انتهت إجازته وركب الطائرة عائداً إلى بلده، وبجانبه امرأة مسنّة من الفلاحات... في الطائرة قاموا بتقديم وجبات الطعام ومع كل وجبة قطعة حلوى بيضاء.المرأة المسنّة فتحت قطعة (الحلوى) وبدأت تأكلها بقطعة خبز ظناً منها أنها قطعة جبنة بسبب اللون الأبيض، وعندما اكتشفت أنها (حلوى) شعرت بإحراج شديد ونظرت إلى الرجل الذي بجانبها، فتظاهر بأنه لم يرَ ما حصل... ثوان قليلة، قام بفتح قطعة الحلوى من صحنه وقام بما قامت به المرأة المسنّة تماماً فضحكت المرأة... فقال لها: «سيدتي لماذا لم تخبريني أنها حلوة وليست جبنة؟»... فقالت المرأة: «وأنا كذلك كنت أظنها جبنة مثلك»! بالتأكيد كان يعرف أنها ليست جبنة، ويعرف أنها رحلة وتنتهي، ويعرف أنها مجرد امرأة بسيطة، ولكن إماطة الأذى عن مشاعر وقلوب الناس لا تقل درجة عن إماطة الأذى عن طريقهم، فأجبروا الخواطر وراعوا المشاعر، وانتقوا كلماتكم، وتلطّفوا بأفعالكم، وقولوا للناس حسناً وعيشوا أنقياء أصفياء... سنرحل ويبقى الأثر.أعزائي المتابعين لجريدة «الراي» الغرّاء التي يحبها القراء، نقلت لكم هذه القصة بحذافيرها من العالم الرقمي، لكي تحفظ في أذهانكم، مع تمنياتي أن تتحول إلى العالم الواقعي والأرضي معاً.وأحببت أن أشارككم بعض التأملات حولها.من أكثر ما كان يلفت انتباهي في السيرة النبوية، هي تلك التفاصيل الصغيرة في يوميات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مثل أن الجارية المجنونة كانت تأخذ بيده، وتطوف به أرجاء المدينة لكي تقول له «هذا الولد ضربني، وتلك الفتاة رمتني بحجر»، وكان رسول الله يسير معها ويجبر خاطرها، ويكلّم لها الصبيان الصغار، حتى العقلاء الكبار الذين كانوا يطلبون منه الصدقة بفُحش وغلظة، كان يعطيهم وهو يبتسم، حتى الأعرابي الذي جبذَه من ردائه جذبةً شديدة تركت علامة في عنق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فضحك... وأمر له بالعطاء!هكذا جمعَ رسول الله بين قول الحق وأسلوب تقديمه للناس، فلم يكن يدعو للحق بأسلوب ميت، ولم يكن يدعو للباطل بأسلوب لين... لذلك كان على خُلُقٍ عظيم.في مجموعته القصصية الرائعة «تحت المظلة» يضع لنا نجيب محفوظ قصة لأخوين، أحدهما «عربيد» ينزع وراء رغباته ولكنه كان لطيفاً وسمحاً مع الناس حوله، لا يجرح أحداً أو يهينه، والآخر صاحب حق وعاقل ينزع وراء الإصلاح ولكنه فظ غليظ القلب، لا يراعي مشاعر الناس وكرامتهم، وفي آخر القصة يضع نجيب محفوظ،رحمه الله، هذه العبارة على لسان صديق مشترك للأخوين قائلاً للعاقل صاحب الحق:إن أخاك رمضان «العربيد» انطلق من قاعدة لا يمكن الدفاع عنها، ولكنه اتبع أسلوباً رائعاً في الحياة، أما نحن... أنا وأنت فلنا قاعدة لا يمكن الهجوم عليها، ولكننا نتبع أسلوباً سمجاً ميتاً.وربما يسألني أحد القراء عن الدرس المستفاد من هذا المقال، فأقول: لا توجد دروس هي مجرد قصة وتأملات حولها، ولكن إذا كنت مصرّاً فإليك أهم الدروس: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...».وكل ما لم يذكر فيه اسم الله... أبتر.

@moh1alatwan