كما أن الخلاف حول جواز الاحتفال بمولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يندلع كل عام، فالخلاف أيضاً حول جواز التهنئة بمولد المسيح وزيارة بابا نويل يندلع كل سنة.صحيح أن خلاف المولد النبوي يقع بين المتدينين أنفسهم ما بين الأخوة السلفية والسادة الصوفية منذ مئات السنين، إلا أن خلاف التهنئة بالكريسماس يقع بين فئتين قد تمايزتا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ورغم أن كل فئة منهما لا تنتمي إلى أحزاب سياسية أو تيارات منظمة أو حتى تحت مظلة أيديولوجيا واحدة، إلا أن ما قد يجمع بين الفئتين هو المرحلة العمرية المتمثلة في أنهم من الشباب الرافضين للقوالب الجاهزة والاقتباسات المعلبة.فهناك فئة الملتزمين دينيا البعيدين عن السياسة ورجالها، وهم المترددون على الدروس الدينية والبحث عن الفتاوى في المواقع التي تنظم لهم شكل الحياة والعلاقة مع مجالاتهم سواء في البيت أو مع الجيران أو حتى مع الدولة، وهؤلاء في جزء كبير منهم يعتقدون أن تهنئة النصارى تعتبر إقراراً بعقيدة الصلب والفداء والخلاص، وإقراراً بالذي يصاحب هذه الأعياد من ممارسات لا توافق عليها الشريعة الإسلامية وأن هناك اختلافاً كبيراً في النوايا بين إطلاق لحاهم وبين لحية بابا نويل، وجزء آخر منهم يتسامح مع ذوي القربي والجيران النصارى بخصوص التهنئة خصوصاً المجتمعات التي تتميز بالفسيفساء الاجتماعية والدينية مثل العراق ولبنان والمغرب، وجزء ثالث لا يمانع التهنئة ولكنه يرفض تاريخ الميلاد والمشاركة، وجزء رابع لاحظ تنازل جماعات سياسية إسلامية عن سرديات خطابها حول تطبيق الشريعة والحدود من باب التماشي مع الأمم المتحدة في العصر الحديث، فقرر من تلقاء نفسه أن يستفتي قلبه ويهنئ ويشارك من باب الألفة والتماشي مع أصدقائه النصارى في العمل، وفي النهاية سنلاحظ أن شكل التزام كل مجموعة من الفئة الأولى تحدده مجموعة عوامل أكبر من مجرد الفتاوى.أما الفئة الثانية فهي الظاهرة للعيان من خلال معرفات تويتر وفيس بوك والإنستغرام والتي تعرف عن نفسها من خلال أنها ذات هوية علمانية أو ليبرالية، وهذا لا يعني أنهم ملاحدة أو كارهين للدين بقدر ما يعني أنها لم تعد لديها الرغبة في تصنيفها ضمن إطار المصطلحات الدينية أو حتى الاهتمام بالفتاوى والموسوعة الفقهية، وهؤلاء بالتحديد على قلب رجل واحد في ما يتعلق بالتهنئة والمشاركة بل وحتى انتظار بابا نويل شخصياً والصعود معه على الشجرة.إن فشل الحركات السياسية الإسلامية قد أصاب الكثير من الشباب بالإحباط، خصوصاً الذين لاحظوا وراقبوا ممارسات تدعو إلى الاستغراب مثل تعديل الخطاب الديني بشكل صادم بما يناسب احتياجات السوق السياسي والاستهلاكي، أو استدعاء خطاب فقهي من سياق اجتماعي وثقافي قديم سبب صدمة لكل من شاهده متمثلاً بداعش في العراق والشام، وهذا ساعد بشكل كبير في زيادة الفئة الثانية على حساب الفئة الأولى والتي شاركتهم نفس الصدمة ولكنها لم تصل إلى نفس النتائج.ورغم أن الخلاف في مسألة التهنئة هذه عليها أن تبقى في دائرة ما يمكن تقبله وما لا يمكن تقبله حسب السياق المجتمعي وتشكيله للهوية الدينية، وليس حسب السياق الديني وتشكيله للهوية الاجتماعية، بمعنى أن ما يحدد هنا فائدة الجواز من عدمه هو شكل المجتمع وليس شكل الفتوى، إلا أن هجوم الطرفين بحده على الآخر في الخليج تحديداً يدل على أن الأمر أكبر من مجرد خلاف حول التهنئة بالكريسماس، ففي النهاية كلا الطرفين يعلم جيداً أن رفضه أو سماحه هو أمر شخصي بحت، خصوصاً إذا كانوا يعيشون في مجتمعات خليجية ذات غالبية إسلامية ساحقة، فقد لا يصادف أحدهم مسيحياً واحداً في الشارع وقت الكريسماس، سوى النادل الفيلبيني في المطعم أو الكافيه، وعادة لا أحد يهنئه سواء السامحون، كذلك سيثور الجميع غضباً على مخلفات «الشرق آسيويين» التي سيتركونها وراءهم بعد احتفالهم بالكريسماس في الديرة، مقدمين الوطنية على التسامح الديني.إن ما حدث خلال السنوات الأخيرة من قتل على الهوية وتغذية للخطاب الطائفي والمذهبي في الوطن العربي، وتسخيف لأي محاولة نحو وعي سياسي واجتماعي يتعالى على الانقسامات، وما حدث في سورية والعراق وليبيا والصومال والسودان، وما صاحب ذلك من عدم وضوح للرؤية في القضية الفلسطينية سواء في شكلها النضالي أو الديبلوماسي، جعل الطرفين سواء الملتزمون دينيا أو الملتزمون بإعلان حقوق الإنسان يعيشون بين تساؤلات فردية غالبها دينية مثل من نحن؟ كما نرى أنفسنا، ومن نحن؟ كما يرانا الآخرون.إن الخلاف الحقيقي ليس حول شجرة وضعت في فندق أو سوق مركزي هنا أو هناك، بل الخلاف حول من نحن؟ ولماذا علينا أن نفعل ذلك؟ وما هو موقع الفعل من هويتنا الدينية وهو خلاف أحياناً يأخذ شكل تهنئة النصارى وأحياناً يأخذ شكل السفور والحجاب أو حتى علاقة الدين بالدولة... ربما... وربما لا.أقول قولي هذا واستغفر الله من زلات القلم وهفواته.
@moh1alatwan