سبحان مغيّر الأحوال، الواحد الأحد الصمد، يغير من حالٍ إلى حال في غمضة عين أو خلال عام إذا أراد. من يرى الحملة التي تشنها بعض القوى الاقتصادية ومن يسير في فلكهم من النواب والكتاب هذه الأيام لحشد الدعم من أجل أن تدفع الحكومة المال العام لتصحيح أوضاعهم المالية، يتعجب أين كانت هذه القوى الاقتصادية وهؤلاء النواب والكتاب وماذا كان موقفهم من قضية شراء مديونيات المواطنين؟ تبدلت الأدوار، أو بمعنى أكثر دقة، تبدلت المصالح، فقفز التاجر الفلاني من مقاعد مقصورة الحريصين على المال العام إلى مقاعد الدرجة الثالثة وبدأ في «الردح» من أجل أن تشتري الدولة ديونه، وانبرى النائب العلاني لإثارة الهلع والخوف على الوضع الاقتصادي للبلد الذي سوف يعلن إفلاسه غداً أو بعد غد إذا لم تبادر الحكومة إلى إقرار صندوق لشراء مديونيات التجار، واستل الكاتب الفلنتاني «سيفه الحبري» وسطر المطولات الحزينة عن أوضاع المتداولين في البورصة وعوائلهم ومستقبل أحفادهم الذي سوف يصبح أكثر سواداً من «أفعال البعض»!
وكأن القدر يلعب لعبته بشكل هزلي مخلوط بكم غير قليل من التراجيديا السوداء، بالأمس كانت اقتراحات النواب بإسقاط القروض وشراء مديونيات المواطنين «عبث» و«لعب» بالمال العام. وبالأمس كانت مظاهرات المواطنين المكتوين بنيران القروض الفاحشة وتقاعس البنك المركزي، مظاهرات لحفنة من المتلاعبين والعابثين والمقترضين من أجل السفر واللهو و«الفشخرة»! وبالأمس أيضاً، كانت الأصوات كلها التي تطالب الحكومة بالتدخل من أجل حماية الأمن الاجتماعي لهذا الوطن، والذي تهدده قضية المديونيات هذه، أصوات باطل ومزايدة وتشجيع على البطالة المقنعة! واليوم، عادت هذه الأصوات التي عارضت، آنذاك، لتطالب الحكومة أن تنظر بعين الرأفة والرحمة لمليونير هنا وملياردير هناك، وأن تدفع من مالي ومالك ومالنا جميعاً ما يقي هذا الملياردير عثرات الطريق ويفتح أمامه وأمام أبنائه أبواباً جديدة للإثراء على حساب المال العام! لذلك أصبح عدم تدخل الحكومة لتحمل خسائر هؤلاء التجار خطأ تتحمله الحكومة وستحاسب عليه، وعدم دفعها المال العام لحماية فلان الفلاني وغيره مدخلاً لانهيار الاقتصاد والمجتمع والبلد، وكأن المجتمع لا يوجد به إلا فلان وصحبه!
ما نراه اليوم أمام أعيننا، هو بالضبط تكرار بالمليمتر المربع للحملات الصحافية التي شنها المستفيدون من قضية المديونيات الصعبة بعد التحرير، حتى وصلوا إلى غايتهم واشترت الدولة ديونهم بمليارات الدنانير على حساب أموال الشعب! وقادة تلك الحملات الموجهة، آنذاك، هم ذاتهم قادتها اليوم مع التطعيم ببعض الناشئين الجدد ممن انضموا إلى فريق «الاستحواذ» الجديد! وإذا كنت أدعي استطاعتي قراءة «طالع الحكومة» والتنبؤ بقراراتها بناء على سوابقها في مثل هذه الحالات، فإن الحكومة سوف ترضخ صاغرة لإرهاب هذا الفريق، وتدفع المليار قبل المليون، و«المنة عليها» بعد! ولا عزاء للمواطن البسيط في ديرة «يشحذ» فيها التاجر قبل الفقير!
***
الأوامر الشفوية أصبحت لها قوة القرارات المكتوبة في منطقة الأحمدي التعليمية، لذلك حوّل عدد من مدرسي التربية الإسلامية إلى التحقيق لعدم اتباعهم الأمر الشفوي بتصحيح الامتحانات، مع أن المنطق يقول إن من يجب أن يحال إلى التحقيق هو من خالف الأسس السليمة في كيفية إصدار القرارات وتسلسلها! كلنا ثقة في قدرة الأستاذ الفاضل طلق الهيم، مدير المنطقة، على احتواء مثل هذا الموقف ومعالجته بالشكل الذي يضمن حقوق المنطقة ولا يحمل المعلمين أخطاء غيرهم، وأبو طلال قادر على ذلك.

سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com