الحمد لله على كُلِّ حال، وصلّى الله على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل.في يوم الأربعاء 22 شعبان (1441ه) الموافق لـ15/‏ 4/‏ 2020م، في مقبرة صبحان في الكويت ـ حماها الله وسائر بلاد المسلمين ـ كانت جنازة رجل الكرم والمُروءات العم شافي بن سعيد المرسان الهاجري، بعد أن صُلِّي عليه بعد صلاة الظهر. خرجتُ من المقبرة، وأنا أُمسكُ بقلمي ـ حقيقةً وكأني أقول له: إِن لم تكتب اليوم فلا عرفتك أكتب وإلَّا كسرتُك ـ:عرفتُ العم الجليل الوجيه شافي بن سعيد منذ أكثر من ثلاثين سنة؛ فرأيت فيه المروءَةَ بكل معانيها وتعاريفها: من كرم ذات، وفضل أدوات، وبذل للمعروف، وإغاثة للمحتاج والملهُوف.وأفضل النَّاس ما بين الورى رَجُلٌ تُقضى على يدهِ للنَّاس حاجاتُوالصفات الظاهرة من مروءات العم «شَافي» كثيرة. • فمن ذلك: صفة الكرم التي كانت مُصاحبة له من قديمِ أمرهِ، وريعان شبابه؛ فإن الحديث عنها له بداية، ونهايتُهُ صعبٌ حصرُها:وليسَ حديثُ المكرُماتِ بكائنٍ مدى الدَّهرِ إلا حيثُ كانَ قديمُهَاكل ذلك مع محبةٍ للضيوف، وإكرام للقادمين عليه، والنازلين بساحة فضله، فترى البِشر والفرح في وجهه:تَراهُ إذا ما جئْتَهُ متهلِّلاً كأنَّكَ تُعطيه الذي أنْتَ سائلُهْويحرص غاية الحرص على إدخال السرور على ضيوفه ومن يجلس إِليه، ولذا انعقدت محبة النَّاس له. وصفة الكرم التي نالها العم «شافي» كانت تتمثّل في سمو أخلاقه، وجميل طبعه، وشجاعة رجولته، فإن الكرم كان صفة ملازمة له لا يستطيع عنها انفكاكاً؛ فهي خِلْقةٌ وهي سجيَّته:فَكُلُّ حَيًا للجودِ أنتمْ سحابهُوكُلُّ رحى للمَجْدِ أنتُمْ لها قُطبُومما رأيتهُ فرعٌ من كرمه ـ وكرمه كُلُّه أصل أصيل ـ رحمته للضعفاء والمحتاجين والمُعوزين، وهذا باب جليل من شريف مناقبه وكريم خِصاله:إنَّ المكارمَ والمعروفَ أوديةٌأَحَلَّكَ اللهُ منها حيثُ تجتَمِعُوما قَصَدَهُ صاحبُ حاجة إلا وعاد بها قرير العين، مجبور الخاطر، ولسان حاله يقول:فلي مِنْ بَطْنِ راحَتِهِ ارْتِواءٌولي في ظَهْرِ راحتِهِ اسْتِلامُوبالجملة: فإن صفة الكرم التي كان العم شافي بن سعيد يتّصف بها يطول الكلام عنها؛ فحياته رحمه الله تعالى تفنُّنٌ في هذه الصفة في السَّراء والضَّراء، وقد رأيت الكثير منها، فإن جوده وعطاياه كانت معيناً لا ينَضَبُ:لهفي على ذلك الجوادِ مضىفي سَفرٍ لا يؤوب غائِبُهُ• ومن صفات العم شافي التي كان فيها فريداً ونموذجاً يُحتذى، صلته للأرحام، وبِرّهُ بهم، كبيرهم وصغيـرهم، رجالهم ونساؤهم: فقد امتلأ قلبه حناناً ومحبةً ورأْفَـةً وعطفاً، فتراه يبذل لهم النَّفس والنفيس، وإذا مرض أحدهم فإِنه من أول من يقوم بزيارته وعيادته والاطمئنان عليه، وأحياناً يتحمّل مشاق السَّفر في سبيل ذَلِكَ مع كِبَـرِ سِنِّهِ، وما يعاني من بعض الأمراض، كل ذلك بنفس كريمة، وأخلاق أصفى من الرحيق السلسل:صافٍ كماء المُزْن... ظاهرهكضميره وكَسِرِّه الجَهْرُبَشَرٌ... ولكن في هُدى مَلَكٍصَلَّى على أثوابه الطُّهْرُ• ومن صفات العم شافي بشاشة وجهه، وإشراقة جبينه: فلا تراه إلَّاهاشًّا باشًّا، فهو أخلاق تتسامى إلى المُثل العليا، ومن عرفه عن قُرب يَرى هذه الصفة الجاذبة التي كانت من حليته:خلائقُ كالحدائق طابَ منهاالنَّسيم وأينعت منها الثَّماروبعد:فهذه كلمة عاجلة كُتبت بعد وفاته بساعات قليلةٍ، وما زلت أتذكّر الوقوف على قبره ـ أنزل الله عليه وابلَ الرَّحماتِ والمغفرةِ ـ. فإِني من آخر مَن كان واقفاً على قبره، مُتذكّراً تلك الأخلاق الطاهرة، والمزايا والآداب التي كان يتحلّى بها العم شافي بن سعيد المرسان الهاجري:كفى حَزَنًا أَنِّي أمرُّ بقبرِهِفأمضي وقلبي بالأسى يَتَكَسَّرُاللهم إنَّا لا نقول إلا ما يُرضي ملك السموات والأرض. وقد خلَّف أبناءً كراماً، وحفدةً فُضَلاء، كانوا ـ وما زالوا ـ أجنحته ومَعَاقِدَ آماله، فنعم الخلف هم أسعدهم الله، وأسعَدَ بهم.ولن أنسى هذا اليوم وهم من حوله في جنازته:وأبناءُ بِرٍّ كالبُدورتَحلَّقواوأوجهُهُم فيها الضَّراعةُ تُرسَمُتقبّلَ الله ضراعتهم إلى المولى بالمغفرة والرضوان لوالدهم.ولن يغيب عني منظر بناته المصونات، وحفيداته الكريمات، وقد تذكّرت في ذلك قول أحد المُجيدين من شعراء عصرنا ـ لا كبا يراعه ـ:وَربّاتُ طُهْرٍ قد أَحَطْنَ بوالدٍيُودِّعْنَهُ والقلبُ في الصَّدرِ يُكْلَمُذوى منه وَجْهٌ كان بالنُّورِ مُشْرِقاًوعينٌ خبا فيها الضيا والتَّبسُّمُتَلفَّفْنَ بالصَّبْرِ الجميلِ فلا ترىسوى مَدْمعٍ يَهمي، وثَغْرٍ يُتَمْتِمُوختاماً:مدحتُكَ جهدي بالَّذي أنتَ أهلُهُفقَصَّرَ عمّا فيكَ من صالِحٍ جَهديفما كلُّ ما فيكَ من الخير قلتُهُولا كلُّ ما فيكَ يقولُ الَّذي بَعديوداعاً...اللهم أسكنه جنان عدن، واغفر له وارحمه...

• الأربعاء في 22 شعبان (1441ه)15/‏ 4/‏ 2020م