قرّر ديوان المحاسبة عدم الموافقة على صفقة توريد 5 ملايين كمام بلاستيكي (Face Shields)، التي أثار نوّاب سابقون حملة ضدها بدعوى أن تكلفتها مُبالغ فيها. واعتبر هؤلاء النواب السابقون أن قرار الديوان بمثابة مصادقة على صحة ادعاءاتهم المغلوطة «المتباينة» حول التكلفة الحقيقية للصفقة. في المقابل، العديد من المطلعين على تفاصيل تجارة لوازم الحماية الشخصية الصحية (Personal Protective Equipment) والمتابعين لمستجداتها العالمية منذ ظهور جائحة (كوفيد-19)، يعلمون أن رأي الديوان خاطئ في جزئية المبالغة بالتكلفة. ولذلك قرر بعضهم التحرّك لتصحيح هذا الخطأ من منطلق حرصهم على سلامة منظومتنا الوطنية المعنية بمواجهة الجائحة، وتحديداً كوادر الصفوف الأولى. أمام هؤلاء الإصلاحيين مساران رئيسان لتقويم الخطأ وتدارك تبعاته على مخزون وزارة الصحة من الكمّامات البلاستيكية، وهما: الشعبوي والرشيد. ورغم رفضي المسار الشعبوي، إلا أنني سأعرض المسارين بإيجاز من باب الموضوعية في الطرح.المسار الشعبوي مشابه للذي اتبعه النواب السابقون في حملتهم ضد الصفقة، ومحوره تبني حملة إعلامية «رعنة» للتشكيك في نزاهة ديوان المحاسبة، خصوصاً قراراتها الأخيرة، من خلال تساؤلات شعبويّة «متهوّرة» من قبيل: هل قرارات عدم موافقة الأخيرة من قبل الديوان صدرت بهدف إبعاد شركات صغار التجار من منافسة شركات «الحيتان» في مجال المستلزمات الطبية؟ ولماذا لم يُطبَّق أسلوب حساب التكاليف نفسه (وفق أسعارها المعلنة في موقع التسوّق «علي بابا» على شبكة الإنترنت)، مع المستلزمات الصحية الأخرى الواردة في تعاقدات الشركات الأخرى التي وافق عليها الديوان خلال الأزمة الحالية؟ برغم خطورة هذا المسار على النظام العام، إلا أنه المفضّل لدى العديد من المرشّحين، لما يتضمنه من مكاسب انتخابية سهلة، خصوصاً إذا ما تعرّض سالكه للملاحقة القانونية. وخطورته تفاقمت منذ أن نجحت مجاميع سياسية - مدعومة من قبل سرّاق مال عام - في تقديمه للمجتمع كأداة إصلاح بيد الحق ضد الباطل، فأجازت لنفسها توظيفه في إرباك مؤسسات الدولة وزعزعة ثقة المجتمع فيها.في المقابل، تبني المسار الرشيد متعب وتسويقه صعب لأنه طويل وشاق. فهو يبدأ بجمع وتحليل معلومات حديثة وكافية بشأن توريد الكمّامات البلاستيكية، شاملة المواصفات الواردة في التعاقد، والعينة التي تم اعتمادها، وشروط الشركات المنتجة والمصدّرة ومواعيد تسليم دفعات الكمية الإجمالية المطلوبة، ومبالغ ومواعيد وشروط التحويلات المالية، والقيود التي تفرضها الدول المنتجة على كميّات التصدير، ومخاطر القرصنة المتزايدة من قبل تجار وحكومات، فضلا عن الطفرة الكبيرة في تكاليف الشحن الجوي. مشقّة المسار الرشيد تمتد على كامل الطريق إلى نهايته، لأن السير فيه مُنظّم بقواعد الممارسات السليمة للإصلاح ومكافحة الفساد، من قبيل وجوب اتباع الآليات والقنوات المتاحة - بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي - للإعلان عن هدف إصلاحي أو للإبلاغ عن شبهة فساد، وفق تسلسل يراعي منافع ومخاطر القضيّة المنظورة، ومنسجم مع المصلحة العامة.لذلك أدعو الإصلاحيين، وفي مقدمهم الذين من خلال لقاءات متلفزة استَبعدوا ونفوا شبهة المبالغة في تكلفة صفقة الكمّامات البلاستيكية، كالدكتورين محمد دشتي وعبدالله البدر، أدعوهم إلى الاستمرار في المسار الرشيد لتصحيح الخطأ الذي وقع فيه ديوان المحاسبة، وذلك وفق الآلية المتاحة في قانون إنشاء الديوان (قانون 30 لسنة 1964) وتحديداً المادة رقم (13) من القانون، التي تجيز للجهة المختصة بالتعاقد عدم الإقرار بقرار الديوان وإخطاره بوجهة نظرها المخالفة «مدعمة بالأسانيد التي تقوم عليها».كما أدعو المواطنين إلى دعم جهود الإصلاح عبر المسار الرشيد، الذي يعزّز القدرة الذاتية لأجهزة ومؤسسات الدولة على الحوكمة الرشيدة والتصدّي للفساد. وأدعو الوطنيين إلى الحذر من مغبّة المسار الشعبوي... «اللهم أرنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه».
abdnakhi@yahoo.com