في تصريح قديم، قال المستشار فيصل المرشد «القضاء كالنهر الجاري يطهّر نفسه بنفسه» وكان هذا الرد في معرض تعليقه على سؤال برلماني ورد بخصوص عدد قضايا التأديب التي قُيدت ضد القضاة والمستشارين.لكل طائفة من الناس في الوطن الواحد - نظراً لخصوصيتهم القانونية - يستلهم القانون الآليات الفعلية لتنظيم العمل في تلك الجهات، وقواعد أخرى تفرض نفسها على الصعيد الدولي، فيتحتم على المشرع السير والركب العالمي في إقرار حقوق، كانت هضيمة وفي تنظيم مسائل لم تكن قويمة، وفي معالجة مواطن الخلل والقصور في تشريعات قائمة إضافة وتنقيحاً وحذفاً ونسخاً.الحالة التي خلقها الساسة في كل مراحل الدعوة لتشريع قانون «مخاصمة القضاء» جعلت من فكرة القانون مصيدة تهدّد القضاء، في كل مناحي القضايا الحساسة التي نظرها القضاء خلال عشرة أعوام مضت، واعتقد جازماً أن هذا الجو العام الانتقامي الذي خلقه هؤلاء قد وضع القضاء والنيابة العامة عن جبر موضع الدفاع عن النفس، وما عاد للثقة في مثل هذا القانون مكان في قلوب القضاة المطمئنة، فالتلويح الدائم مع كل قضية رئيسية بتشريع هذا القانون لمواجهة القضاة وأحكامهم جعل من القانون ما يشبه محاكم التفتيش أو قوانين الاجتثاث الحزبي الانتقامية، وإن كان هذا القانون قد صدر بهدوء وقد لا يكون قد نال نصيبه الأوفر من المناقشة العامة في حين أحجم القضاة عن مناقشته علناً في البداية درءاً منهم لمقالة إبداء الرأي في مسائل عامة.ثقة الناس بالقضاء مستلهمة في الأصل من ثقة القضاء بنفسه وبقدراته، في الدفاع عن حقوق الأفراد مثلما استطاع - وبهدوء - أن يدافع عن كيانه واستقلاله، فدعوى الاختصام من القضاء إلى القضاء، ولم يتبن المشرع فكرة أخرى كانت مطروحة للنقاش العام وهي أن يكون لدعوى الاختصام قواعد خاصة تفصل بها جهة خاصة مستقلة عن الجسد القضائي، ونحمد الله أن هذا لم يحدث.دعوى الاختصام في حقيقتها أكثر انضباطاً من شكوى التأديب التي تقدم للتفتيش القضائي من حيث تحديد نطاق المسؤولية وتحديد الأخطاء ومن حيث إجراءات قيدها ونظرها، ومع هذا كان من الأسلم من الناحية العملية أن يكمل البرلمان بوضع آلية مغايرة لتلك التي تبناها في القانون، بحيث لا يترك القاضي وحيداً ليتصدى لقضايا الاختصام شأنه شأن المختصمين في الدعاوى الادارية التي تحضر وتدافع عنهم إدارة الفتوى والتشريع بعد أخذ رأي الجهة المختصمة، في حين أن القانون ترك القاضي يواجه القضايا وحيداً لما في ذلك من إنهاك نفسي وفكري إضافي على عمله المنهك.إن كانت الدولة مسؤولة عما سيقضى عليه من أحكام، أخذاً بنظرية الخطأ المرفقي، فكان من الأولى ألا يقرر القانون أن يحضر القاضي ليدافع عن نفسه، فالدعوى هنا ليست ضد شخصه بل ضد المؤسسة التي ينتمي لها وكان من الأسلم والأولى أن يعهد لإدارة خاصة تتبع المجلس الأعلى للقضاء ولتكن لإدارة التفتيش القضائي أمر تمثيل القاضي المخاصم أمام المحاكم حضوراً ودفاعاً بعد أخذ رأيه ودفاعه في الدعوى.إن دعوى الاختصام بذاتها ليست هي المشكلة، فالاختصام في قوانين الدول العربية منذ السبعينات من القرن الماضي، وفي دول مثل سورية ولبنان وغيرهما، كما أن قوانينهم حوت تفصيلاً للمسائل التي يجوز الاختصام على عكس ماهو حاصل مع القانون الذي شرعه مجلس الأمة.لو أن طائفة من الناس تعرضت لقانون يستهدف كيانها ووجودها أو حتى مصالحها لكانت مواقع التواصل الاجتماعي تضج بأنواع الاستهجان والاستنكار، ولكن للأسف أن يكون القضاء بلا نصير، وكأن السلطة القضائية ليست جزءاً من نظامنا الدستوري!لنشرع يا سادة قبل اختصام القضاء الثقة بمؤسسات الدولة ولندعو بصوت عال أن ينال القضاء كامل استقلاله المالي والاداري والتنظيمي، فإن نال القضاء استقلاله الكامل سيحفزه مثلما كان دائماً على الاستمرار بالجريان مطهّراً المجتمع من الفاسدين المتخمين بأموالنا العامة ومصائر أجيالنا وسيكون بعد ذلك ملاذاً آمناً دون أن يشعر بالتهديد الذي شعر به منذ أن صارت قضايا مؤسساتنا الرئيسية بيد «المشافيح» والحاقدين.