ليس بسيطاً التغيير الأخير الذي حصل في سلطنة عُمان، وهو تغيير شمل بين ما شمله، تولي بدر البوسعيدي وزارة الخارجية مكان يوسف بن علوي، في ظلّ إعادة تشكيل مجلس الوزراء وتعيين وزير جديد للمال هو سلطان الحبسي، وحاكم جديد للمصرف المركزي أيضاً، هو تيمور بن اسعد البوسعيدي. لكنّه تغيير في العمق، نظراً الى انّه يتناول الرمز المعبّر للسياسة الخارجية لسلطنة عُمان، خصوصاً في السنوات العشرين الأخيرة.يمكن الحديث عن تغيير في العمق في ضوء ارتباط السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة بيوسف بن علوي الذي حظي بثقة السلطان قابوس، مؤسس الدولة الحديثة بعد توليه السلطة في العام 1970... ونقل السلطنة الى مكان آخر. بنى السلطان قابوس عملياً دولة حديثة بعد نجاحه في اجراء مصالحة وطنية مستعيناً بمتمردين عليه في إقليم ظفار، خصوصا بعد خلافته لوالده السلطان سعيد بن تيمور الذي لم تكن له علاقة بالتغييرات التي يشهدها العصر، فضلاً عن غياب الدراك للأهمية الاستراتيجية لسلطنة عُمان.استطاع بن علوي بعد توليه موقع الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، باعتبار ان السلطان قابوس نفسه كان وزير الخارجية كما كان وزير الدفاع، ان يصبح ما يمكن تسميته بـ«سوبر وزير»، ورسم خطّا خاصا بعُمان في مجال السياسة الخارجية. لعب كلّ الأوراق التي يمكن لعبها من اجل تأكيد ان سلطنة عُمان حالة مختلفة في منطقة الخليج. اعتمد على ثوابت كانت لدى السلطان، من بينها العلاقة المتميّزة مع الجار الايراني، وذلك بغض النظر عن النظام في طهران. في ايّام الشاه، لعبت ايران دوراً عسكرياً في مجال المساعدة في انهاء التمرّد في ظفار. كان هناك خبراء عسكريون بريطانيون دعموا القوّات العُمانية، لكن الإيرانيين تدخلوا مباشرة على الأرض...استمرت العلاقة التي كانت قائمة بين قابوس وايران في عهد «الجمهورية الإسلامية». ولم تجد إدارة باراك اوباما مكاناً تجري فيه مفاوضات سرّية مع ايران في شأن ملفّها النووي غير سلطنة عُمان. واسفرت تلك المفاوضات السرّية عن الاتفاق الذي تمّ التوصّل اليه صيف العام 2015 والذي وقعته ايران مع مجموعة الخمسة زائداً واحداً (البلدان الخمسة ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن والمانيا). ما لبث الرئيس دونالد ترامب، الذي يعرف رجال ادارته ما هي ايران جيّداً، ان مزّق هذا الاتفاق الذي عاد بكلّ الفوائد على ايران ومشروعها التوسّعي في المنطقة.بدا واضحاً في السنوات الأخيرة ان نفوذ بن علوي، في مجال رسم السياسة الخارجية زاد، خصوصا بعد مرض قابوس ونقله الى المانيا في العام 2014 ليعالج من سرطان البنكرياس. امضى السلطان ثمانية اشهر في المانيا وعاد منها الى عُمان في مارس 2015.من اجل المحافظة على العلاقة الجيّدة مع واشنطن في عهد ترامب، تقرّبت عُمان من إسرائيل. لعب بن علوي دورا في اتباع هذا التوجه الذي ليس غريباً عن الخطوط العريضة لتفكير السلطان قابوس الذي استقبل بنيامين نتنياهو في مسقط في أكتوبر 2018. كانت تلك المرّة الأولى التي يزور فيها رئيس للوزراء في إسرائيل احدى دول الخليج العربي. لم تنبس ايران ببنت شفة، علما ان المسؤولين فيها لا يدعون أسبوعا يمرّ من دون التذكير بضرورة تحرير فلسطين. كان لافتاً الاتصال الذي اجراه بن علوي عشية خسارته موقعه الوزاري بوزير الخارجية الإسرائيلي غابي اشكينازي!ذهب بن علوي بعيداً في الكلام عن إسرائيل. ففي «المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط وشمال افريقيا»، الذي استضافته منطقة البحر الميّت في الأردن، صدر عن الوزير العماني في السادس من ابريل 2019 كلام لم يقله يوماً أي مسؤول عربي. قال بالحرف الواحد أنّه «يجب على الدول العربية العمل على تبديد مخاوف إسرائيل في شأن وجودها»، مضيفاً إن «الغرب قدم لإسرائيل الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري وأصبحت بيدها كل وسائل القوة (...) ان إسرائيل ورغم ما قلناه عن قوة تمتلكها، ليست مطمئنة إلى مستقبلها كدولة غير عربية في محيط عربي من 400 مليون إنسان. إنّها غير مطمئنة إلى استمرار وجودها في هذه المنطقة. أعتقد أن علينا نحن كعرب أن نكون قادرين على البحث في هذه المسألة، وأن نسعى إلى تبديد هذه المخاوف لدى إسرائيل بإجراءات واتفاقات حقيقية بيننا نحن الأمة العربية وبين إسرائيل وبين من يدعمون إسرائيل».حيثما استطاعت، ميّزت سلطنة عُمان نفسها، خصوصا في اليمن حيث اقامت علاقة خاصة بالحوثيين (انصار الله). كان لديها نفوذ كبير لديهم. كانت بوابتهم الى العالم. في مقابل انفتاحها على الحوثيين، الذي ليسوا في نهاية المطاف سوى أداة إيرانية، كانت عُمان تستطيع ان تطلب منهم ما لا يستطيع ان يطلبه غيرها. الدليل انّها نجحت في جعلهم يفرجون عن اثنين من أبناء الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، هما مدين وصلاح، كانا محتجزين لديهم منذ اغتيال والدهما في العام 2017.الى أي حد ستكون هناك سياسة خارجية عُمانية مختلفة؟ الجواب بكلّ بساطة أنّ هناك تموضعاً جديداً للسلطنة في المنطقة. لا يعني هذا التموضع ابتعاداً كبيراً عن ايران التي تبقى جارا لا مفرّ من التعامل معه. لكنّ الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها عُمان في عهد هيثم بن طارق تفرض مزيداً من الواقعية.