اليوم أن يدعي أن صرف ما يزيد على خمسة مليارات دينار بالتمام والكمال، كمرحلة أولى قد تتطور إلى أن تصل إلى ما يزيد على ذلك بمليارات ومليارات الدنانير، هو تحقيق لمبدأ العدل والمساواة بين المواطنين؟ أو التزام بمتطلبات الكفاءة في استغلال الموارد والفوائض المالية؟.
شخصياً لا أزال عند الرأي القائل إن أزمة القروض هي أزمة ثقة بين المواطن والحكومة، فالمواطن لا يثق في حسن إدارة الحكومة للفوائض المالية المتراكمة لديها، ولو وثق المواطن بأن هذه الفوائض ستتحول في يد حكومتنا إلى مستشفيات ومساكن ومدارس لما ظهرت على السطح أي مطالبات لإسقاط قروض غالبها متراكم بسبب عجز الحكومة عن تأدية الدور المناط بها! ولا أزال كذلك عند الرأي القائل بأن أزمة الشركات الاستثمارية هي أزمة مستثمرين وليست أزمة اقتصاد، وأنه لا يجب على الحكومة التدخل من أجل أن تحمي مستثمراً من الخسارة أو شركة من الإفلاس، فكل هذه الشركات من دون استثناء لا قيمة فعلية لها في موازين الاقتصاد الوطني العام، فالعائد الضريبي منها لا يكاد يذكر وعدد العمالة الكويتية فيها لا يتعدى عدد موظفي أصغر إدارة في القطاع الحكومي! ولكنني شخصياً، كنت أحترم كل رأي يعارض أي من الموقفين، فهذه قضايا فيها مساحة كبيرة للاختلاف، ولا يمكن لأحد أن يحتكر الحقيقة أو الصواب فيها، ولكني شخصياً لا أحترم التناقض في المواقف، ولا أن يكون الشخص «جنرال حرب» في قضية ديون المواطنين و«حمامة سلام» في قضية ديون الشركات، وهذا بالضبط ما فعله ويفعله «الجنرال - الحمامة» بدر الحميضي هذه الأيام!.


سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com