هل سبق وأن تخيّلت أنه يمكن اقتراض مليون دينار في الكويت لمدة ليلة واحدة بفائدة تبلغ نحو 13.7 دينار، أو استدانة مليون دولار لمدة 3 أشهر بتكلفة تقارب 2250 دولاراً فقط؟تاريخياً، قد يكون تداول هذه الأسعار مجرد افتراضات مستبعدة، في اختبارات الضغط التي تجريها البنوك المحلية كل 6 أشهر، حتى وفقاً لأسوأ السيناريوهات التي تعدّها في هذا الخصوص، لكن في الفترة الأخيرة سجلت أسعار الفائدة على الدينار بسوق تعاملات ما بين البنوك «الإنتربنك» بالفعل أدنى مستوى منذ 2011، بعد أن وصلت أسعار أجل الليلة الواحدة، حسب منحنى الفائدة المتداولة بهذه السوق إلى 0.5 في المئة و0.75 في المئة، لأجل أسبوع، وواحد في المئة لـ3 أشهر.لكن المفارقة الأكثر إثارة أن أسعار الفائدة على ودائع «الإنتربنك» بالدولار، وصلت خلال الفترة الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً، قريبة جداً من الفائدة الصفرية، إذ سجلت لأجل ليلة واحدة 10 نقاط، و90 نقطة فقط لأجل الأشهر الثلاثة، ما يجعل السؤال مشروعاً حول أسباب فقد «الإنتربنك» لوهجه؟ مصرفياً، يرجع السبب الرئيس في تراجع أسعار الفائدة المتداولة في «الإنتربنك» لمستويات غير مسبوقة إلى تزايد فوائض الأموال لدى جميع البنوك، والتي بلغت معدلات تجعل البنوك المحلية ليست في حاجة إلى التعرض لتعاملات هذه السوق إلا في أضيق الحدود اقتراضاً أو إيداعاً.

فوائض السيولةوفي هذا الخصوص، تقول مصادر مصرفية مسؤولة إن فوائض السيولة الموجودة في البنوك بدأت تحاصر سوق «الإنتربنك»، وتُفقده انتعاشه الذي عادة ما يزداد خلال الأزمات.وتوضح أن تداعيات «كورونا» رفعت من معدلات التباطؤ الاقتصادي المحلي كما العالمي، وجعلت الحاجة المصرفية إلى الأموال متدنية، مدفوعة بطبقات فوائض الأموال المكوّنة لديها أصلاً من زيادة معروضها، سواءً من الدينار أو الدولار، مقابل تراجع الطلب عليها.وتضيف أن سوق «الإنتربنك» خلت في بعض جلساتها خلال الفترة الماضية من أي تعاملات نهائياً، فيما تقتصر تعاملاته في الغالب على عملية أو اثنتين، بسبب فوائض سيولة المصارف المحلية التي باتت تحاصر هذه السوق وتضعف الشهية نحوها.

تعزيز الحالةوبالطبع، دفع منحنى الأسعار المتدنية لفوائد ودائع «الإنتربنك» إلى السؤال عن الأسباب الرئيسية التي قادت لهذه الحالة؟ من حيث المبدأ، تشير المصادر إلى أن هناك أسباباً عدة وراء ذلك، لعل أبرزها 3، وهي كالتالي:* أولاً: التباطؤ الاقتصادي المسجّل بدفع من تداعيات «كورونا»، والذي أدى إلى زيادة فوائض السيولة لدى المصارف، وقلّل الطلب عليها، وباعتبار أنه لا يمكن أن تسير السياسات المصرفية عكس الأزمة، استمر تراجع الطلب على هذه السوق، مع بقاء فوائض الأموال تميّز المشهد المصرفي. ومع بقاء حالة ركود الأسواق على حالها، ستظل مستويات أسعار الفائدة متدنية، خصوصاً في الأشهر القليلة المقبلة، لا سيما مع استمرار التوقعات حول طول فترة ركود بيئة الأعمال المحلية، وضعف الإنفاق في الأشهر المقبلة، وفي ظل ذلك سيستمر كل بنك في مراجعة حجم السيولة النقدية المتوافرة لديه، وهي غالباً في ازدياد، وبناءً عليه من المرجح أن تستمر تعاملات هذه السوق محددة بأسعار متدنية حتى نهاية هذا العام.* ثانياً: الوفرة المحقّقة بالمعروض من ودائع المؤسسات الحكومية سواءً بالدينار أو بالدولار، والذي عزّز من قوة هيكل الفوائض المصرفية، مقابل قلة الطلب على معروض سوق «الإنتربنك» في الفترة الأخيرة، وهذا يرجع إلى حالة الركود التي أصابت أسواق المنطقة والعالم، ومن ثم ضعف الفرص المشجّعة المعروضة لامتصاص أموال هذه المؤسسات، ما جعلها تسعى إلى إعادة إيداعها حتى إشعار آخر.ومن الناحية المالية، أسهم معروض الأموال الحكومية في رفع كفاءة الودائع لدى البنوك، وتقليل حاجتها، وهذا لا يعني أن أسعار ودائع الحكومة رخيصة وبالمعدلات نفسها المتداولة في «الإنتربنك»، حيث تحصل المؤسسات الحكومية على معدلات مرتفعة قياساً بأسعار هذه السوق، مدعومة بأهمية أموالها بالنسبة للمصارف على أكثر من صعيد. وتوضح المصادر أن ودائع المؤسسات الحكومية مستقرة وتستخدم عادة في استيفاء متطلبات معايير السيولة المطلوبة من بنك الكويت المركزي، أما ودائع «الإنتربنك» فيمكن تصنيفها على أنها أموال ساخنة، لا يمكن إدراجها ضمن معايير السيولة، لا سيما في ما يتعلق بنسب القروض إلى الودائع، ولعل هذا هو السبب الرئيس وراء تراجع فائدتها بمعدلات أعلى من ودائع الأفراد.* ثالثاً: قاد توجه بنك الاحتياطي الفيديرالي (المركزي الأميركي)، في الفترة الأخيرة إلى ضخ مستويات عالية من الدولارات في الأسواق، ومنها 1.5 تريليون أعلن عنها في مارس الماضي، ما أدى إلى تعزيز نسب السيولة الدولارية في سوق المال، وسط الذعر الذي أصاب المستثمرين بسبب وباء «كورونا».وأوضح البنك وقتها أنه سيقوم بشراء سندات الخزانة والأوراق المالية الأخرى من البنوك والمستثمرين، وإعادة بيع هذه الأوراق مرة أخرى بفائدة أقل، في اليوم التالي أو خلال أيام، مشيراً إلى أن قراره بضخ السيولة جاء بهدف معالجة الاختلالات غير العادية التي حدثت في أسواق المال بسبب فيروس كورونا.

استمرار السباقوفي ضوء حالة الركود التي بدأت مع أزمة فيروس كورونا، تزداد التوقعات حول إمكانية استمرار سباق خفض أسعار الفائدة في «الإنتربنك»، وهو ما يبرز معه السؤال حول الرابحين والخاسرين من هذه الأسعار؟من حيث المبدأ، يأتي المدّخرون على رأس المتضررين من هذه السياسة، خاصة أصحاب المدّخرات الصغيرة، حيث تفقد البنوك بحكم ما لديها من فوائض الشهية إلى التنافس على أموال العملاء، مع الأخذ في الاعتبار أنه يجري توظيف ودائع الأفراد في تنظيم مستويات السيولة المصرفية بشكل أوسع.أما المستفيدون من رخص أسعار الفائدة عموماً، فهم المستثمرون والذين سيستفيدون من الأموال الرخيصة في إعادة جدولة قروضهم.

ما هو «الإنتربنك»؟

«الإنتربنك» نظام نقدي تلتزم البنوك الموجودة في الدول المُطبقة له بتحديد حجم السيولة الدولارية المتوافرة لديها، وذلك من خلال التواصل اليومي بين البنوك، بحيث يعرض كل بنك أسعار بيع وشراء العملات الأجنبية والعربية لديه، ثم يتم حساب متوسط بين أعلى سعر وأقل سعر تم عرضه، ليمثل سعر صرف هذه العملات بالبنوك في ذلك اليوم.