منذ انتشار خبر اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني ورفاقه في الموكب الذي استهدفته القوات الأميركية، وأنا أتابع بانزعاج شديد تفاعلات المواطنين والسياسيين الكويتيين، مع عملية الاغتيال المخالفة للمواثيق والأعراف الدولية. تنوّعت التغريدات والتعليقات بين مؤيد لعملية الاغتيال وبين معارض لها متعاطف مع ضحاياها. وهذا أمر طبيعي في الكويت بسبب مساحة الحريات المتاحة لدينا لمشاهدة القنوات الفضائية وتحديداً السياسية والاخبارية منها، ولممارسة حرية التعبير عن الآراء. ما أثار اشمئزازي في هذا الجدل هو سقوط بعض التغريدات من مستوى إبداء الرأي إلى هاوية تخوين طائفة بمجملها واتهامها بالولاء لإيران، واتهام بعض الأفراد بالتعاطف مع داعش.من حقّك أن تعبّر عن امتعاضك من اعتبار سليماني شهيداً لأنك تعلم أنه شارك في قتل الأبرياء في سورية والعراق. ولكن ليس من حقك أن تخوّن شريحة من الكويتيين من دون أن تتفهّم تصوّرها للأحداث. وكذلك من حق الآخر أن يبدي استياءه من اتهاماتك لسليماني لأنه يعلم أن سليماني رجل شجاع يخشى الله، قاتل الدواعش وتفادى المدنيين. ولكن ليس من حقه اتهامك بالتعاطف مع «داعش». المراد أن التفاوت والتضاد في الآراء والمواقف تجاه الأحداث والاشخاص غالباً منشأه الاختلاف في مصادر المعلومات والأخبار وفي الافراد الذين نلتقي بهم في الدواوين، وليس التعصب الطائفي ولا الولاء لدولة إقليمية أو جماعة إرهابية.الجنرال سليماني الذي يعتبره البعض قاتل الأبرياء استناداً على ما تناقلته على مدى سنوات مجموعة من القنوات الإخبارية، يراه آخرون - من متابعي مجموعة أخرى من وسائل الاعلام - ضحية حملة تشويه ممنهج من قبل إعلام موجّه، وأنه قائد ميداني شارك ببسالة في تحرير مدن عربية وسكانها من الدواعش، وفي صدّهم عن «فتح» الكويت وضمها إلى دولتهم الإرهابية. فله في قلوبهم مكانة خاصة مقاربة - على أقل تقدير - لمكانة قائد عمليات تحرير الكويت «عاصفة الصحراء» الجنرال شوارتسكوف، الذي اتهم أيضا بقتل الأبرياء. لست بصدد تغيير نظرة أحد تجاه سليماني، ولكنني أسعى إلى المشاركة في إخماد الفتنة الطائفية في مرحلة حساسة جداً. أمام هذا الانحدار الخطير في مستوى الحوار والتمادي في توجيه الاتهامات المتطرّفة، الحكومة اكتفت بالمطالبة بالابتعاد عن الخطابات التي من شأنها المساس بالوحدة الوطنية، والتحذير من الانجراف خلف كل ما من شأنه إثارة النعرات، والتأكيد على أنها ستتخذ الإجراءات القانونية كافة تجاه ما يمس الحفاظ على أمن البلاد. عندما قرأت تصريح الحكومة توقعت أنها ستتصدى للمخالفين فوراً وبحزم مساوٍ لما مارسته مع عدد من المغرّدين في الأيام الأولى من الضربات الجوية في اليمن. ولكنني حتى كتابة هذا المقال لم أطلع على إحالة الحكومة أياً من متجاوزي الخطوط الحمراء إلى النيابة!؟مشكلة حكومتنا مع الفتن الطائفية لا تقتصر على تقاعسها عن التصدّي لمثيري الفتن الطائفية، لأنها في المقام الأول متقاعسة عن معالجة هشاشة نسيجنا الوطني. وهذا التقاعس تجلى وبدا لي ساطعاً عندما شاهدت الجهود الإيرانية لمضاعفة وحدة الإيرانيين، وتحديداً أثناء تشييع الجنرال سليماني بمشاركة جماهيرية كبيرة جداً في مدن عدة. كيف لا وهم الذين حرصوا منذ بداية جمهوريتهم على توحيد الشعب وتوظيف قوة الجماهير في المواجهات الداخلية والحروب الخارجية، وبدرجة لا تقل عن جهودهم في تنمية قدراتهم الاستخباراتية والعسكرية. لذلك نجد أن الشعب الإيراني أكثر تماسكاً، رغم كونه أكثر تنوعاً من حيث عدد الأعراق والديانات والمذاهب والتوجهات السياسية المنتسبة إليه، ورغم - أيضاً - ما تعرّضت له الجمهورية من أعمال إرهابية وتخريبية وتجسّسية... بأيدٍ إيرانية. في الختام، أدعو الجهات الحكومية المعنية بالوحدة الوطنية وفي مقدمتها جهاز الأمن الوطني ومكتب الإنماء الاجتماعي، إلى العمل بكل الوسائل على تقوية اللحمة الوطنية وتعزيز وحدتنا... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
abdnakhi@yahoo.com