شهدت الكويت منذ نشأتها تعايشاً فريداً من نوعه بين مختلف الأطياف الاجتماعية، على اختلاف التوجهات والأديان، فكانت البلاد ومازالت أرض السلام التي ضمت جميع الأديان والاكتمال لصورة هذا التعايش. وليس أدل على ذلك من شاهد تاريخي، يمكن من خلاله تقليب صفحات كويت الماضي، والبحث عما تحتويه من قصص وأخبار التسامح والمحبة، يتمثل في المقابر التي ظلت دليلاً على من عاشوا فيها، وضمهم ثراها من مختلف الأعراق والأديان والجنسيات.شهدت الكويت منذ نشأتها تعايشاً فريداً من نوعه بين مختلف الأطياف الاجتماعية، على اختلاف التوجهات والأديان، فكانت البلاد ومازالت أرض السلام التي ضمت جميع الأديان والاكتمال لصورة هذا التعايش. وليس أدل على ذلك من شاهد تاريخي، يمكن من خلاله تقليب صفحات كويت الماضي، والبحث عما تحتويه من قصص وأخبار التسامح والمحبة، يتمثل في المقابر التي ظلت دليلاً على من عاشوا فيها، وضمهم ثراها من مختلف الأعراق والأديان والجنسيات.«الراي» فتحت صفحة المقابر، وقامت بجولة عليها، بمختلف فئاتها، لاسيما القديمة منها اليهودية والمسيحية والبوذية، بالإضافة الى مقابر المسلمين، السنية منها والجعفرية، ليتضح أن في الكويت 61 مقبرة، 50 منها موثقة ومعلومة المساحة والمكان، و11 معلومة المكان ولكنها غير مسورة، وكان نصيب مدينة الكويت منها 23 مقبرة، وهو عدد كبير إذا ما قورن بمساحة البلاد التي تبلغ 17.8 ألف كليو متر مربع، وعدد سكان لم يتجاوز 600 ألف نسمة، حتى العام 1990.الوجهة الأولى كانت زيارة لأقدم مقبرة موثقة في أرشيف بلدية الكويت، وهي مقبرة المرحوم هلال فجحان المطيري، الذي تبرع بقطعة أرض لتكون وقفاً كمقبرة يدفن فيها أموات المسلمين، وسميت باسمه «مقبرة هلال» وهو من تجار الكويت ويعتبر أكبر ثري عرفته الكويت في عصره والذي توفي عام 1957 ودفن في مقبرته التي أنشأها اواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ولكنها أغلقت في يونيو 1960 وما زال شاهد قبره رحمه الله موجوداً حتى الآن، ويجاوره قبران آخران غير معروفين، وثالث من أبناء العسعوسي، وهم الأربعة التي بقيت شواهد قبورهم صامدة حتى الآن بعد اندثار بقية القبور في المقبرة التي تقع مقابل سوق شرق وبجانب المتحف العلمي.من مقبرة هلال، إلى المقبرة اليهودية (ويقال عنها المقبرة المسيحية) والتي تأسست في 1910، واغلقت في 1956. وهي المقبرة التي تقع بجوار مجمع الخليجية في منطقة شرق، وخلف فندق الراية وهذه المقبرة وجد فيها قبر ثاني معتمد بريطاني عمل في الكويت، هو الكولونيل شكسبير الذي توفي عام 1915، إضافة الى قبر الطبيب البريطاني المشهور المشرف على مشفى الارسالية الأميركية في الكويت، تشارلز ستانلي ماليري.بعدها توجهنا الى مقبرة المسيحيين على الدائري الرابع، والتي تم افتتاحها في 1956 واغلقت في عام 1974، بعد انشاء مقبرة الصليبخات لغير المسلمين، حيث دفن بها الكثير من ابناء الجالية المسيحية في الكويت، ووفق طقوسهم المعروفة واهمها هو دفن الميت بالتابوت. كما ان هناك مقبرة للمسيحيين في مدينة الأحمدي أنشئت 1950، بعد تزايد أعداد العاملين المسيحيين في شركة نفط الكويت، وأغلقت 1960. ويذكر أن جثمان الوكيل السياسي البريطاني في الكويت الكولونيل هارولد ديكسون دفن فيها في يونيو 1959، بالإضافة الى مقبرة ثانية صغيرة وقديمة للمسيحيين تقع في منطقة الصليبخات على الدائري الرابع وأغلقت عام 1975، بعد انشاء مقبرة خاصة لغير المسلمين بجوار المقبرة الجعفرية، حيث يتم الآن دفن جميع الوفيات من غير المسلمين بها. وقد شوهد بها الكثير من القبور وما بني عليها ووضع على بعضها «الصليب» بالإضافة الى ان أسماء بعضها معلوم وواضح وأحد القبور مكتوب عليه أبيات من الشعر. بعدها قمنا بزيارة المكان الذي كانت تستغله الطائفة البوذية لحرق جثث موتاهم، ويقع بجوار المقبرة المسيحية القديمة وعلى الدائري الرابع مقابل منطقة النهضة، والتي اغلقت منذ عام 1982 بأمر من الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد طيب الله ثراه، والذي أمر بإغلاقها، وأن من يرغب منهم بحرق رفاته يطلب منهم تسفيرها الى بلده وهناك يكملون طقوسهم، حسب ما يرونه ومن يرغب ان يدفنها في الكويت يكون ذلك في مقبرة غير المسلمين وما زال المكان مسوراً ومقفلاً.واستكملنا جولتنا، وصولاً إلى مقبرة غير المسلمين والتي افتتحت عام 1976 وخصصت لدفن رفاة الموتى غير المسلمين بمختلف دياناتهم أو طوائفهم، واغلاق أي مقبرة لهم في البلاد وتقع خلف المقبرة الجعفرية في الصليبخات، وتكفي لمئة عام وفق معدلات الوفيات الحالية، وفيها جميع الخدمات وباشراف إدارة شؤون الجنائز في بلدية الكويت. بعدها قمنا بزيارة المقبرة الجعفرية في الصليبخات، وهي أكبر مقبرة في الكويت والتي افتتحت في عام 1973 وتكفي من 50 الى 70 عاماً، وتضم رفات الكثير من شهداء الكويت وأسراها من الغزو والتحرير وشهداء مسجد الصادق، وفيها جزء للأطفال من عمر سنة وحتى ست سنوات، كما دفن بها العديد من رجال الفن والأدب والسياسة.ومقابلها مقبرة السنّة التي انشئت في 1976 وتتسع لفترة زمنية من 50 الى 75 سنة، ويضم جزء منها قبور شيوخ الكويت، ودفن فيها العديد من الشهداء والشخصيات المعروفة، ومنهم امراء الكويت السابقون الشيخ عبدالله السالم والشيخ صباح السالم والشيخ جابر الأحمد والشيخ سعد العبدالله رحمهم الله، وبها رفات بعض الشهداء والأسرى، بالإضافة الى جزء خاص لمجهولي الهوية، وهم الذين لم يتعرف عليهم أحد، فيتم دفنهم إكراماً لهم حتى يظهر من يسأل عنهم، واذا كان غير كويتي يستطيع نقل رفاة الميت للدفن في بلده او ابقائها في الكويت، والكثير منهم لا يرغب بنقلها خاصة بعد مرور وقت طويل على دفنها ويقارب عددهم 100 قبر.وبعد انتهاء جولتنا على المقابر، كشف مدير إدارة الجنائز في بلدية الكويت الدكتور فيصل العوضي أن المقابر مواقع خصصتها الدولة لدفن موتى المسلمين وغير المسلمين، وفق لأحكام شرائعهم السماوية، وتتولى إدارتها والإشراف عليها ومراقبتها إدارة شؤون الجنائز في البلدية، وهناك لائحة معتمدة لتنظيم إجراءات الجنائز ذكرت في المادة الثانية، منها أنه لا يجوز دفن الموتى في غير المقابر المخصصة من قبل البلدية ولا يجوز دفن الموتى غير المسلمين في مقابر المسلمين، مع مراعاة الالتزام بالتسلسل الرقمي والزمني في تواريخ الدفن في تخصيص أماكن القبور.وأضاف العوضي أن المادة الثالثة من اللائحة تنص على أنه لا يجوز استغلال المقابر في غير الغرض المخصصة له، على أن البلدية تتولى دون غيرها نقل وتجهيزهم وغسلهم وتكفينهم ودفنهم في المقابر وفقاً لشرائعهم السماوية، ولا يجوز زيارة المقابر لغير المواعيد التي تحددها البلدية، بالإضافة الى المحافظة على حرمة المقابر والتزام البلدية بصيانة القبور المتضررة من عوامل الطقس واعادة ترميمها على نفقتها.وأوضحت المادة السابعة من اللائحة أنه لا يجوز إجراء أي إضافات على القبور بشكل لا يتفق بأحكام الشرائع السماوية و ان حرمة الميت مصونة أثناء نقله وغسله وتكفينه ودفنه وأوضحت المادة التاسعة أنه لا يجوز فتح القبر لاعادة فحص جثة الميت او نقل رفاته الى مقبرة أخرى او خارج البلاد الا بعد الحصول على تصريح بذلك من النيابة العامة او بموجب حكم قضائي ولا يجوز نقل الجثامين الى المقبرة في غير السيارات المخصصة بذلك من البلدية.وذكر العوضي أن مقبرة الصالحية افتتحت في عام 1896 ميلادية تقع بجوار مجمع الصالحية وأي شخص ينظر من خلال أي نافذة من نوافذ مجمع الصالحية المطلة على المقبرة سيرى على اليمين قبر الشيخ الراحل أحمد الجابر الصباح، المتوفى مساء الأحد 21 من ربيع الثاني وشماله قبر الشيخة الراحلة عائشة المبارك الصباح، وكذلك قبر الراحل سيد رجب النقيب، الذي كتب على قبره نقيب أشراف البصرة، وهو كان من علماء أهل الكويت وهو والد طالب باشا النقيب، الذي كانت له علاقات طيبة مع الكويت واهلها، ويوجد أيضا قبر عبدالله بن بحر، صاحب أقدم مسجد في الكويت كما يوجد في مقبرة الصالحية جليبان احدهما يقع في أول المقبرة وجليب في آخر المقبرة واغلقت عام 1960.

 من الجولة

5 مقابر عاملة و700 موظف

أوضح مدير إدارة الجنائز في البلدية الدكتور فيصل العوضي أن المقابر العاملة في الكويت هي مقبرة السنة والمقبرة الجعفرية ومقبرة لغير المسلمين وهي مقابر متجاورة في منطقة الصليبخات، بالإضافة إلى مقبرة الجهراء وصبحان، ولا توجد غير هذه المقابر، وتقع تحت إشراف بلدية الكويت ممثلة في إدارة الجنائز التي يعمل بها قرابة 700 موظف وموظفة، منهم حفارو قبور ومغسلو الموتى، بالإضافة إلى سائقي سيارات نقل الموتى والحراسة، كما وفرت قسماً خاصاً لخياطة أكفان الموتى والتي توزع تبرعاً للمتوفين.

المقابر لا تُستملك

ذكر العوضي أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أفتت بعدم استعمال أي مقبرة في الكويت مهما كان عمرها، وخاصة في الوقت الحالي الذي لا تضطر فيه البلاد لإزالتها بالرغم من أنها تحتل مواقع إستراتيجية خاصة في وسط العاصمة.وبيّن أن الفتاوى الصادرة من قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في وزارة الأوقاف أوضحت أنه في حال تقرر استخدام أرضها، فلا يتم استملاكها من قبل الأفراد، ولكن تستخدم للصالح والمنفعة العامة، مثل ما حصل في مقبرة البلدية والتي تم تحويلها إلى حديقة البلدية أو دار علم أو دار لحفظ القرآن الكريم، كما أنه لا يوجد عمر محدد للمقبرة، لأن ذلك مرتبط بأن تتحول عظام الموتى بها إلى تراب، وهذا التحلل يختلف من أرض وأخرى.

مقابر مشهورة

اشتهر في الكويت الكثير من المقابر سابقاً، ولعل الموثق منها مقبرة الصوابر وأغلقت عام 1950، ومقبرة مدوة الشمالية وأغلقت 1932، ومدوة الجنوبية عام 1969، بالإضافة إلى مقبرتي الحساوية والجعفرية اللتين تم غلقهما في عام 1973.

مقبرة حوّلها الغزاة لمخزن

مقبرة المسيحيين القديمة التي تعرف بمقبرة الإنكليز استخدمها الغزاة العراقيون كمخزن لمسروقاتهم وأسلحتهم أيام الغزو، وعلى إثر ذلك طلب السفير البريطاني في الكويت نقل رفات القنصل البريطاني شكسبير إلى بريطانيا، مما جعل الكويت تصر أن يظل قبر شكسبير موجوداً بها، حيث أوضحت للسفير أن ما حدث من إهمال في المقبرة سببه الجيش العراقي، ولا دخل لأي مواطن كويتي بالأمر، كما تمت مخاطبة بلدية الكويت لبناء سور جديد للمقبرة من الطابوق الجيري الأصفر، وأحكمت إغلاقها بالمفتاح. وعلى إثر ذلك تراجع السفير البريطاني وأبلغ حكومته بالإجراءات السريعة التي اتخذتها الكويت وتم الإبقاء على قبر شكسبير في الكويت. حيث يتم فتح المقبرة في شهر فبراير من كل عام ويقوم السفير البريطاني والديبلوماسيون وأبناء الجالية البريطانية بزيارة المقبرة وتفقدها.

هكذا كانت التقاليد

من الأمور الغريبة أن بعض العادات الكويتية القديمة التي تميزت بالغيرة، على سبيل المثال عدم كتابة أسماء بناتهم أو زوجاتهم على شاهد القبر، وإنما الاكتفاء بكتابة «بنت فلان» على سبيل المثال قبر المرحومة «بنت صالح» فقط. والجميل أنه ما زال هناك مواطنون يزورون أجدادهم حيث تقوم بلدية الكويت مشكورة بالتنسيق مع من يرغبون بالزيارة لفتح باب المقبرة القديمة والسماح لهم بزيارة أجدادهم.