يبدو ان تداعيات الأزمة المالية الراهنة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية العالمية لم تجعل شركات صناعة السيارات في العالم في مجدها، بل عانت معظم شركات صناعة السيارات الاميركية والاوروبية والآسيوية من تراجع ملحوظ في المبيعات، وخسائر نقدية متوالية جعلتها على حافة الإفلاس، الامر الذي جعل معظم هذه الشركات تستغيث مرات عدة إلى حكوماتها لإنقاذها من ورطة الافلاس والإغلاق، وقد لاحظنا من خلال هذه الازمة تدهور حال شركة «جنرال موتورز» الاميركية التي تعتبر اكبر الشركات واكثرها انتاجا للسيارات فهي لا تملك المال الكافي لسداد فواتيرها خلال اول ديسمبر الماضي، وافادت على انها ستشهر افلاسها اذا لم تحصل على الدعم الكافي من الحكومة الاميركية وتبعتها ايضا شركة «كرايسلر» الاميركية التي اصبحت تعاني من الحالة المالية نفسها رغم تاريخها الصناعي، لذا ابدت الحكومة الاميركية تفهما للأوضاع الاقتصادية التعيسة واتجهت إلى إقراض شركة «جنرال موتورز» مبلغا وقيمته 13.4 مليار دولار الشهر الماضي كأول خطوة انقاذية لتوفير السيولة النقدية اللازمة، في ظل السيناريوات التفصيلية للخطة التي عرضها اكثر الشركات المصنعة إلى الكونغرس في ديسمبر الماضي، ومنحت الادارة الاميركية شركة «جنرال موتورز» الشهر الماضي قرضا بواقع 9.4 مليارات دولار مع امكانية حصولها على قرض آخر قدره 4 مليار دولار في فبراير المقبل، إلا ان الشركة ذاتها قد لا تحتاج إلى المزيد من القروض الحكومية اذا لم تتدهور الاوضاع الاقتصادية بصورة اشد مما تراه. كما تعهدت وزارة الخزانة الاميركية ايضا بتقديم 6 مليارات دولار إلى شركة «جي. ام. ايه. سي» للخدمات المالية، وهي شركة تابعة لمجموعة «جنرال موتورز» التي تشرف عليها، هذا وقد تعهدت وزارة الخزانة ان تشتري اسهم شركة «جي ام ايه سي» بقيمة 5 مليارات دولار، إلى جانب اقراضها مبلغ مليار دولار لتتمكن تجاوز خسائرها، وكان مجلس الاحتياط الفيديرالي «البنك المركزي» الاميركي قد وافق على تحويل هذه الشركة الممولة إلى شركة مصرفية قابضة ما يتيح لها ان تتصرف بحرية ومرونة اكثر في الحصول على مساعدات اتحادية، وتكون اكثر قدرة على استئناف عمليات تمويل السيارات... كما ان شركة «كرايسلر» للسيارات قد حصلت على قرض حكومي تنافسي بقيمة 4 مليارات دولار وذلك لتوفير السيولة النقدية لديها والعمل على اعادة هيكلتها من جديد بعدما طلبت من الحكومة مبلغ 7 مليارات دولار، فهي المرة الثانية التي تتدخل فيها الحكومة الاميركية لانتشالها من الافلاس المحتمل، هذا ومن المحتمل ان تحتاج منافستهما شركة «فورد موتورز» إلى قروض حكومية اخرى في حال تدهور الاسواق المالية العالمية بشكل اكبر واستمرار تراجع مبيعات السيارات الاميركية، وقد تفاجأت شركة «فورد» لصناعة السيارات من انسحاب المياردير الاميركي، كيرك كيركوريان من الشركة ذاتها بعد ان صفى نصيبه من الأسهم التي كان يمتلكها بنسبة 6 في المئة من اسهم الشركة، اذ ان انسحابه يمثل ضربة شديدة لسمعة وكيان الشركة، لذا طلبت «فورد» بأن يكون القرض الممنوح لها على شكل خط ائتمان بـ 9 مليارات دولار احتياطي ليكون جاهزا للسحب عند الحاجة، لقد تدخلت وزارة الخزانة الاميركية في ديسمبر الماضي على انقاذ شركتي صناعة السيارات «جنرال موتورز» و«كرايسلر» بخطة انقاذ قيمتها 17.4 مليار دولار لتتمكن من مزاولة صناعتها، وزيادة نسبة مبيعاتها والحفاظ على مكانة الآلاف من موظفيها، بعد ان اخفق الكونغرس في تمرير خطة انقاذ لصناعة السيارات الأميركية في وقت سابق للابتعاد عن شبح الافلاس تزامنا مع حالة انهيار الاسواق المالمية العالمية... ان انخفاض مبيعات السيارات الاميركية كان متوقعا كما توقعه الخبراء الماليون، والاقتصاديون وخبراء الصناعة ايضا تحت ظل المخاوف بشأن الكساد المالي من العام الحالي، فانخفضت المبيعات بنسبة 36 في المئة في ديسمبر الماضي، بحيث لاحظنا تراجع نسبيا في مبيعات «جنرال موتورز» و«كرايسلر» و«فورد موتورز» الاميركية، وايضا في مبيعات السيارات الكورية واليابانية كـ «الهيونداي موتور» و«تويوتا موتور» و«نيسان» و«هوندا» وكذلك شركة «فولكس فاغن» و«مرسيدس بنز» و«بي ام دبليو» الالمانية الصنع، لتنهي الصناعة العام 2008 مسجلة اسوأ اداء في اكبر اسواقها منذ العام 1992 حسب ما توقعه المراقبون فلم يشهد سوق مبيعات السيارات في العالم اي زيادة على الاطلاق خصوصا في الاشهر الاولى من العام الحالي، وتقديم وزارة الخزانة الاميركية قروضا مبدئية لشركتي جنرال موتورز وكرايسلر لتفادي ازمة السيولة لم تشفع لباقي الشركات المصنعة للسيارات في العالم، غير ان التباطؤ في عملية انعاش الاسواق الاميركية قد سببت مشاكل صناعية اخرى، ولحقه تراجع آخر في اسواق آسيا واوروبا بشكل اعمق من العام 2008، هذا وقد شهدت المبيعات في فرنسا تراجعا بنسبة 18 في المئة، وفي اليابان بنسبة 25 في المئة، وفي اسبانيا تراجعا بنسبة 50 في المئة وهي الاكثر ارتفاعا عن غيرها! وفي هذا السياق نستطيع القول على ان الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما الذي يعتبر اكثر تعاطفا مع قضية الاقتصاد سوف يواجه تركة اقتصادية ثقيلة لدى تسلمه مفاتيح البيت الابيض في 20 يناير الجاري من بينها: انقاذ انهيار الاقتصاد الاميركي في الاسواق العالمية، والاستعداد الكامل لتقديم مساعدات مالية حكومية عاجلة لصناعة السيارات، مع الالتزام الكامل لهذه التعهدات تزامنا مع الاجندة المالية، والصناعية التي اتفق عليها الطرفان حتى يتم انتشال هذه الشركات المصنعة من حافة الافلاس المرتقب، وتجنب خسارة فرص العمل لدى الاميركيين الذين اصبح يهددهم شبح البطالة.
والسؤال هنا، هل يستطيع الرئيس اوباما التأثير على الكونغرس الاميركي بموافقته على الدفعة النهائية من مبلغ المساعدة المخصص لـ «جنرال موتورز» والبالغ قدره اربعة مليارات دولار كقروض حكومية اضافية؟
وهل تنجح شركتي «جنرال موتورز» و«كرايسلر» للسيارات في تقديم خطتهما لإعادة الهيكلة والرسملة بحلول منتصف فبراير المقبل إلى الحكومة؟ ولكل حادث حديث.

علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
alfairouz61_alrai@yahoo.com