عشية إحياء اللبنانيين الشرفاء حقاً، للمرة الرابعة، ذكرى الرابع عشر من فبراير 2005، يظهر بوضوح لماذا اغتيل رفيق الحريري ولماذا استمرت كل المحاولات الهادفة إلى إخضاع لبنان وتحويله إلى رأس حربة للمحور الإيراني - السوري. تتوضح الصورة أكثر كلما مر يوم على الجريمة وعلى الجرائم الأخرى التي تلتها. ولكن تظهر في الوقت ذاته تلك القدرة اللبنانية على المقاومة، مقاومة التخلف والتبعية بأشكالها كلها أكانت ممثلة بـ«حزب الله» الإيراني، بعناصره اللبنانية، أو بأدواته من مستوى النائب ميشال عون والصغار الصغار التابعين له... أو بالأدوات السورية المباشرة من أولئك الذين يخجل المرء من ذكر أسمائهم.
ما يذهل في مناسبة إحياء الذكرى الرابعة لغياب رفيق الحريري، الحاضر أبداً في قلوب اللبنانيين والعرب الشرفاء وعقولهم، قدرة اللبنانيين على مقاومة التخلف. تلك القدرة التي تبدو وكأن لا حدود لها. إنها ثقافة الحياة التي لا يمكن إلا أن تنتصر على ثقافة الموت بفضل اللبنانيين من الطوائف والمذاهب والمناطق كلها. هؤلاء اللبنانيون الذين نزلوا إلى الشارع وأخرجوا القوات السورية من أرض بلدهم، لا يمكن ألا ينتصروا على السلاح والمسلحين الذين يهددونهم يومياً في أعز ما لديهم، محاولين الاعتداء على الكرامات وتزوير الحقائق بما في ذلك استخدام صغير من بين الصغار لحجب المعلومات عن لجنة التحقيق الدولية.
لا تزال المعركة طويلة. لكن الاستقلاليين والسياديين الذين رفضوا لعب دور الأداة لدى الأدوات، كما يفعل المهرج برتبة جنرال، الذي يحاول إقامة دولة علمانية في لبنان مستعيناً بسلاح تابع لحزب مذهبي مرجعيته في طهران عاصمة «الجمهورية الإسلامية»، لن يستسلموا. اللبنانيون ليسوا في غباء أولئك التابعين للجنرال الذين يرددون كلاماً غير مفهوم شبيه بما يصدر عن الببغاء. سيكون نزولهم إلى الشارع مرة أخرى دليلاً على رفضهم التبعية ورفضهم أن يكونوا جسراً لعودة نظام الوصاية، كما شاء أولئك الذين نزلوا إلى الشارع في الثامن من مارس 2005 لشكر النظام السوري على التخلص من رفيق الحريري. الذين سينزلون هذه السنة إلى الشارع في الرابع عشر من شباط - فبراير يدركون جيداً ماذا سيعني للبلد البقاء في بيوتهم وماذا عنت تظاهرة «شكراً سورية» في حينه. ولعل أهم ما يدركونه أن المحاولة الانقلابية التي بدأت بجريمة التمديد للرئيس إميل لحود في سبتمبر من العام 2004 ومرّت باغتيال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما مستمرة. استمرت مع اغتيال الحبيب والأخ سمير قصير والمناضل العربي جورج حاوي والزميل والأخ جبران تويني وكل من يرمز إلى المستقبل الأفضل، بدءاً بشيخ شباب الشهداء بيار أمين الجميل وصولاً إلى وليد عيدو، رمز شموخ بيروت العربية ومقاومتها، والنائب أنطوان غانم الذي آمن بالعيش المشترك.
استمرت المحاولة الانقلابية باغتيالات ومحاولات اغتيال وتفجيرات وافتعال حرب صيف العام 2006، ثم باستكمال العدوان الإسرائيلي عن طريق الاعتصام في وسط بيروت بما يمثله من اعتداء على الأملاك العامة والخاصة. ولما لم ينفع ذلك كله في إخضاع لبنان، جاءت أحداث مخيم نهر البارد التي استهدفت الجيش الوطني واغتيال اللواء فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد وإغلاق مجلس النواب... وغزوة بيروت والجبل. إنه الانقلاب المستمر على كل ما له علاقة بلبنان الحر السيد المستقل الذي عرف كيف يسير على خطى رفيق الحريري وكيف يحمي المحكمة الدولية التي ستبصر النور في الأول من مارس المقبل غصباً عن الذين يعتقدون أن التحكم بوزارة الاتصالات سيوفر غطاء للإرهاب والإرهابيين!
صمد لبنان وصمد اللبنانيون. يدل على صمودهم سلسلة من الأسئلة التي يمكن طرحها الآن. من بين الأسئلة: من كان يصدق أن القوات السورية ستخرج يوماً من لبنان؟ من كان يصدق أن المحكمة الدولية ستبصر النور؟ من كان يصدّق أن القرار 1701 صار حقيقة وأن لبنان قادر على حماية نفسه بنفسه بواسطة «حكومة المقاومة» التي أوقفت العدوان الإسرائيلي في حينه؟ ما تحقق في أعوام أربعة كان إنجازاً ضخماً. إنه «الاستقلال الثاني» الذي تحدث عنه سمير قصير ورواه بدمه مع غيره من الشهداء.
مرة أخرى، لا تزال المعركة طويلة، خصوصاً بعدما تبين أن على اللبنانيين أن يواجهوا بصدورهم العارية سلاح «حزب الله» الذي ارتد على الداخل والذي يستخدم في سياق المحاولات المستمرة لإسكاتهم وصرفهم عن المحكمة الدولية. ولذلك، أقل ما يمكن قوله إن المعركة المقبلة ستكون من أشرس المعارك. ما يبدر عن وزير الاتصالات ليس سوى مؤشر إلى أي مدى يمكن أن تذهب إليه الأدوات السورية وأدوات الأدوات في محاولة إعادة عقارب الساعة إلى خلف والسعي إلى عرقلة المحكمة والتحقيق في الجرائم التي كان لبنان مسرحها.
بعد أعوام أربعة على اغتيال رفيق الحريري، تبدو الجريمة واضحة كما أن أبطالها معروفون. كل من شارك ويشارك في التغطية مشارك بطريقة أو بأخرى في الجريمة. ما نشهده اليوم بداية تحضير للمعركة الكبرى، معركة الاختيار في الانتخابات المقبلة بين لبنان السيد الحر المستقل من جهة ولبنان التابع من جهة أخرى. لبنان التابع هو لبنان «اتفاق القاهرة» الذي فرض على الوطن الصغير فرضاً في العام 1969 كي يبقى الجنوب الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل... مطلوب من لبنان أن يكون غزة أخرى لا أكثر. هكذا بكل بساطة. اغتيل رفيق الحريري، لأنه أعاد لبنان إلى خريطة المنطقة والعالم. سيتوجب على اللبنانيين في الانتخابات المقبلة في السابع من يونيو أن يقولوا أن بلدهم يستحق الحياة، وأن ثقافة الحياة ستنتصر على ثقافة الموت. الخيار واضح وضوح الأسباب التي أدت إلى التخلص من رفيق الحريري وسقوط هذا العدد كله من الشهداء... وصولاً إلى اليوم الذي صارت فيه المحكمة الدولية حقيقة!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
ما يذهل في مناسبة إحياء الذكرى الرابعة لغياب رفيق الحريري، الحاضر أبداً في قلوب اللبنانيين والعرب الشرفاء وعقولهم، قدرة اللبنانيين على مقاومة التخلف. تلك القدرة التي تبدو وكأن لا حدود لها. إنها ثقافة الحياة التي لا يمكن إلا أن تنتصر على ثقافة الموت بفضل اللبنانيين من الطوائف والمذاهب والمناطق كلها. هؤلاء اللبنانيون الذين نزلوا إلى الشارع وأخرجوا القوات السورية من أرض بلدهم، لا يمكن ألا ينتصروا على السلاح والمسلحين الذين يهددونهم يومياً في أعز ما لديهم، محاولين الاعتداء على الكرامات وتزوير الحقائق بما في ذلك استخدام صغير من بين الصغار لحجب المعلومات عن لجنة التحقيق الدولية.
لا تزال المعركة طويلة. لكن الاستقلاليين والسياديين الذين رفضوا لعب دور الأداة لدى الأدوات، كما يفعل المهرج برتبة جنرال، الذي يحاول إقامة دولة علمانية في لبنان مستعيناً بسلاح تابع لحزب مذهبي مرجعيته في طهران عاصمة «الجمهورية الإسلامية»، لن يستسلموا. اللبنانيون ليسوا في غباء أولئك التابعين للجنرال الذين يرددون كلاماً غير مفهوم شبيه بما يصدر عن الببغاء. سيكون نزولهم إلى الشارع مرة أخرى دليلاً على رفضهم التبعية ورفضهم أن يكونوا جسراً لعودة نظام الوصاية، كما شاء أولئك الذين نزلوا إلى الشارع في الثامن من مارس 2005 لشكر النظام السوري على التخلص من رفيق الحريري. الذين سينزلون هذه السنة إلى الشارع في الرابع عشر من شباط - فبراير يدركون جيداً ماذا سيعني للبلد البقاء في بيوتهم وماذا عنت تظاهرة «شكراً سورية» في حينه. ولعل أهم ما يدركونه أن المحاولة الانقلابية التي بدأت بجريمة التمديد للرئيس إميل لحود في سبتمبر من العام 2004 ومرّت باغتيال رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما مستمرة. استمرت مع اغتيال الحبيب والأخ سمير قصير والمناضل العربي جورج حاوي والزميل والأخ جبران تويني وكل من يرمز إلى المستقبل الأفضل، بدءاً بشيخ شباب الشهداء بيار أمين الجميل وصولاً إلى وليد عيدو، رمز شموخ بيروت العربية ومقاومتها، والنائب أنطوان غانم الذي آمن بالعيش المشترك.
استمرت المحاولة الانقلابية باغتيالات ومحاولات اغتيال وتفجيرات وافتعال حرب صيف العام 2006، ثم باستكمال العدوان الإسرائيلي عن طريق الاعتصام في وسط بيروت بما يمثله من اعتداء على الأملاك العامة والخاصة. ولما لم ينفع ذلك كله في إخضاع لبنان، جاءت أحداث مخيم نهر البارد التي استهدفت الجيش الوطني واغتيال اللواء فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد وإغلاق مجلس النواب... وغزوة بيروت والجبل. إنه الانقلاب المستمر على كل ما له علاقة بلبنان الحر السيد المستقل الذي عرف كيف يسير على خطى رفيق الحريري وكيف يحمي المحكمة الدولية التي ستبصر النور في الأول من مارس المقبل غصباً عن الذين يعتقدون أن التحكم بوزارة الاتصالات سيوفر غطاء للإرهاب والإرهابيين!
صمد لبنان وصمد اللبنانيون. يدل على صمودهم سلسلة من الأسئلة التي يمكن طرحها الآن. من بين الأسئلة: من كان يصدق أن القوات السورية ستخرج يوماً من لبنان؟ من كان يصدق أن المحكمة الدولية ستبصر النور؟ من كان يصدّق أن القرار 1701 صار حقيقة وأن لبنان قادر على حماية نفسه بنفسه بواسطة «حكومة المقاومة» التي أوقفت العدوان الإسرائيلي في حينه؟ ما تحقق في أعوام أربعة كان إنجازاً ضخماً. إنه «الاستقلال الثاني» الذي تحدث عنه سمير قصير ورواه بدمه مع غيره من الشهداء.
مرة أخرى، لا تزال المعركة طويلة، خصوصاً بعدما تبين أن على اللبنانيين أن يواجهوا بصدورهم العارية سلاح «حزب الله» الذي ارتد على الداخل والذي يستخدم في سياق المحاولات المستمرة لإسكاتهم وصرفهم عن المحكمة الدولية. ولذلك، أقل ما يمكن قوله إن المعركة المقبلة ستكون من أشرس المعارك. ما يبدر عن وزير الاتصالات ليس سوى مؤشر إلى أي مدى يمكن أن تذهب إليه الأدوات السورية وأدوات الأدوات في محاولة إعادة عقارب الساعة إلى خلف والسعي إلى عرقلة المحكمة والتحقيق في الجرائم التي كان لبنان مسرحها.
بعد أعوام أربعة على اغتيال رفيق الحريري، تبدو الجريمة واضحة كما أن أبطالها معروفون. كل من شارك ويشارك في التغطية مشارك بطريقة أو بأخرى في الجريمة. ما نشهده اليوم بداية تحضير للمعركة الكبرى، معركة الاختيار في الانتخابات المقبلة بين لبنان السيد الحر المستقل من جهة ولبنان التابع من جهة أخرى. لبنان التابع هو لبنان «اتفاق القاهرة» الذي فرض على الوطن الصغير فرضاً في العام 1969 كي يبقى الجنوب الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل... مطلوب من لبنان أن يكون غزة أخرى لا أكثر. هكذا بكل بساطة. اغتيل رفيق الحريري، لأنه أعاد لبنان إلى خريطة المنطقة والعالم. سيتوجب على اللبنانيين في الانتخابات المقبلة في السابع من يونيو أن يقولوا أن بلدهم يستحق الحياة، وأن ثقافة الحياة ستنتصر على ثقافة الموت. الخيار واضح وضوح الأسباب التي أدت إلى التخلص من رفيق الحريري وسقوط هذا العدد كله من الشهداء... وصولاً إلى اليوم الذي صارت فيه المحكمة الدولية حقيقة!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن