قبل 48 يوماً تقريباً، أعلنت وزارة المالية على لسان وزيرتها السابقة مريم العقيل، في مؤتمر صحافي، مشروع قانون الميزانية الجديدة للسنة المالية (2020/‏‏‏‏2021)، محمّلة بعجز متوقع بعد الاستقطاع السنوي لاحتياطي الأجيال القادمة بنحو 9.2 مليار دينار، بزيادة 11.2 في المئة على ميزانية السنة الحالية، ما يجعله الأضخم في تاريخ ميزانيات الكويت، وذلك بسقف مصروفات يبلغ 22.5 مليار، مقابل إيرادات مقدّرة بـ14.8 مليار. وبعد تصريحات العقيل بفترة وجيزة، بدأ كورونا في الانتشار، ليتطور لاحقاً إلى فيروس مضرّ بالاقتصاد العالمي، وذلك بشهادة جميع المؤسسات العالمية، وأبرزها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لتتعمّق مع ذلك جراح الميزانية العامة بمزيد من طبقات العجز الإضافية يصعب تقديرها بدقة في الوقت الحالي، حيث يتوقف ذلك على عمر الأزمة ومدى انتشارها.ومحاسبياً، تتنامى التحذيرات من تعرض أسعار النفط لمزيد من التأثير السلبي، مع الإغلاق الواسع للاقتصاد الصيني، وخفض وارداته النفطية من الكويت، بين 20 و30 في المئة يومياً، وذلك من إجمالي الكميات التي كانت تستوردها الصين من الكويت قبل أزمة كورونا بنحو 500 ألف برميل.وبالطبع، فإن هذه المخاوف ستتصاعد إذا استمر تقلص الطلب على النفط الخام في أسواق شرق آسيا، ليبرز السؤال هنا حول حجم العجز الذي يمكن أن تسجله ميزانية الكويت عن السنة المالية (2020/‏‏‏‏2021) بسبب كورونا، وما إذا كان الاحتياطي العام قادراً بالفعل على تغطية أرقام العجز المتوقعة بعد كورونا؟ رقمياً، يبلغ إجمالي الإيرادات المقدرة عن السنة المالية (2021/‏‏2020) نحو 14.8 مليار دينار، منها 12.9 مليار إيرادات نفطية، و1.9 مليار غير نفطية، على أساس تقدير 55 دولاراً متوسطاً لسعر للبرميل، بمعدل إنتاج يومي 2.7 مليون برميل، وأمام حركة التراجعات التي شهدها منحنى أسعار النفط خلال الفترة الماضية ودورانه حول 52 دولاراً، فإن ذلك يعني أن البيع الفعلي المسجل بالفترة الماضية كان بمعدل يقل عن الأساس الذي قدّرالعجز وفقاً له.وهذا يعني أن العجز المقدّر بنحو 9.2 مليار دينار لم يعد دقيقاً باعتباره مبنياً على أساس 55 دولاراً للبرميل، ومن ثم تحتاج «المالية» لإعادة حساباتها، ووضع تصور جديد للعجز المرتقب والمرشح للزيادة بشكل ملموس، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الأثر سيتم تحديده مالياً وفقاً لمسار أسعار النفط في الأسابيع المقبلة.وما يزيد من التكهنات المتشائمة بخصوص إمكانية تعرض الموازنة لمزيد من العجز المحقق أن المصروفات المقدرة تبلغ 22.5 مليار، منها 71 في المئة مرتبات ودعوم، في حين قُدّرت المصروفات الرأسمالية بـ16 في المئة، وتوزعت 13 في المئة على بقية المصروفات، ما يصعّب إمكانية التخلص من أي شحوم مالية إضافية، علماً بأن النفقات العامة مرشحة للصعود في ظل الكلفة غير المتوقعة التي تحمّلتها الدولة في مواجهة تداعيات كورونا صحياً وتجارياً، فما العمل؟ من حيث المبدأ لا يخفي مسؤولو «المالية» الضغوط المتصاعدة على صندوق الاحتياطي العام، ومخاوفهم من خطر نفاده خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع زيادة عمليات السحب خلال الآونة الأخيرة لتمويل عجز الموازنة، كما أن عدم اتخاذ الإصلاحات المالية المطلوبة على وجه السرعة يزيد من إمكانية نفاد السيولة الموجودة في صندوق الاحتياطي العام سريعاً، لا سيما في ظل استمرار نمو المصروفات العامة.وفي هذا الخصوص، تشير مصادر مسؤولة إلى أن النقاش الساخن حول مدى قدرة الدولة الحقيقية على تغطية الفجوة بين المصاريف والإيرادات للفترة المقبلة دون نفاد الاحتياطي العام، كان مفتوحاً في الأساس قبل انتشار كورونا وتداعياته الاقتصادية، وفي هذا الوقت كانت الشكوك متزايدة حول هذه المقدرة، ما يجعل المخاوف حالياً أوسع بكثير، خصوصاً لو طال أمد الأزمة.وإلى ذلك، تؤكد المصادر ضرورة العمل على اتخاذ عدد من التدابير لتضييق فجوة العجز المتوقع تحقيقها من كورونا، بتنفيذ السياسات اللازمة لمعالجة حالات الطوارئ في استيعاب الاحتياجات الجديدة الملحة الناشئة عن الفيروس، وفي هذا الخصوص هناك خطوات طوارئ وأخرى مستحقة يمكن العمل على تنفيذها، تشمل التالي:

1 - البحث عن بدائل تسويقية أخرى للنفط تشمل التخزين وتقديم العقود، وزيادة الكميات للعملاء المستقرّين، مع إمكانية فتح أسواق جديدة، وهذا ما بدأته الجهات المعنية في مؤسسة البترول بالفعل أخيراً، في مسعى لتعويض الفاقد من الكميات المخصصة لأسواق شرق آسيا «تحرك عاجل».

2 - سرعة التحرك على إقرار قانون الدين العام، فمع التطورات الحالية لم يعد القفز بإجراءات إقرار هذا القانون رفاهية مالية أو تشريعية، بل مطلب ملح، سواءً كانت الموافقة بالاقتراض من السوق المحلية عن طريق البنك المركزي، أو إصدار السندات الدولية للاقتراض الخارجي أو أي صيغة تمويلية تضمن توفير مصدات لنفاد صندوق الاحتياطي العام «تحرك عاجل».

3 - زيادة وتيرة المشاريع التنموية لا إبطاؤها، فرفع الإنفاق الاستثماري سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي وعلى جميع وحداته «تحرك مستحق».

4 - العمل على مزيد من تحسين بيئة الأعمال الحالية بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية لما لها من منافع اقتصادية «تحرك مستحق ويحتاج لمزيد من الجهد».

5 - تطبيق عدد من الاصلاحات المالية والتشريعية الضامنة لمزيد من الرشاقة للإنفاق ومكافحة الهدر بالميزانية «تحرك مستحق ويحتاج لمزيد من الجهد».

6 - الخصخصة وزيادة حصة القطاع الخاص من النشاط الاستثماري المحلي «تحرك مستحق غير مطروح حكومياً حتى الآن بجدية».

سيناريوهات نفاد الصندوق حتمية... بدون إصلاح

وفق مصادر رسمية وضعت «المالية» في وقت سابق أكثر من سيناريو لأسعار النفط من 70 دولاراً إلى 100 دولار، موضحة أن نفاد سيولة صندوق الاحتياطي العام حتمي في جميع السيناريوهات ما لم يتم تفعيل إصلاحات مالية حقيقية. وحسب المصادر نفسها، تتفاوت فترة النفاد حسب المعدل السنوي لسعر النفط، من سنتين من اليوم على معدل 70 دولاراً للبرميل إلى 10 سنوات على معدل 100 دولار للبرميل، مشيرة إلى أن أي سيناريوهات النفاد الحتمية لم تتضمن في الأساس أسعاراً أقل من 70 دولاراً، ما يعني أن إمكانية النفاد ستكون أسرع في حال استمرت أسعار النفط على مستوياتها الحالية.