عندما يرى الإنسان بعض قومه يطلقون الأحكام القاسية ضد الآخرين بشكل شمولي ونهائي ويقيني فإنه يدرك مدى تحكم العواطف والأهواء في العقول، كما انه قد يعذر من له تجربة شخصية قاسية وعنده شواهد سيئة لهؤلاء القوم اثناء الغزو والحرب او أيام الأمن والسلام. لكن كثيراً ما تكون التجارب المريرة سبباً في التعميم الظالم الذي يروج هذه الأيام ضد الفلسطينيين وموقفهم من الغزو البعثي للكويت وهنا يقول المحب لقومه «ياليت قومي يقرأون»... لا احد ينكر جناية من اخطأ وأجرم منهم ومن غيرهم ولكن... ثم ولكن... وأيضاً ولكن... وما بعد لكن هو المهم، فلنقرأ هذه الشهادة وبعدها نكمل الحديث عن لكن. يقول الدكتور علي محمد الدمخي في كتابه الوثائقي «كويتي تحت الاحتلال» ما نصه: «كان لبعض الأخوة الفلسطينيين دور لا يمكن نكرانه في هذه الأزمة» اذ انني أعرف شخصياً احد العاملين في مصنع الملح والكلورين بمنطقة الشعيبة الصناعية الذي تحمل الضغط النفسي والإرهاب من المسؤولين العراقيين في سبيل المحافظة على محتويات ذلك المصنع الخطير بالتعاون مع زملائه من المهندسين الكويتيين!! كما قام مهندس فلسطيني آخر بالمحافظة على محطة الدوحة لتوليد القوى الكهربائية حتى الأيام الأخيرة من تواجد القوات العراقية وذلك قبل تدميرها!! كما قامت عائلة فلسطينية بإخفاء واحدة من أفراد الأسرة الحاكمة بمنزلها بعيداً عن أعين أزلام المخابرات العراقية!! بل وأعرف شخصياً ممرضة فلسطينية في مستشفى العدان عرضت مع زميلة لها حياتها للخطر في سبيل توفير العلاج والدواء اللازم لجرحى المقاومة!! كما وضع احد الفلسطينيين سيارته الخاصة تحت تصرف سكان الحي من الكويتيين الذي كان يسكن فيه. حيث كان يوفر لهم جميع متطلباتهم من الغاز والمواد الغذائية في فترة من احرج الفترات التي مرت على المواطنين في الداخل وخاصة خلال الحرب الجوية!!
ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال نفي وجود أعداد من المقيمين الذين باعوا ضمائرهم. ونسوا أفضال الكويت عليهم. وتعاونوا مع القوات العراقية. وهؤلاء دون شك يعرفهم الكثير من ابناء الكويت!! وهؤلاء لا بد من محاسبتهم واتخاذ القرار اللازم بحقهم!! وفي نفس الوقت لا بد من مكافأة كل من خدم الكويت من المواطنين العرب خلال الأزمة بالطريقة التي تراها السلطات المعنية مناسبة!! «صفحة 235 من كتاب الدكتور الدمخي، الطبعة الثانية 1992».
وشهادة الدمخي وتعليقه عين العقل والانصاف والعدالة، فهو يذكر شواهد عاينها لجهود وتضحيات الأخوة الفلسطينيين في سبيل البلد الذي آواهم وأحبوه، وقال بالحرف عن هذا الدور «لا يمكن نكرانه في هذه الأزمة». ولكن للأسف الحاصل من هستيريا لبعض الإعلام المقروء او المرئي في بلدي هو انكار كل حقيقة وتعميم كل رذيلة والبحث في القمامة والعمى عن المواقف الطاهرة كالتي ذكرها الدكتور الدمخي وغيره. بالله عليكم أسرة فلسطينية تخفي في منزلها واحدة من أفراد الأسرة الحاكمة عن أعين طغاة البعث!! أي مغامرة هذه؟ انها أسرة اختارت الموت الجماعي في حمايتها لابنة الأسرة الحاكمة، ما الذي حملها على ذلك غير الحب والوفاء؟ ألم تكن بنت الأسرة الحاكمة أكبر غنيمة تقدم للبعثيين!!
يختم الدكتور الدمخي كلمته عن دور الفلسطينيين الايجابي في الغزو فيقول: «لا بد من مكافأة كل من خدم الكويت من المواطنين العرب خلال الأزمة بالطريقة التي تراها السلطات المعنية مناسبة!!» أقول: هل حصل هذا التكريم. آسف ان أقول ان الأيام الأول بعد الغزو والناس في حالة غضب واحتقان وقع ظلم كبير لا أقول على المسالمين بل على بعض الفلسطينيين الذين جاهدوا في سبيل الكويت لأن الأوراق اختلطت والإعلام البعثي عرف كيف يضرب اسفين الشقاق بين الكويتيين وعموم الفلسطينيين، وهذا ما سنشرحه بمفاجأة جديدة الا وهي شهادة قائد المقاومة الكويتية الشعبية بوفهد كما نشرتها جريدة الفجر الجديد عام 1991 وهي أول جريدة كويتية تصدر بعد التحرير.

د. محمد العوضي