غيّب الموت أمس وزير التجارة والصناعة الأسبق أحمد راشد الهارون، عن عمر يناهز 76 عاماً، تاركاً خلفه تاريخاً طويلاً، مليئاً بالمواقف الثابتة، ومحطات العطاء للوطن وللقطاع الخاص الذي أحبه وأخلص إليه، للدرجة التي يحلو للبعض تسميته بالرجل الذي احترم نفسه فاحترمه الناس. درس الراحل أحمد الهارون في مدارس عدة، بداية من مدرسة الروضة وانتهاءً بثانوية الشويخ، وسافر إلى بيروت ودخل كلية الآداب وتخصّص في الجغرافيا في جامعة بيروت العربية، لكنه لم يعمل في تخصصه، وعرف عن هذا الرجل بأنه مثابر عصامي متواضع ذو أخلاق رفيعة ومناقب عالية، وفي جميع محطات عمله لم يتخلَّ عن أحد، ومن أبرز صفاته القيادية، «الحبيب مهاب الجانب».يعدّ الهارون واحداً من أكثر أقطاب الأعمال في الكويت خدمة للقطاع الخاص، وهذا يبدو واضحاً من مشواره الذي بدأه بالعمل سكرتيراً للجنة المالية في مجلس الأمة عام 1968، ليتوظف بعدها في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وكان ضمن فريق تأسيسها إلى أن أصبح نائب المدير العام، ثم استقال من منصبه بسبب موقف.انتقل الفقيد للعمل في القطاع الخاص فأصبح تاجراً في مجال المقاولات الإنشائية، وترأس جمعية ضاحية عبدالله السالم التعاونية ليتركها بعد سنتين من ترؤسه لها، وعمل عضواً في الهيئة العامة لتسوية المعاملات التي تمت بالأجل الناتجة عن أزمة المناخ، وعضو مجلس إدارة في شركة الساحل للاستثمار.وفي العام 1994، شغل الهارون منصب المدير العام لغرفة التجارة والصناعة، ليخرج منها في العام 2010، وزيراً للتجارة والصناعة، وليعود مجدداً بعد أن ترك الوزارة إلى القطاع الخاص، الذي أخلص له طوال حياته، ليُعيّن رئيساً لمجلس إدارة الشركة الكويتية للمقاصة.وعندما انتقل بوحمد إلى الحكومة لم يكن الرجل في حاجة إلى التذكير بأن الكويت سوق مرموق، ولديه قطاع خاص عابر للأسواق، واقتصاده المحلي يمتلك القدرة على جذب الاستثمارات الخارجية، وبدافع من هذه القناعة سعى دائماً إلى تثبيت هذه المكانة بالكثير من القرارات والإجراءات الملحة التي اتخذها خلال عمله كوزير. فأهل الأعمال يتذكرون جيداً أن قبل الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت الأسواق، ومنها الكويت، في 2008 وبعدها، كانت الشركات الورقية أحد المظاهر الدارجة في سوق الكويت للأوراق المالية، مستغلة الرغبة في الربح السريع، وحملة أسهم يأملون الحصول على أرباح دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء نفض الحقائق جيداً وقراءة بيانات الشركات التي يمكن أن يساهموا فيها. واستمر الوضع في تفريخ الشركات الورقية التي تحوّلت لاحقاً إلى شرباكة استثمارية التهمت أموال مساهميها، خصوصاً الصغار، إلى أن جاء الهارون وزيراً للتجارة والصناعة، ليكون أول من يبدأ في نفض السوق من أحد عيوبه الدارجة، بحملة تنظيف واسعة ضد ما أسماه وقتها بشركات «العفن»، وقصد بها الشركات الورقية التي لا تتمتع بأصول وملاءة مالية جيدة، وحققت خسائر تزيد على 75 في المئة من رأسمالها، سواءً المدرج منها في سوق الكويت للأوراق المالية أو غير المدرج.ربما لم يدرك الهارون وقتها أن حديثه المباشر عما أسماه بعيوب السوق المحلي سيضع شركات الاستثمار الورقية ومن خلفها حملة الأسهم أمام لحظة الحقيقة، خصوصاً بعد أن باشرت الوزارة اتخاذ الخطوات العملية تجاه الشركات المخالفة لقانوني الشركات وهيئة أسواق المال، فمنذ ذلك الوقت بدأ المستثمرون بمختلف فئاتهم فرز المكونات الاقتصادية للسوق حسب الجودة، وليس وفقاً للوعود التي لا ترتكن إلى حقائق ملموسة.رحل الهارون، لكنه وعلى ما يبدو قرر قبل رحيله أن يترك من عرفه مشغولاً في تذكّره بمواقفه العديدة.
جمال الدين أجمل صفات... صديقه
أجمل مستشار غرفة تجارة وصناعة الكويت السابق ماجد جمال الدين صفات صديقه الراحل أحمد الهارون في الآتي:من نعم الحياة ومباهجها أن يحظى المرء بصديق مثل أحمد الهارون رحمه الله وأكرم مثواه، كان طيباً وصاحب طيبة فطرية إذا حضر، ودرعك الذي يرد عنك كل السهام إذا غبت.كان مترفعاً بلا استعلاء، ديبلوماسياً متى اقتضت الحال، حازماً وحاسماً متى الحال مال.نظيف اليد، طاهر الثوب، عفيف اللسان لا يفوته واجب، ولا يتأخر في استجابة، مسكون بحب الكويت، منذور لخدمة الناس.رحمه الله وأحسن مثواه كما أحسن إلى عباده، وعوّض عنه الكويت بأمثاله، وألهم أسرته وعائلته وأصدقاءه صبر المؤمنين.