بينما كنت جالساً في مكتبتي أفكر وأتأمل كيف يمكن لي أن أكتب مقالاً واحداً يحل كل مشاكل الكويت بضربة واحدة، دخلت علي~ ابنتي ذات التسع سنوات وهي تقول لي:- سأقول لك أربع معلومات عن الكواكب قرأتها في موسوعة... لقد اكتشفوا أكثر من 500 كوكب خارج النظام الشمسي، وكان الرومان قديماً يسمون الكواكب على أسماء آلهتهم، هناك كوكب خارج النظام الشمسي وفيه ماء، لا يوجد لكوكب عطارد أقمار طبيعة، ويعتبر هو والزهرة الكوكبين الوحيدين اللذين لا يملكان نظام أقمار.نظرت إليها بكل فخر واعتزاز وشعرت أنني قد بلغت الرسالة الأبوية والأمانة الأسرية، في جعل ابنتي تقرأ لتنتقل من «التايم لاين» إلى الموسوعات العلمية... وكدت أن أقوم لأقبل رأسها ولكني شعرت بالكسل والخمول... فدعوت لها في قلبي من دون أن أسمعها دعائي.ثم أكملت كلامها قائلة:- أبي... أحتاج إلى منظار لكي أراقب الكواكب والنجوم والأقمار، بحثت في الإنترنت، ووجدت أن هناك متجراً لبيع منظار فلكي منزلي بسعر 250 ديناراً... أرجوك.نظرت إليها بكل ريبة وتشكك وشعرت أنني أمام مخطط مسبق ومحكم بعناية لاستدراجي تجاه السوق، وشعرت أنني لم أؤدّ الأمانة كاملة وما بلغت الرسالة، وخفت أن تصبح ابنتي مدربة تنمية بشرية تأخذ ثلاث معلومات من الإنترنت ثم تقدم للبشرية ورشا ومحاضرات عن اللاشيء، وشعرت أنني ربّيت خبيراً استراتيجياً أميركياً يسلك طرقاً ملتوية حتى يشعر من يمشي خلفه بالدوار والربكة.كان لابد لي أن أخرج من هذا المأزق.قلت لها يقول الشاعر بابلو نيرودا:لا يزال، رغم كل مفاخره في الفضاءيقتل على الأرض... أعداداً ضخمة من البشر.قالت لي وهي مقطبة الجبين وممتلئة بالعبوس وكأن القطة سرقت أسنانها:- ماذا تقصد؟قلت لها وقد استحضرت التاريخ البشري برمته.- كل النظريات والمعلومات التي تتعلق بالكون واتساعه والكواكب وطبيعتها تمثل وجهة نظرنا تجاهها، ولكن في الحقيقة لا الكون أو الكواكب تهتم بهذا، فمنذ اليونان وحتى كوبرنيكوس وجاليلو مرورا بأينشتاين وحتى وكالة ناسا تتغير النظريات والحقائق حول الكواكب والنجوم والضوء... ولكن لا شيء يتغيّر فيها سوى نظرتنا لها، في الواقع أن ما يجب أن نقلق بشأنه فعلاً هو النظريات التي تتكلم عن طبيعة الإنسان ذاته، والتي تعمل على تغييره ورسم سلوكه.توقفت عن الكلام لبرهة ثم قلت:- كل النظريات التي أطلقت على الكون والنجوم والأقمار لم تحرك أو توقف أو تغير شيئا هناك، ولكن كثير من النظريات التي أطلقت على الإنسان فعلت به الأفاعيل هنا.نظريات دارون والتطور وفرويد واللاوعي وآراء نيتشه والأخلاق وفولتير وديكارت وكانط وسوق آدم سميث، والآباء المؤسسين في كل دولة وعلماء الاجتماع الكبار وماركس وميكافيلي، وتوماس مالتوس، ونقد سبينوزا والألغام التي زرعها في العهد القديم، وتوجهات ما بعد الحداثة وسيمون بوليفار وما بعد الإنسانية، كل هذه النظريات ساهمت في تشكيل الإنسان اليوم وغيّرت مساره وحجمه وحددت سلوكه وقيمه.دعيني أضرب لك مثالاً كيف تحدد النظريات سلوكنا.في أوائل القرن التاسع عشر، سكّ الطبيب الأميركي صموئيل كارترايت كلمة «درابيتومانيا - جنون الفرار»، ليصف المرض العقلي الذي يدفع العبيد للفرار من أسيادهم. وقد كانت نظرة كارترايت تعتبر السود خاضعين بحكم الطبيعة، وسيكونون في حال أفضل تحت رعاية سيد أبيض عطوف. ولذلك، فإن أي عبد حاول الفرار لا بد وأنه يعاني من مرض عقلي شديد. واقترح بأنه يمكن معالجة العبيد الذين ظهرت عليهم علامات جنون الفرار من خلال جلد الشيطان ليغادر أجسادهم.ورغم أن فكرة عدم الرغبة في أن تكون عبدا يعود سببها لخلل عقلي تبدو فكرة مجنونة اليوم، فإنها كانت إحدى النظريات العلمية التي ساعدت على تبرير العمل الاستعبادي أو الخدمة القسرية.توقفت عن الكلام وشعرت أنني نجحت في جعل ابنتي تدور حول نفسها، بدلاً من الدوران حول الكواكب.خرجت ابنتي من المكتبة... ثم عادت وفوق رأسها فطر من الدخان، كالذي أحدثته قنبلة هيروشيما.نظرت إليها ثم ختمت كلامي قائلاً بهدوء:- يتضح بجلاء أن قليل من التأمل سينبهنا إلى أن الأهم من الأربع معلومات حول الكواكب، هو أن ننتبه لخطواتنا المقبلة أين نضعها؟ فالسلوك اليومي في الحياة اليومية يثير أمام كل شخص، وفي كل حين مواقف أخلاقية تتطلب حلاً آنياً.قالت لي:- ماما تريد أن تتحدث معك!من فوري استدعيت كل مبادئ «النأي بالنفس» في عالم السياسة، وتذكرت كيف انهار الاتحاد السوفياتي بالقوة الناعمة، رغم كل المثقفين المحيطين به... فقلت لابنتي:- هيّا يا حبيبتي... ارتدي ملابس الخروج لنذهب ونشتري المنظار.

@moh1alatwan