يصادفك في أول شارع محمد بن القاسم في جليب الشيوخ، وعلى ناصيته اليمنى حيث هناك محل للهواتف، يجلس رجلان كبيران في العمر على حافة اسمنتية بُنيت خصيصاً للجلوس عليها، وقد بدت الغيوم كمظلة تظلّل عليهما الشمس، أحدهما يرتدي جلباباً من القماش الكثيف بلون التربة وسنسميه في قصتنا «ترابي»، والآخر يرتدي الجلباب نفسه ولكن بلون آخر أقرب إلى لون السماء، وسنسميه «سماوي»، وأمامهما بِركة ماء صغيرة موحلة ومليئة بالصخور وبعض إطارات السيارات وعبوات بلاستيكية فارغة من أجل عبور المارة.ترابي يقول بهدوء وببطء:- لقد أخبرته... أخبرته أن يصبر حتى ينتهي «كورونا»... وبعدها يحلّها ألف حلّال... وقلت له إن الله مع الصابرين.تساءل سماوي بالهدوء والبطء نفسهما:- هل هناك أحد يتزوّج في زمن «كورونا»؟... دعه يصبر قليلاً.ثم صمت سماوي قليلاً... وكأنه تذكّر شيئاً مهماً ثم أضاف:- يقولون إن الحركة ستعود بعد شهر إن شاء الله... دعه يصبر، ولكن أنصحه ألا يختار زوجته بعقلية أبيه، والتي هي عقليتك، فأنت بالتأكيد تريد له زوجة مثل أمك... محترمة وعاقلة قادرة على صون زوجها وتربية أبنائها، تضحك بصمت، ولا تعرف الدلع، عاشت على العيب والحرام... أليس كذلك؟ترابي يتطلع من تحت حاجبيه الكثيفين وهو مائل إلى الأمام بجسده الضئيل، وقد راح يتحدّث مع نفسه بصوت مسموع:- ما الذي دهى الرجل؟ثم رفع صوته لكي يسمعه سماوي قائلاً:- أقول لك إن معسل الشيشة ثمنه زاد، وما كنا نأخذه بدينارين ونصف الدينار أصبحنا نأخذه بستة دنانير... فهل نأكل ونشرب أم ندخن أم نزوج الحمار الذي لا يُقدّر الظروف؟يعتدل سماوي في جلسته، ويقول:- معقولة هذا الكلام... شيشة... هل تفكر في الشيشة في ظل هذه الظروف، أقول لك لا تسمح لابنك أن يختار امرأة بعقلية أبيه، لأنه بعد مرور السنين سيكتشف أنه يعيش مع أمه الوقورة وليس زوجته الدلوعة! وعندها سيبدأ في دخول غرف الشات وبرامج الصداقات عن بُعد، فضلاً عن التسكع في الكافيهات وشوارع العابرين سريعاً... هل فهمتني يا ترابي؟يستغرق ترابي في التفكير ثم يقول:- الله، ما الذي حصل إذا فكرت في الشيشة... وما هي الغلطة في ذلك... بذمتك... ألا تشتاق لحجرين معسل؟يرد سماوي وقد بدا عليه الانفعال:- يا رجل... منذ أن جلسنا وأنت تلوم على ابنك الصغير رغبته في الزواج في ظل هذه الظروف السوداء، ثم تفكر أنت في المعسل والشيشة... ثم إذا كان الذي يتكلّم مجنوناً... فيجب أن يكون المستمع عاقلاً.وقف على قدميه... ثم عدل جلبابه ونفضَ عنه الغبار... وقال:- معقولة... ماذا حدث للناس؟عَبرَ بركة الماء بمهارة رغم كبر سنه، ثم اختفى بين دهاليز وأحواش منطقة الجليب... بينما ظل ترابي جالساً ينظر من خلف حاجبيه الكثيفين للبِركة التي تَموَّج الماء فيها نتيجة حركة الناس وعبورهم.

قصة قصيرة:البعضُ... لا يتزوّج مَن يُحبّه... ولا يُحب مَن يتزوّجه.

@moh1alatwan