سيارة بيضاء تخرج من أحد الشوارع الجانبية، ودون أن ينتبه صاحبها، تصدم سائق إحدى الدراجات النارية «السيكل» لتوصيل المطاعم، تترنح الدراجة مرات عدة، ثم يسقط السائق على الأرض، تقف السيارة البيضاء، يخرج صاحبها مرتبكاً، ومتردداً، وخائفاً، بينما سائق التوصيل ملقى على الأرض.شاهدت هذا الحادث بينما كنت جالساً في مقهى الرواء الذي يطل على مفترق طرق في منطقة حيوية داخل حولي، ولا أدري لماذا شعرت أنه ينبغي عليّ التدخل، رغم أن هناك رجلاً كان يسير في الشارع، فتوقف وبدا أنه يُعطي تعليمات للطرفين: حصل خير... الحمد لله... اتصلوا بالشرطة ولكن ما في داعي... وهكذا. اتجهت إلى الشارع المقابل حيث الحادث، وكان سائق السيكل يجلس على الرصيف يضع يديه على رأسه، لا يشعر بالألم بقدر ما يشعر بالصدمة، ولأني مواطن عربي مسلم، اعتاد أن يُشجع المنتخبات العربية الضعيفة في كأس العالم، فقدت تكونت لديّ عقيدة الوقوف مع الطرف الأضعف في الحياة، جلست بجانبه لكي أطيّب خاطره ولكي أتأكد من أنه لن يتعرّض للضغط الاجتماعي في حالة قرّر طلب الشرطة، وقلت في نفسي إنه ربما يمكن أن يُعطيه الرجل الذي صدمه بسيارته مبلغاً صغيراً من المال لكي يخرجه من مشاعر الصدمة إلى مشاعر الفرح، فيروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكما تعلمون كانت له هيبة، كان عند «الحلاق» فتنحنح، فأطلق الحلاق الريح من الخوف، فعندما انتهى عمر بن الخطاب، أعطاه درهمين... أحدهما للحلاقة والآخر للفزع الذي أصابه.ولكني طردت هذه الفكرة من رأسي عندما تشككت أن يكون في الموضوع برمته شيء ما يتعلق بالعوض، وقلت ربما أعطيه أنا شيئاً من المال.وقعت هذه الحادثة في بداية شتاء 2019م.نزع السائق الخوذة التي يرتديها، أجرى اتصالاً تلفونياً لإدارة المطعم ليخبرهم بالحادث، بدا صوته متقطعاً بينما كانت يداه ترتعشان، طلبوا منه أن يرسل لهم «لوكيشن» الحادث من أجل الاطمئنان عليه، ولكن الأهم هو أن يرسلوا سائقاً آخر ليأخذ طلب الزبون سريعاً قبل التأخير، فالزبون وكما تعلمون على حق دائماً.وبينما كان ينظر للفراغ أمامه وضعت يدي على كتفه وقلت له:- حمد لله على السلامة... ما تشوف شر، تعال واشرب شيئاً دافئاً في المقهى، وأدفئ يديك اللتين ترتعشان.نظراته التي كانت تملأ الفراغ، والحادث الذي وقع له، وبرد الشتاء، وكيفية تعاطي إدارة المطعم معه، كل الدلائل كانت تشير إلى أنه سينفجر قريباً... هنا... هناك... الإثنين أو الأحد، ولكن لأسباب لا يعلمها إلا الله فقد قرر أن ينفجر يوم السبت وفي وجهي تحديداً حيث قال بصوت أقرب للهمس، ولكن سرعان ما تحوّل إلى صراخ: إنّ يديّ لا ترتعشان من البرد، بل من التعب... من الممكن أن أتحمّل البرد على حدة وأنا أمتطي هذه الدراجة المكشوفة من الجهات الأربع، ومن الممكن أن أتحمّل أبواق «هرنات» السيارات المسرعة التي تريد أن تصعد فوقي، حتى الراتب الضعيف الذي يحتاج إلى فيتامينات البقشيش من الممكن أن أتحمله وحده، ولا مانع عندي أن أتحمل عدم وجود خردة مع الزبون فأنطلق إلى مشوار آخر بحثاً عن الخردة، وأكثر من مرة تحمّلت إهانة بعض الزبائن لأن الطعام وصل بارداً، وبالأمس وهو أقرب ما أتذكره كاد الزبون أن «يغسل شراعي» لأن الطلب كان ناقصاً، وعندما حاولت أن أهدئ من روعه، جن جنونه أكثر، فلا أدري ماذا أفعل في موقف مثل هذا، فهل أظهر مشاعر الخوف فتشعل ناره أكثر، أم أظهر مشاعر اللامبالاة وأطلب منه الاتصال بالمطعم فأثير غضبه وجنونه أكثر.صدقني يمكن أن أتحمّل كل هذا على حدة، وأيضاً مجتمعة، ولكن أن تتعرّض لحادث يكون كل هم الناس هو طلب الزبون، هذا كثير جداً.صمت قليلاً، وشعرت أنني في موقف لا أحسد عليه، مثله تماماً، فلا أدري هل أظهر مشاعر الشفقة عليه فأشعل ناره أكثر... أم أتركه وأذهب لأكمل قهوتي الحارة وأطلب منه أن يهدأ فأثير غضبه وجنونه.ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وهو يقول:رغم أن ناقل المشروب الحرام ملعون في الحديث الشريف، إلا أن ناقل النعمة الحلال مهان في عُرف الزبائن والإدارة، أما عاصر الخمر وناقلها ومقدمها فمعزز مكرم بين السكارى والبارات... ثم انفجر من الضحك.أنا أيضاً ضحكت رغم أني لم أفهم مقصده، ثم ذهبت لأكمل قهوتي... عبرتُ الشارع... وما زالت ضحكته في أذني منذ ذلك اليوم.

@moh1alatwan