إسرائيل مجرمة، نعلم ذلك، وتنتهك حقوق الإنسان صباحاً ومساءً في الأراضي المحتلة، لا جديد، والجامعة العربية ودولها الأعضاء سوف تشجب وتستنكر وتدين حتى الثمالة، أمر متوقع، وستنتهي الأحداث مثلما انتهت جميع الأحداث الدموية التي مرت على العالم العربي منذ 1937 وحتى الآن، فلا جديد في الموضوع ولا نتوقع أن ينزل الإلهام والوحي على العرب من جديد ليتحركوا، فقد وصلوا إلى مرحلة انعدام الإحساس بالتاريخ وأحداثه، وأصبحوا بالفعل «ظاهرة صوتية» لا أكثر ولا أقل، بل يمكن أقل وأقل بكثير!
إجرام الدولة الصهيونية أمر مفروغ منه، وتحديها للقوانين الدولية كلها لا يجب أن يكون محل خلاف أو نقاش، فهي دولة قامت على الإرهاب وستبقى كذلك حتى إشعارٍ آخر! الأمر غير المفروغ منه هذه الأيام هي حالة «الإرهاب الفكري» التي يمارسها البعض دفاعاً عن «حماس» ومسؤوليتها عما يجري في قطاع غزة حالياً، فقتل الأبرياء في القطاع لم يبدأ في اليوم الذي أرسلت فيه القاذفات الإسرائيلية صواريخها تجاهه، بل بدأ منذ اليوم الذي هجمت فيه قوات «حماس» على مباني القوات الأمنية و«انقلبت» على سلطة رام الله وأعلنت القطاع قطاعاً محرراً خاصاً بها! قتل الأبرياء بدأ في اليوم الذي انقلبت فيه «حماس» وقواتها على الخيار الديموقراطي الذي أوصلها إلى الحكومة واستبدلته بخيار العنف والسلاح، وضحايا القصف الصاروخي الإسرائيلي لا يقلون أهمية ولا براءة عن ضحايا الهجوم «الحمساوي» على أتباع منظمة «فتح» ممن رأينا مقاطع إعدامهم الدموية على شبكة الإنترنت بهمجية لا تدل على أن أصحابها خاضوا للتو ما اعتبرته وسائل الإعلام أول تداول سلمي للسلطة يتم في دولة عربية!
من ينتقد الدور الذي تلعبه «حماس» في القطاع منذ ذلك الوقت وحتى الآن، متهم في إسلامه وعروبته وإنسانيته، حتى وإن انتقد المجازر الإسرائيلية، فالأهم لدى البعض، أن تلتزم الصمت حتى ينتقل آخر طفل فلسطيني إلى ربه الأعلى، فلا صوت يعلو فوق صوت «حركة المقاومة الإسلامية»، وإن اعترضت فأنت ضد «الحركة» وضد «المقاومة» وقطعاً ستكون ضد «الإسلام»! وإن لم يكن هذا هو الإرهاب الفكري بعينه فماذا عساه أن يكون؟
المهم أن الوضع في القطاع هذه الأيام هو بمثابة «الموسم» للبعض، مثلهم في ذلك مثل محلات الملابس والكماليات والهدايا، فهذا يعرض بضاعته للتبرع لضحايا القطاع ليرسلها إلى قادة «حماس»، وذلك يعرض بضاعته ليزايد بها على الآخرين ويصبح «ناصراً لأخيه» ظالماً كان هذا الأخ أو مظلوماً! وغيرهم كثيرون ممن يتقنون استغلال «المجازر الإنسانية» ليتاجروا بها! حسابات الربح والخسارة الخاصة بالفلسطينيين أنفسهم بحد ذاتها غير مهمة، المهم أن تقتلوا العدوان الصهيوني شجباً واستنكاراً حتى آخر «طفل فلسطيني» من أجل ألا تصبح ضد الحركة أو المقاومة أو الإسلام!

سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
salasfoor@yahoo.com