... وكأنه كان يودع الناس، فأول من أمس مساء كان في جمعية الصحافيين الكويتية مشاركا متقدما كعادته الحاضرين إلى ندوة الوزيرة نورية الصبيح التي كانت تريد إلقاء الضوء على الضجة المثارة في شأن العملية التربوية أمام الجسم الصحافي... العم أبو طارق لا يمكنه أن يتخلف عن مناسبة للجمعية وهو رئيسها الفخري وهو رئيسها لدورات ودورات في حقب ماضية.قبل ذلك كان في مكتبه وشعر (إسلام) أحد المحررين في (كويت تايمز) بالتعب فأمره أن يرحل إلى الطبيب... أدى ما عليه من واجبات ومارس يومه كالمعتاد دون أن يشعر هو أو يشعر أحدا بأن هذه ساعاته الأخيرة.كان المرحوم يوسف صالح العليان شعلة نشاط دائم... كان أجنبيا في نظامه وهدوئه، لا يملك نزق الشرقيين، وكأنه يمسك بما تعلمه مبكرا من الغرب فأراد أن يطبقه أولا على نفسه، في زمان ها هو يمضي على الناس الواحد بعد الآخر، بينما الغرب أحسن منا وأفضل منا في كل مجال، دون أن ندري متى يتوب الله علينا فنصبح نحن الصادقون والصرحاء والمباشرون، وتاليا نعود لنتفوق أو حتى نشارك غيرنا بالتفوق.منذ أيام تقول شريكة عمره لعقود (أم زياد) السيدة بدرية درويش، والدة أنجاله زياد وعبد الرحمن وصالح شعر بتعب فنقله ابنه زياد استشاري الطوارئ في مبارك الكبير وهو خريج طب من بريطانيا مع دراسات عليا ومتخصصة، ولما جرى الاطمئنان إلى أن كل شيء على ما يرام عاد إلى المنزل وعاد إلى العمل كعادته، يداوم قبل الجميع، يلتزم بواجباته الاجتماعية، يحضر اللقاءات ويلبي الدعوات، ثم يركن إلى هدوئه في منزله عند التاسعة مساء... فوراءه فجر وصباح مبكر يحب أن ينجز أعماله خلاله.تعلم العم المرحوم في أوروبا، وهو تخرج من واحدة من أعرق الجامعات البريطانية في العلوم السياسية والاقتصاد العام 1953 وبهذه الحالة وكما كان يعترف لأصدقائه ومحبيه فإنه كان من مواليد تحت الثلاثين... أي العام 1930... وكان يقول معتزا بشبابه ممازحا وهو الدائم المزاح بلطف وود وأدب وأخلاق... أنا من جيل ما تحت الثلاثين!.وكان سر الشباب لدى المرحوم بإذن الله، واضحا، جليا، لكل معارفه، فهو الصادق مع نفسه أولا، والصادق في كل شيء مع الناس، ثم هو القانع بما كتبه الله من رزق، لم يبحث عن المال ولم يشغل نفسه به، بل ترك هذا لزوجته وأولاده ولهذا لم ينشئ علاقة مع أي أحد من أجل مصلحة ولم يبحث عن شيء مع الناس غير أن يحبه ويحبهم.تعلم يوسف صالح العليان في الغرب، وحمل لواء نقل المدنية والتحضر على الطريقة الغربية من دون أن ينسى واجباته الدينية في كل مراحل عمره، ومع التزامه عدم إصدار صحيفة ناطقة بالعربية يوميا إلى جانب كويت تايمز، فإن الجريدة خاصته الصادرة بالإنكليزية كانت حريصة دائما وبنفسه وتوجيهاته على أن تقول للغربيين أولا عن القضايا العربية، وكانت دائما بإرادته صاحبة حس نقدي لاذع للسياسات والممارسات الغربية تجاه المنطقة العربية.كان العم أبو طارق، وأنا حزين جدا وأنا أكتب هذه القصة الرثائية عنه... يمثل تجربة حياة فريدة من نوعها، فشبابه الذي حافظ عليه وسط جزيرة من الغرق في العادات الغذائية غير الصحية كان ينبئ به مكتبه الفسيح والبسيط في آن، فهو من دون تكييف، أو مراوح، ولهذا كان يداوم صباحا ويغيب ظهرا ويمضي ساعات قليلة في العمل مساء، تتخللها صلواته...وكان لا يشرب الشاي أو القهوة، وكان يرحمه الله صديقا للماء والتمر، وللنوم المبكر، محبا للسفر هاويا لثقافات الشعوب حتى أنه كان يتقن العديد من اللغات، فإذا عدّدنا نحن محبوه الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والفارسية والهندية كان يضحك وهو ينبئنا بلغات أخرى يحب أن يتعلمها، مفسرا ذلك بأن الحصة في الدماغ والخاصة بالدماغ كبيرة لديه منذ السنوات الأولى التي قضاها في بريطانيا.وكان يقرأ على محبيه بيت الشعر: تعلم فليس المرء يولد عالما... وكل لسان في الحقيقة إنسان... وكان يدلل بذلك على أثر تعلم اللغة على الإنسان.
مترجم وسفير الملكعمل العم المرحوم أبو طارق بعد تخرجه بقليل سفيرا للمرحوم الملك سعود بن عبد العزيز في العاصمة الفرنسية باريس، وهناك أحب فتاة فرنسية أراد الزواج منها، فاستشار الملك الذي أبلغه أن القانون يحظر عليه أن يبقى سفيرا إن هو تزوج بأجنبية في تلك الفترة، فاختار طريق قلبه وتزوجها وأنجب منها ابنتين وابنه الأكبر طارق الذي انتقل إلى رحمة الله منذ سنوات قليلة.ولاحقا تزوج المرحوم من السيدة بدرية درويش ورزق منها بأبنائه الثلاثة زياد الطبيب الأخصائي، وعبد الرحمن خريج لندن ورئيس تحرير الصحيفة والذي يدير دار كويت تايمز لصحافة والطباعة، وصالح الذي مازال يكمل تعليمه العالي في لندن.كان يوسف العليان مع مجموعة قليلة من الأشخاص المؤسس لجمعية الصحافيين الكويتية. وقد تولى العليان رئاسة مجلس جمعية الصحافيين الكويتية خلال اربع دورات متتالية منذ عام 1978 وكان محل تقدير واحترام من كافة زملائه الصحافيين لما له من خبرة فى المجال الصحافي كما تقلد العليان عدة اوسمة من بعض روساء الدول.وبدأ العليان مشواره المهني في 24 سبتمبر 1961 بطبع اول عدد من جريدة كويت تايمز فكانت الجريدة الاولى في الخليج التي تصدر يوميا باللغة الانكليزية.ورأس العليان جريدة (الفجر الجديد) اليومية التى صدرت بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي وذلك في عامي 1991 و1992.كان دائما أول الحضور إلى الدوام في العمل وذلك منذ نحو نصف قرن وكان يصلي الظهر في مسجد الجريدة ثم يغادر للغداء وشرب الشاي الأخضر الساعة الثالثة، وبعد صلاة العصر كان يعود الى الجريدة ويبقى الى ان ينتهي العمل من دون وقت محدد الا اذا كانت هناك مناسبة معينة... فيذهب إليها ثم يعود إلى المنزل.ولم يكن معودا نفسه على القيلولة مع أنه كان يصحو فجرا ويعمل النهار متواصلا إلى فترة الغداء... وكان المرحوم يفخر لأن سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح أمد الله في عمره، وكان رئيسا لدائرة الإرشاد والأنباء (الإعلام) هو الذي منحه رخصة الصحيفة التي كانت الوحيدة اليومية في منطقة الخليج وسبقت بهذه الصفة صحيفة الرأي العام التي أصدرها المرحوم عبد العزيز المساعيد قبله بشهرين العام 1961.وأصدر العليان (كويت تايمز) في 24 سبتمبر 1961 وكان يطبعها في مطبعة المقهوي.ومما كان يرويه عن علاقته بالراحل الملك سعود بن عبد العزيز أنه أراد التعرف إلى بلد جده في نجد فسافر إلى المملكة من لندن وجلس بجواره شخص اسمه عبدالعزيز الشبيلي وتعرّف عليه وقال إنه يعرف أناسا من أقاربه ولما نزلا من الطائرة أخذه معه إلى الرياض ثم اصطحبه للأمير سلمان بن عبد العزيز وعرفه عليه كخريج من بريطانيا فاخذه الأمير سلمان إلى جدة حيث كان الملك يقضي الصيف وذهب الى جدة، فاستقبله الملك وكان ذلك سنة 1954 فصلى مع الملك ثم صار مترجما له فورا!.وكان المرحوم يذكر أنه بعد ذلك ذهب مع الملك سعود إلى مصر ثم للهند وعدة اماكن في العالم واستمر بعمله مدة أربع سنوات.
صامدقرر يوسف العليان خلال الغزو العراقي للبلاد العام 1990 – 1991 أن يصمد في البلاد ولا يغادرها وحافظ باستماتة على مطبعته سليمة وروى في إحدى المرات كيف أن ضابطا عراقيا أنزله من سيارته وضربه وصرخ به وردد كلاما بذيئا جدا كان يرويه المرحوم وهو يضحك وأرادوا اعتقاله لكن لم يكن له متسع في حافلة المعتقلين وكان ذلك من حسن حظه... فأفرجوا عنه!.وكانت للمرحوم آراء صريحة في أن الأميركيين هم من زرع أسامة بن لادن واستخدموه لفائدتهم ابان الحرب الجهادية الأفغانية ضد الوجود السوفياتي في أفغانستان ثم إنهم انقلبوا عليه بعد ذلك لينقلب عليهم هو بعد ذلك ولكن بعد أن استغلت الماكينة الإعلامية اليهودية ذلك للصق تهمة الإرهاب بالعرب.
أوسمةحاز المرحوم التكريم من بلده عبر جمعية الصحافيين التي منحته لقب رئيسها الفخري العام 2002 ومنحه رئيس الجمهورية الفرنسية في أكتوبر 2004 وسام الاستحقاق الوطني برتبة ضابط.كما منحه الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وسام (فرانس كودي ميراندا) من الدرجة الثالثة... ونال أوسمة أخرى من عدة حكومات في شرقي آسيا.
العمرو: رجل إعلامومهني محترف
عبّر مدير المكتب الإعلامي السعودي في البلاد سابقا محمد العمرو عن أسفه لوفاة الزميل يوسف العليان.وقال العمرو: اسأل الله العلي ان يتغمد أبا طارق بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.لقد كان المرحوم أخا كبيرا وصديقاً وفياً ومهنياً محترفاً ورجل اعلام مسؤولاً.له اسهاماته في تأييد العمل الصحافي الكويتي والخليجي ومثلما كان مؤسسا لجمعية الصحافيين ساهم وبفعالية في تأسيس اتحاد الصحافة الخليجية.ان الرعيل الأول من رجال الإعلام في مجتمعنا الخليجي ومن بينهم الاستاذ يوسف العليان تحملوا مشقة التأسيس التي ننعم بقطف ثمارها اليوم في إعلامنا الخليجي والعربي.
وزير الإعلام: أحد أبناء الكويت المخلصين
نعى وزير الإعلام الشيخ صباح الخالد الصباح الفقيد.وقال وزير الإعلام ان الكويت فقدت أحد أبنائها المخلصين الذين ساهموا في بناء الصحافة الكويتية وأحد مؤسسي جمعية الصحافيين الكويتية والرئيس الفخري لها.وقال الوزير ان الفقيد كان متفرداً في الابداع ورجلاً من رجالات الرعيل الأول الذين نهل من عطائهم أجيال وأجيال.وأوضح وزير الإعلام ان الراحل كان رائداً من رواد الصحافة والإعلام متعدد العطاء ومتنوع الاهتمامات.وقال وزير الإعلام: لقد أعطى الفقيد المرحوم العليان الصحافة الكويتية حتى آخر يوم في حياته كما قدم للصحافة الكويتة والعربية طيلة هذه السنوات خدمات جليلة تستحق التقدير والاحترام للتاريخ المهني المشرف الذي قام به في خدمة الكويت وقضاياها.رحمة الله للفقيد، ولاسرته احر العزاء وللاسرة الصحافية والإعلامية في الكويت والوطن العربي خالص العزاء.
جمعية الصحافيين تنعى الفقيد الراحل
تعرب جمعية الصحافيين الكويتية نيابة عن الأسرة الصحافية في الكويت عن حزنها البالغ لوفاة المغفور له بإذن الله يوسف صالح العليان احد مؤسسي الجمعية عام 1964 والذي تولى رئاسة مجلس الإدارة لسنوات عديدة ورئيسها الفخري ورئيس تحرير جريدة كويت تايمز «الانكليزية» التي صدر العدد الأول منها في العام 1961 ورئيس تحرير صحيفة الفجر الجديد التي صدرت بعد تحرير الكويت لمدة عامين.والفقيد الكبير حصل على شهادة بكالوريوس في علوم السياسة والاقتصاد من لندن عام 1955 وقدم للصحافة الكويتية طيلة هذه السنوات خدمات جليلة تستحق التقدير والاحترام للتاريخ المهني المشرف الذي قام به في خدمة الكويت وقضاياها وفي خدمة الصحافة الكويتية التي وصلت إلى اعلى المراتب والتطور بفضل اللبنات الأولى التي ساهم الفقيد في تأسيسها في الكويت منذ الاستقلال.لقد اعطى الفقيد المرحوم يوسف العليان للصحافة الكويتية حتى اخر يوم في حياته حيث كان متواجداً كعادته مساء يوم الثلاثاء بمقر الجمعية لحضور اللقاء المفتوح مع وزيرة التربية والتقى رحمه الله بالصحافيين وتبادل معهم الأحاديث والتقاط الصور وكأنه يشعر بأنها اللحظات الأخيرة له وهو ما يجعلنا نشعر بألم فقدانه وغيابه عن الساحة الصحافية التي ستشكل وفاته خسارة كبيرة لنا كصحافيين تعلمنا على يديه أصول المهنة وخدمة الوطن عن طريق العمل الصحافي الجاد الملتزم.رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون
الصقر: كان علماً من أعلام صحافتنا
أصدر النائب محمد الصقر البيان التالي نصه:بقلوب مكــــــلومة يعـــتصرها الألم فجـــــعنا صباح أمس بنبأ وفاة الزميل العزيز يوسف العليان.لقد عاصرت الفقيد لسنوات عدة وكان - رحمه الله - مثالاً للصحافي الملتزم يعرف جيداً ادواته ويقدر الحرية المسؤولة التي تحترم الآخر، وكان رحمة الله عليه علماً من أعلام الصحافة الكويتية وساهم منذ إنشاء جمعية الصحافيين في تأسيس المفاهيم الصحافية ما ادى إلى ان تبلغ الصحافة الكويتية ما بلغته محلياً واقليمياً ودولياً. لقد زاملت الفقيد في كثير من المواقع سواء في عضوية جمعية الصحافيين الكويتية او زميل حينما كان رئيساً لتحرير جريدة «كويت تايمز» ولمست منه صدق القول وقوة الارادة وصفاء النية ووضوح الموقف. رحم الله الفقيد وألهم ذويه الصبر والسلوان.
ناصر المحمد معزيا نجل الفقيد عبد الرحمن وبدا نايف الركيبي
يوسف العليان في صورة ارشيفية في مكتبه
العليان في شبابه
محمد العبدالله معزيا