نصادف أحيانا نماذج متميزة من الكويتيين الذين يُشعروننا بالاعتزاز والفخر والغبطة، ومن بين هذه النماذج الأكاديميّان اللّواء الطيّار المتقاعد يوسف الملّا والدكتور المستجد طلال العتيبي، اللّذان تميّزا واستقطبا خلال الأيّام الأخيرة انتباه الكثيرين برُقيّهما في ميدانين مختلفين.تجدد سطوع نجم الملّا بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، بسبب تصريحاته وتحليلاته واستطلاعاته الدقيقة - المنبثقة من معلومات مؤكدة والمبنية على منهجية أكاديمية - التي نشرها عبر «تويتر». فعلى سبيل المثال جاء في إحدى تغريداته قبل القصف الإيراني الأخير أنه «إذا كان هناك رد فعل، فلا أتوقع أن يتجاوز مواقع القوات الأميركية في العراق، خصوصاً في الجزء الغربي القريب من سوريا»، وبالفعل الانتقام الإيراني جاء بصورة قصف بالصواريخ الباليستية على قاعدتين عسكريتين، جلها استهدفت قاعدة عين الأسد في الأنبار غرب العراق.والأجمل من تلك التغريدات، تغريداته التي عقّب فيها على فرضيّة أن تكون الطائرات - بدون طيار التي استخدمت في اغتيال الجنرال سليماني - قد أقلعت من قاعدة علي السالم في الكويت. حيث أستبعد الملّا تلك الفرضيّة بناءً على تحليل علمي مقتضب وطرح موضوعي مبسّط. فقد غرّد بأنه «إذا كان موقع انطلاق الطائرات بدون طيار أبعد من 500 كيلو متر، فيجب أن تقلع بوقت لا يقل عن ساعة ونصف. أي قبل إقلاع الهدف من بيروت أو دمشق»، وأن «السيناريو الأقرب للواقع: القوات الأميركية في مطار بغداد تتابع الموقف، وحال تأكدها بأن الطائرة في مرحلة الهبوط، أوعزت لإقلاع الطائرات بدون طيار». المراد أن الملا يوظف المنهجية العلمية - بمهنية عالية - في تحليلاته واستطلاعاته، ليس فقط في الموضوعين اللذين أشرت إليهما، بل في العديد من الملفّات الحساسة الأخرى، ومنها ملفّات حديثة كقضية إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية، وملفات قديمة كالأزمة بين الدول الخليجية الشقيقة.وبالنسبة للدكتور طلال العتيبي، الحاصل على شهادة دكتوراه في الهندسة الميكانيكية في جامعة تكساس أوستن المرموقة، فقد اطلعت على تصريح له في لقاء صحافي نشر قبل أسبوع في جريدة «القبس» حول حقوق الملكية الفكرية. حيث صرّح العتيبي أنه وزملاءه سجّلوا قبل 14 سنة براءة اختراع لدى وزارة التجارة والصناعة لفكرة تحويل الطاقة الحركية للإنسان أثناء المشي إلى طاقة كهربائية قادرة على شحن الأجهزة الكهربائية المحمولة كالهاتف النقّال، وأنهم فوجئوا أخيراً بتطوير الجيش الأميركي لجهاز يعمل على فكرتهم نفسها.رغم أن الخبر جميل، إلا أن الأجمل منه هو رد العتيبي على محاوره عندما سأله عن المقصّرين والأسباب وراء عدم تحوّل براءة اختراعهم إلى منتج باسمهم وباسم الكويت. حيث أجابه قائلاً: «اللوم يقع علينا كمبادرين في الفكرة وعلى المجتمع الذي لم يع وقتها أهمية الاختراعات». فالجمال النادر يكمن في إقراره بجانبه في المسؤولية والتقصير، عوضاً عن إسقاط كامل المسؤولية على الآخرين، كما هو الطبع السائد في مجتمعنا.أتساءل كيف سيكون حالنا نحن المجتمع الكويتي لو حرصنا على نشر تحليلات واستطلاعات المتخصصين الحياديّين من أمثال الملا عوضا عن تنافسنا في بث وتعميم منشورات منحازة وموجهة؟ وكيف سيكون لو تعلّمنا من العتيبي الإقرار بأوجه تقصيرنا عوضاً عن إسقاطها على الآخرين؟ فلنبدأ من اليوم... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com