العام الماضي وبينما كان المطر ينهملُ في الساعة الواحدة ظهراً، خرجت من مدرستي لكي أحضر أبنائي من مدارسهم، ركبت سيارتي مُسرعاً، وعدت بها إلى الخلف للخروج من مواقف السيارات فإذ بي اصطدم بسيارة سيدة كبيرة في العمر، بدت لي للوهلة الأولى أنها فنانة تشكيلية أو شاعرة كانت تبحث عن قصيدتها، ابتسمت لها واعتذرت منها وحاولت بكل ما أوتيت من عاطفة أن أخبرها أن كونها بخير أهم عندي من أي شيء آخر... كانت مرتبكة وتشعر بالحرج، أخبرتها ألا تقلق وأني مستعد أن أتحمّل تكاليف التصليح، واعتذرت منها مرة أخرى... ولأن الحادث كان بسيطاً طلبت منها أن تسمح لي أن أذهب لأحضر أبنائي قبل أن يخرجوا فلا يجدوني أمامهم، وطلبت منها أن تصور رقم لوحة سيارتي ثم أعطيتها بطاقتي المدنية وطلبت منها أن تصوّرها وكتبت لها رقم هاتفي وأخبرتها أنني أعمل رئيس قسم في المدرسة التي أمامنا مباشرة، وحاولت بكل ما أوتيت من أدلة وبراهين ألا أجعلها تقلق وبأني سأتحمّل كل التكاليف... ورغم ذلك لاحظتُ أنها ما زالت مُرتبكة ولا تشعر بالثقة، فقلت لها:- هل تفضلين أن نتصل بالشرطة؟قالت وهي تشعر بالخجل:- لا...كنت أعلم أنها مرتبكة وخائفة من هروبي من تحمّل مسؤولية تصليح سيارتها، خصوصا أن سيارتها فيها «اللي كافيها» ويبدو أن آخر شيء كانت تتوقّعه في الحياة هو أن تضيف على لستة مصاريفها الشهرية مبلغ تصليح سيارة تسبّب فيه «مغفل» يعود بسيارته للوراء دون أن ينتبه للقادمين!، كذلك كونها من جنسية غير كويتية جعلها تشعر بأنها ليست فقط في غربة الوطن، ولكن أيضاً في غربة أخرى وهي غربة السند والعزوة على أخذ الحق من شاب قادر ربما يتملّص من تحمّل مسؤولية حادث سيارة، حتى لو قدّم رقم لوحة سيارته وهاتفه ورقمه المدني.قلت لها: يا أمي لا تقلقي...على فكرة أنا كاتب في جريدة «الراي».هنا عزيزي القارئ حدث تحوّل دراماتيكي في مجريات القصة كلها... حيث تهلّلت أساريرها وأشرق وجهها وأسفرت الدنيا بعد إدبار، وضحكت بعد عبوس وجاء الفرَج بعد الضيق... ابتسمت وقالت:- جميل... بما أنك كاتب... فأنت لا تكذب!ودّعتُها على أمل أن تتصل بي لتخبرني تكاليف التصليح، وذهبت وأحضرت أبنائي من مدارسهم... وأثناء الطريق كنت مندهشاً من أثر كلمة «كاتب» عليها، رغم أن الضمانات التي قدمتها لها من أرقام وصور كفيلة ليس فقط بمسؤولية تصليح حادث سيارة لا يتجاوز الكسر فيها قيمة الخمسين ديناراً، بل ضمانات يقبل فيها البنك نفسه ليعطيني قرضاً على فترة سداد 15 سنة، إلا أنها لم تطمئن لكل ذلك، واطمأنت لكلمة «كاتب»!- بما أنك كاتب... فأنت لا تكذب!ظلت العبارة تتردّد في أذني وملامح وجهها المبتسم وهي تردّد هذه العبارة... وقلت في نفسي: ما التصور الذي في عقل وقلب هذه المرأة عن «الكاتب»، لكي تثق به كل هذه الثقة؟ قيل إن الإنسان يتعلّم الكذب بعد أول ساعة يتعلّم فيها الكلام، فما الذي يجعل «الكتابة» محفّزة للصدق؟ولوهلة تشكّكت في أن هذه المرأة لم تقرأ شيئاً منذ زمن طويل، وأنها فقط لو تجشمت عناء قراءة الصحف أو مواقع التواصل الاجتماعي، لاكتشفت أن عدد الكتاب الذين يكذبون أكثر من عدد القراء الذين يقرؤون! ولكنني تراجعت فوراً عن هذا التشكك عندما لاحظت أنه ينبغي أن أفكر أكثر في أثر الكتابة على نفسي، بدلاً من أن أتهم أحداً بأنه يكذب أو يصدق، ففي النهاية كان كلامها موجهاً لي أنا وليس لـ«الكاتب» كمفهوم كوني أو حتى نخبوي، وعندما قالت:- بما أنك كاتب... فأنت لا تكذب! هل كانت تقصد بهذه المعادلة ما هو كائن أم ما ينبغي أن يكون؟وهل عندما أقابلها أخبرها بأن حالة «الصدق» هي حالة إنسانية أكثر من كونها صفات مهنية، فالإنسان الصادق هو طبيب صادق، والإنسان المتسم بالنبل والنزاهة هو ضابط شرطة متسم بالنبل والنزاهة، والإنسان الباحث عن المعنى هو كاتب باحث عن المعنى. لا يمكن للمسميات أو الوظائف والمهن أن تكسب الإنسان ما ليس فيه، حتى الكاتب الروسي دوستويفسكي عندما قال إن الأدب يجب أن يرفع عالياً راية الشرف، تصور ماذا كان سيحدث لو تبين أن تولستوي وغونتشاروف غير شريفين؟ أي إغواء وأي استهتار! وكم من الناس كانوا سيستسلمون للإغواء، سيقولون: «إذا كان هذان هكذا، إذاً... هلم جرا»، أعتقد أن دوستويفسكي كان يقصد أيضاً أن هؤلاء الكتاب العظام كان إصلاح النفس بالنسبة لهم وبلوغ الكمال الذاتي ليس بداية كل الأشياء فحسب بل وتتمة كل شيء ومآله الأخير.- بما أنك كاتب... فأنت لا تكذب!!عبارة جميلة كان من الممكن أن تكون مكتوبة على مدخل أكاديمية أفلاطون، أو حتى مسلات حمورابي أو وزارات العدل والقضاء في القرون الوسطى.في المساء قابلتها... وقلت لها مازحاً:- على فكرة... أنا لست «كاتباً»!قالت لي: لا يهم... المهم أنك لم تكذب، ليس من أجلي، وإنما من أجلك أنت ومن أجل أبنائك الذين ذهبت لإحضارهم من مدارسهم.قبّلت رأسها وطلبت منها الدعاء... واعتذرت منها مرة أخرى على الحادث، واعتذار آخر على اليوم الكامل الذي ستخسر فيه سيارتها عند محل التصليح.وأنا عائد إلى البيت، تمنّيت لو كنا أصدقاء.

@moh1alatwan